منذ شنَّ نظام بشار الأسد هجوماً جوياً ومدفعياً واسع النطاق على الغوطة الشرقية في 18 شباط/فبراير، يتكدّس المدنيون في الغوطة الشرقية في عدد محدود من الملاجئ التي لا يدخلها الهواء تحت الأرض من أجل زيادة حظوظهم بالنجاة من الذخائر المتفجّرة. وقد تحدّثت التقارير أيضاً عن شنّ هجمات بغاز الكلور. وإزاء تناثر الأسلحة المتفجّرة والكيميائية، بات الأشخاص الذين يكافحون من أجل الصمود، أمام خيار مستحيل: إما يموتون في ملجأ تحت الأرض اختناقاً بسبب تنشّق الغاز السام وإما يجازفون بالتعرض للإصابة بالمتفجرات فوق الأرض. وفي هذا السياق، يزداد عجزهم ويأسهم.

لقد دفع الاستعمال الواسع للذخائر المتفجّرة خلال الأعوام الخمسة الماضية على أيدي النظام السوري وحلفائه الروس، بالمدنيين إلى حفر كهوف وأقبية، وملاجئ تقع بالكامل تحت الأرض، للاحتماء من هذه الهجمات. وفقاً لمنظمة "التحرك في مواجهة العنف المسلّح" (AOAV) التي ترصد الأذى اللاحق بالمدنيين بسبب الأسلحة المتفجّرة، تصبح هذه الهجمات شائعة بوتيرة مطّردة في سورية. لقد تسبّبت الأسلحة المتفجرة – بما في ذلك الهجمات الجوية، والقصف، والعبوات الناسفة – بتسجيل 13313 إصابة مؤكَّدة في صفوف المدنيين بين قتيل وجريح في العام 2016، مقارنةً بـ8732 في العام 2015، والسبب الأساسي وراء ارتفاع أعداد الإصابات هو الزيادة بنسبة 77 في المئة في عدد الهجمات الجوية التي تشنّها القوات السورية والروسية. تشير البيانات الأولية لمنظمة AOAV عن العام 2017، إلى أن حصيلة القتلى المدنيين جراء المتفجرات التي تُطلَق من الجو في سورية ازدادت بنسبة 55 في المئة، من 6382 في العام 2016 إلى 8051 في العام 2017. تُشَنّ غالبية هذه الهجمات على مناطق مأهولة، ما يؤكّد أنها استراتيجية متعمّدة من النظام. ومن أجل التعامل مع هذا الواقع، أقدم المدنيون على بناء مستشفيات ومدارس تحت الأرض تجنّباً للهجمات.

كذلك سُجِّل ما لا يقل عن 198 هجوماً بغاز الكلور في سورية منذ العام 2012، بما في ذلك 8 هجمات منذ مطلع العام 2018، وفقاً للجمعية الطبية السورية الأميركية (SAMS). مؤخراً، تسبّب هجوم بالقذائف على بلدة حمورية في الرابع من آذار/مارس، بـ"انبعاث مواد مسبِّبة للانزعاج والتهيّج". على الرغم من أنه جرى لاحقاً التثبّت من أن الهجوم على البلدة لم يكن بغاز الكلور، إلا أنه أثار الذعر في صفوف المدنيين وأسفر عن إجلاء عشرات الأشخاص من المنطقة. نادراً ما يتسبّب غاز الكلور بوفاة الأشخاص لأنه يتبعثر بسرعة، لكن بما أنه أثقل وزناً من الهواء، يُدفَع باتجاه الخنادق والأقبية. وفي العموم، ليست بحوزة المدنيين أقنعة للوقاية من الغاز نظراً إلى أن استخدام هذا السلاح يتم بشكل متقطّع، وهكذا فإن إرشادات التوعية للنجاة من هجوم بغاز الكلور تفترض التوجّه إلى مستوى أعلى عن الأرض. غير أن هذا يتعارض بشكل مباشر مع التحذيرات التي يُطلَب التقيّد بها في معظم الهجمات بالذخائر التقليدية. في العام 2015، لقيت عائلة من ستة أشخاص كانت تختبئ في ملجأ تحت الأرض في ناحية سرمين، مصرعها في هجوم بغاز الكلور، لأنهم كانوا يتواجدون تحت الأرض للاحتماء من الهجمات الجوية.

كذلك يُثير استخدام غاز الكلور مخاوف من استعمال غازات أشدّ فتكاً. يمكن أن تتشابه العوارض الأولى التي تظهر على الشخص عند تعرّضه لغاز الكلور – بما في ذلك الشعور بألمٍ حارق في الحلق والعينَين، وصعوبة في التنفّس، وسعال، وعيون دامعة، وغثيان وتقيؤ – مع رد الفعل على عدد كبير من الأسلحة الكيميائية الأخرى. وهي تشبه في شكل خاص العوارض الأولى التي تظهر عند الشخص الذي يتعرض لغاز السارين، والتي يمكن أن تتطور إلى تشنجات، وشلل، وإلى الوفاة في غضون دقائق معدودة. بعد إطلاق قذائف مليئة بغاز السارين على أحياء زملكا وعين ترما والمعضمية في الغوطة، في 21 آب/أغسطس 2013، ما أسفر عن مقتل 1300 شخص وإصابة أكثر من عشرة آلاف آخرين، أشرفت "منظمة حظر الأسلحة الكيميائية" على تدمير الترسانة السورية من الأسلحة الكيميائية في وقت لاحق من العام نفسه. غير أن العوارض الأولى للتعرض لغاز الكلور مشابهة إلى حد كبير لتلك التي يصاب بها الأشخاص في الدقائق الأولى لاستنشاقهم غاز السارين، إلى درجة أنه بعد شيوع استخدام غاز الكلور في مطلع العام 2014، اعتقدت العائلات أن النظام لم يسلّم كامل أسلحته الكيميائية – وقد تبيّن أن هذا الاعتقاد صحيح عندما شُنَّ هجوم آخر بغاز السارين على خان شيخون في الرابع من نيسان/أبريل 2017.

