خلال الأشهر القليلة الماضية، وتزامناً مع نفي السيسي الاتهامات بأن الدولة تمارس التعذيب، نظر عدد من المحاكم في البلاد في دعاوى قضائية بحق بعض المسؤولين الأمنيين بتهمة ممارسة التعذيب وارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان. وفي 25 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أيدت محكمة النقض – أعلى محكمة جنائية للمدنيين في مصر – حكمًا على أحد ضباط الشرطة بالسجن المشدد 7 سنوات، والسجن 3 سنوات لـ5 أمناء شرطة آخرين، لتعذيب مواطن حتى الموت داخل أحد أقسام الشرطة. كما قضت بتغريم وزير الداخلية 1.5 مليون جنيه (85 ألف دولار) تم دفعها غرامة لأسرة الضحية كتعويض عن عدم قيام وزارة الداخلية بمنع هذه الانتهاكات. ويُعَدّ هذا الحكم واحداً من عدة أحكام قضائية نهائية غير قابلة للطعن صدرت مؤخراً ضد ضباط في الشرطة، على خلفية اتهامهم بممارسة التعذيب وغير ذلك من أشكال سوء المعاملة للموقوفين بما يتسبب بإصابتهم بأمراض مزمنة وعاهات مستديمة. كذلك تنظر المحاكم المدنية في آلاف الدعاوى المرفوعة ضد وزير الداخلية للمطالبة بالتعويض لإغفاله عن وقائع التعذيب أو سماحه بحدوثها. والتعذيب المتزايد لا ينطلق دائماً من الدوافع السياسية، ففي حالات كثيرة، إنه مؤشّر عن الإفلات المتنامي من العقاب في أوساط الأجهزة الأمنية، وغياب الصدقية لدى القضاء، وانهيار سيادة القانون.

في 19 كانون الأول/ديسمبر الماضي، أحالت نيابة حوادث جنوب الجيزة 8 ضباط شرطة إلى محكمة الجنايات بتهمة اغتصاب شاب وتعذيبه حتى الموت، فيما كانوا يمارسون الضغوط عليه للاعتراف بارتكاب جريمة قتل وسرقة. ونسبت النيابة للمتهمين فى القضية حجز الموقوف بطريقة غير قانونية من 13 شباط/فبراير إلى 6 آذار/مارس 2017، وتعريضه للتعذيب لحمله على الاعتراف بارتكاب الجريمة، حيث قيّدوه وعلّقوه وضربوه باستخدام عصي وصواعق كهربائية، وجرّدوه من ملابسه، وتسببوا له بالإصابات التي أودت بحياته. وكان بين المدّعى عليهم كبير المحققين في شرطة الأهرام، وكبير التحريين، وثلاثة معاوني مباحث، وأمينا شرطة، وقد اتُّهِموا جميعاً باغتصاب الشاب الموقوف وضربه حتى الموت. وبالمثل، في 22 آذار/مارس 2017، قضت محكمة جنايات الجيزة، بمعاقبة معاون مباحث بالسجن 5 سنوات ونائب مأمور بالحبس سنة، و4 أمناء شرطة "سابقين" بالحبس لمدة 3 سنوات، بتهمة الاحتجاز غير القانوني للمحاسب سعد سعيد وتعذيبه حتى الموت، داخل قسم شرطة الجيزة. ومن المقرر أن يتم تأييد هذه الأحكام بعد الاستئناف والطعن بها.

وفي 23 أيار/مايو الماضي، رفضت محكمة النقض الطعن المقدَّم من ضابطَين وأمينَي شرطة أدينوا بالسجن 3 سنوات، في قضية تعذيب محتجز بقسم السيدة زينب، وهو حي تقطنه الطبقة العاملة في القاهرة، بعدما تمت إدانتهم بضربه وسحله وتعذيبه حتى فارق الحياة داخل الحجز، وذلك بعد تدخّل الشرطة لفض مشاجرة بالقوة بين المحتجزين. وفي 12 شباط/ فبراير 2017، رفضت محكمة النقض الطعن المقدَّم من ضابط شرطة، صدر ضده حكم بالسجن 5 سنوات، بتهمة تعذيب المواطن السيد الكسبري حتى الموت بمركز شرطة رشيد بمحافظة البحيرة. فعندما طلب الكسبري من الضابط أن يُريه إذن النيابة الذي يخوّلهم دخول وكالة السيارات المملوكة منه، أقدموا على التعدي عليه، ونزعوا ملابسه، وسحلوه، ثم اقتادوه إلى الزنزانة حيث توفي.

وتقوم المحاكم الجنائية أيضاً بالنظر في قضايا تعذيب داخل السجون، كان أبرزها قضية التعذيب الشهيرة بحق سجينَين، عندما أصدرت محكمة النقض حكمًا تاريخيًا في 4 أيار/ مايو 2015، بحبس عقيد شرطة 3 سنوات، بعدما أصدر أوامر للحرّاس بتعذيب سجينَين حتى الموت، وحبس 13 شرطيًا سنة لكل منهم، لمشاركتهم في عملية التعذيب التي أفضت إلى موت السجينين. كما أيّدت حبس طبيب السجن آنذاك سنة، لتورطه في تحرير شهادتين طبيتين مزوّرتين بشأن أسباب وفاة السجينين. 