لقد تحوّل استعمال غاز الكلور إلى حرب نفسية شديدة الفاعلية ضد المدنيين الذين يشعرون بأنهم عاجزون عن حماية أنفسهم – فضلاً عن أنه أرخص بكثير من الأسلحة الأخرى. يعوِّل الجيش السوري، الذي يتألف في معظمه من ميليشيات محلية وأجنبية، على هذه التكتيكات من أجل توليد مستوى من الصدمة النفسية والجسدية يقود إلى استسلام الأشخاص المقيمين في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، أو هروبهم. بهذا المعنى، الهدف الذي يتوخّاه النظام هو بثّ الخوف والإمعان في تدمير أي مظهر من مظاهر الحالة السويّة في المناطق المأهولة من المدنيين، ما يقود إلى استسلامهم التام.

يبدو النظام وحليفته روسيا متلهّفَين للسيطرة على ما تبقّى من الأراضي السورية: إنهما يقاتلان في مناطق كانت تنعم بالاستقرار سابقاً، مثل الغوطة الشرقية وقلعة المضيق في حماه، ويتجاهلان حتى الهدنات المؤقتة.1 نظراً إلى عدم وجود جيش وطني موحّد، وإلى ما تعانيه البلاد من اقتصاد مدمَّر، سيستمران في استخدام هذه التكتيكات المنخفضة الكلفة والتي لا تتطلب عديداً بشرياً كبيراً، لمحاربة المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة قبل شنّ هجوم بري. وعلى ضوء حجم التروما ونطاقها، وحتى لو اقتصرت القوات البرية على حدّها الأدنى في المستقبل، مع إعادة إعمار هامشية أو معدومة، غالب الظن أن النظام سيتمكّن من استعادة الأراضي التي كانت خاضعة سابقاً لسيطرة المعارضة، لأن السكّان لن يجرؤوا على التمرّد.

على الرغم من وقوع هجومَين مؤكّدَين بغاز السارين، ونحو مئتَي هجوم بغاز الكلور بحسب التقارير، ومئات الهجمات على الأحياء السكنية، وعلى الرغم من التوصل إلى العديد من اتفاقات وقف إطلاق النار عن طريق التفاوض، آخرها اتفاق أُبرِم في 24 شباط/فبراير الماضي، لم تترتب سوى تداعيات قليلة على النظام السوري جراء هذه الممارسات، ما يُثير المخاوف من أن المعايير المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان تنهار على نطاق واسع وعلى مرأى من الجميع. سوف يواجه النظام السوري صعوبات في إعادة بناء البلاد المدمَّرة، وإحكام سيطرته على الأراضي التي استحوذ عليها مؤخراً، وربما أيضاً إخماد تمرّد في السنوات المقبلة – لكنه ينجح، في الوقت الراهن، في زرع الرعب في نفوس المدنيين.

نظراً إلى أن معظم البلدان قادرة على الوصول إلى كميات كبيرة من غاز الكلور، وهو عبارة عن مادّة كيميائية تُستخدَم على نطاق واسع لأغراض مدنية، يمكن أن يُستعمَل هذا التكتيك في أي مكان ضد المدنيين إذا لم يتم تحميل المرتكبين عواقب أفعالهم. من الممكن ألا يمثل المرتكبون أبداً أمام العدالة، غير أن تكوين قاعدة راسخة من الأدلة قد يساعد على إبقائهم قيد المساءلة في المستقبل. بما أن النظام وروسيا على السواء ينكران ارتكاب أي انتهاكات، ليس هناك من سبب إذاً كي يرفضا دخول لجنة إلى البلاد للتقصي عن هذه الممارسات. وفي حين أن إحقاق العدالة قد يستغرق سنوات، هناك بعض الخطوات التي يمكن أن تقوم بها الأمم المتحدة الآن كي تُظهر أنه لن يتم غض النظر بالكامل عن الانتهاكات الفادحة للقانون الإنساني الدولي. وقد تشمل تلك الخطوات انسحاب الأمم المتحدة من دمشق، حيث يحرص النظام السوري على استمرار المنظمة الدولية في تقديم المساعدات إلى المناطق الخاضعة لسيطرته حتى فيما يمنعها من تقديم المساعدات إلى المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة. فهذه المساعدات تساهم في شكل أساسي في تحرير الأموال الضرورية لمواصلة الحرب، وفق ما أشار إليه الخبراء. وهكذا تُوجِّه الأمم المتحدة رسالة خطيرة إلى العالم عبر العمل مع النظام السوري على مدار الحرب، والاستعداد للعمل مع منظمات المساعدات والمتعاقدين المتحالفين مع النظام في مرحلة إعادة الإعمار في المستقبل.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

ناتاشا هول محللة مستقلة متخصصة في شؤون اللاجئين والأزمات الإنسانية. لمتابعتها عبر تويتر: ArtInExileDC@


1. مقابلة مع رئيس المجلس المحلي في قلعة المضيق، 14 آذار/مارس 2018.