ومع ذلك، تبقى هذه الأحكام عاجزة عن ردع قوات الأمن المسؤولة عن التعذيب. تنص المادة 56 من الدستور على تولي السلطة القضائية الإشراف على السجون وأماكن الاحتجاز. وتعطي المادة 85 من قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956، للنائب العام ووكلائه ورؤساء المحاكم والقضاة، الحق في دخول جميع أماكن السجن، للتحقق من عدم وجود أي شخص مسجون بغير وجه قانوني، والتأكّد من أن السجناء يلقون المعاملة المناسبة، وقبول شكاوى المسجونين، وفحص السجلات والأوراق القضائية للتحقق من مطابقتها للنماذج المقررة. بيد أن السلطات القضائية لا تقوم بمثل هذه الإجراءات التي تُعتبَر ضرورية من أجل تقويم النطاق الكامل للانتهاكات والحؤول دون وقوعها.

واقع الحال هو أن العديد من المواطنين يعتبرون أن الهدف الأساسي من تلك الأحكام هو الاستعراض، وأنها تفشل في محاسبة العناصر الأعلى رتبةً في الأجهزة الأمنية على الانتهاكات المرتكَبة. فهناك العديد من القضايا التي يتورط فيها مسؤولون كبار بالجهاز الأمني، ولا تتم مساءلتهم أو تنفيذ أي عقوبات بشأنهم. فعلى سبيل المثال، أعلنت هيئة تقصي الحقائق برئاسة المستشار عادل قورة، مقتل 846 مدنياً وإصابة 6467 متظاهراً بجروح في الشهر الأول من ثورة 2011، مشيرةً إلى أن جهاز المخابرات العامة ووزارة الداخلية كانا مسؤولَين عن التخطيط لهجمات القنّاصة على المتظاهرين. ومع ذلك لم تتم محاسبة أي من كبار المسؤولين في وزارة الداخلية. وفي 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2014، في إطار محاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك، قررت محكمة جنايات القاهرة تبرئة اللواء حبيب العادلي، وزير الداخلية الأسبق، و6 من كبار مساعديه، من تهمة القتل العمد. وعلى النقيض من ذلك، وعلى الرغم من تبرئة معظم ضباط الشرطة من قتل المتظاهرين، قررت محكمة جنايات الجيزة، في 4 حزيران/يونيو 2012، معاقبة خمسة من أمناء وأفراد الشرطة بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات، بتهمة قتل المتظاهرين في 28 كانون الثاني/يناير 2011.

ووفقاً للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تميل النيابة العامة أيضاً إلى حبس المتهمين احتياطياً بشكل انتقائي، فهي لم تأمر بحبس أي من ضباط الشرطة المتهمين في العديد من قضايا القتل، رغم وجود أدلة دامغة ضدهم في ملفات التحقيقات، في حين يتم حبس المتهمين بالتجمهر وقطع الطريق، الذين يُقبَض عليهم بشكل عشوائي، في تحٍّ واضح للقانون المصري، رغم ضعف الأدلة أو انعدامها أحيانًا.

وفي الوقت نفسه، تواصل الشرطة تعذيب المعتقلين بصورة منهجية دون عقاب، وتزداد وتيرة الانتهاكات ضد السجناء الجنائيين والسياسيين. في العام 2016، وثّقت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات 830 حالة تعذيب تضمنت 159 واقعة تعذيب في أقسام الشرطة و101 حالة تعذيب في مقر جهاز أمن الدولة الذي تديره وزارة الداخلية، إضافة إلى 35 واقعة بمعسكرات قوات الأمن، و6 وقائع في المؤسسات العقابية. يمثل الطلاب النسبة الأكبر من ضحايا التعذيب، بالإضافة إلى 115 حالة تعذيب كانت من نصيب المهنيين من معلمين ومهندسين وأطباء وإعلاميين ومحامين. ولم تقتصر الانتهاكات على التعذيب فقط، وإنما شملت أيضاً الإهمال الطبي، حيث ترفض إدارات السجون طلبات العلاج الطبي لسجناء يعانون من أمراض السرطان والقلب والسكري، ما أدى إلى وفاة العشرات، وذلك كله في ظل غياب التفتيش القضائي على مراكز الحجز.

قد ينجح لجوء السلطات المصرية العشوائي إلى التعذيب والترهيب في تخويف المعارضة على نطاق أوسع، لكنه يزيد من حدّة الإحباط الذي يتنامى من جديد لدى المصريين الغاضبين من إفلات المسؤولين من العقاب وتدهوُر سيادة القانون.

خالد حسن صحافي مصري متخصص في الشؤون السياسية وحقوق الإنسان.