هايلي بوبسين كاتبة وباحثة ومحللة مستقلة متخصصة في شؤون الشرق الأوسط. لمتابعتها عبر تويتر haleybobseine@

على الرغم من وعود الإصلاح، وتفكّك فريقَي 8 و14 آذار، والتحالفات السياسية المتبدِّلة، لا تزال النخب السياسية التقليدية في لبنان مصمّمة على الإبقاء على المنظومة التي تُتيح لها كسب المغانم. تتجنّب تلك النخب تقديم تنازلات ملموسة، مثل تطبيق إصلاحات واسعة النطاق لمكافحة الفساد، لأنها تؤدّي إلى تقويض سلطتها. في الواقع، لقد خلصت دراسات محلية إلى أن التشريعات المقترَحة والقوانين التي أُقِرَّت في مجلس النواب لا تلبّي تطلعات المواطنين.

غير أن البلاد نعمت في الأعوام الأخيرة بمستوى أكبر من الأمان النسبي، ما أتاح للناخبين اللبنانيين تحويل أنظارهم نحو فشل النخب في تأمين خدمات أساسية أو تحقيق إصلاحات. تردّ اللوائح الانتخابية والمرشحون غير التابعين لمؤسسة السلطة، بتقديم مقترحات لتطبيق إصلاحات اقتصادية وسواها من الإصلاحات، مثل علمنة الدولة، وسيادة القانون، وتأمين الخدمات الأساسية بالتساوي للجميع. حتى لو لم يحالف الحظ بعض المرشحين ولم يتمكنوا من الفوز بمقاعد في هذه الدورة الانتخابية، يقول محلّلون لبنانيون إن خوضهم الانتخابات يجهّز الأرضية لتحقيق نجاحات محتملة في صناديق الاقتراع في المستقبل.

في غياب برامج سياسية وطنية متماسكة، تلجأ النخب إلى تعبئة أنصارها من منطلقات زبائنية ومذهبية بغية التصدّي للمرشحين التقليديين والمستقلين على السواء. فتلك النخب تتخوّف من خسارة مقاعد نيابية بموجب القانون الانتخابي الجديد، ولذلك تسعى إلى سحق جميع السرديات المعارِضة التي قد تُضعف قبضتها على السلطة. تشير وسائل إعلام ومنظمات حقوقية إلى أن النخب تلجأ إلى شراء الأصوات، وتستعمل سيطرتها على الحقائب الوزارية من أجل الترويج للوائحها الانتخابية، وتنتهك تنظيمات تمويل الحملات الانتخابية، وتتلقّى رشاوى. وقد عمدت النخب، وفق ما أُفيد، إلى تهديد الناخبين بطردهم من وظائفهم، أو قطعت لهم وعوداً بتعيينهم في وظائف أفضل في حال امتثالهم لإرادتها. وفي الأسابيع الأخيرة، تلجأ النخب وأتباعها، بصورة متزايدة، إلى الترهيب والمضايقات الجسدية للمرشحين من خارج مؤسسة السلطة الذين لا يمتلكون الوسائل اللازمة لمواجهة الأحزاب الأكبر حجماً.

في هذا الإطار، تعرّض المرشح للانتخابات النيابية علي الأمين، المعروف بانتقاده لحزب الله، لاعتداء عنيف في 22 نيسان/أبريل، على أيدي مناصرين للحزب كما يُزعَم، أثناء قيامه بتعليق ملصقات انتخابية في جنوب لبنان. وقد نفى حزب الله أي تورّط له في الحادثة. ويُزعَم أيضاً أن مناصري تيار المستقبل السنّي اقتحموا، في 16 نيسان/أبريل، مكتب المرشح نبيل بدر في بيروت، فيما وقف عناصر قوى الأمن مكتوفي الأيدي ولم يُحرّكوا ساكناً. كذلك يُتَّهم أنصار تيار المستقبل بالاعتداء على المرشح محمد القاضي وإطلاق النيران باتجاه المبنى الذي التجأ إليه مع المرشح على اللائحة نفسها رجا الزهيري.

قال مناصرون لمرشحين مستقلين في الدائرة الرابعة في جبل لبنان، طالبين عدم الكشف عن هويتهم، إنهم اضطُرّوا إلى إلغاء مهرجانات وفعاليات انتخابية بعدما هدّدهم مناصرون للحزب التقدمي الاشتراكي الدرزي، بحسب زعمهم، بإلحاق الأذى الجسدي بهم في حال لم يمتثلوا. ويُزعَم أيضاً أن مناصرين للحزب التقدمي الاشتراكي مارسوا ضغوطاً على مالكي إحدى الشركات المحلية لطرد والد ناشط سياسي مستقل انتقاماً من تدخّل الناشط المذكور في الحملة الانتخابية.1 حتى إن بعض مالكي الشركات الذين يؤجّرون مساحات للمرشحين المستقلين تعرّضوا للضغوط من أجل قطع روابطهم معهم تحت طائلة تحمُّل التبعات. إشارة إلى أن الحاصل الانتخابي هو الأدنى نسبياً في دائرة جبل لبنان الرابعة، مع 7.7 في المئة، ما يجعلها هدفاً أساسياً للمستقلين ومصدر قلق للنخب.

لا يمكن إجراء انتخابات ديمقراطية مئة في المئة من دون احترام حقوق الإنسان الأساسية، والتي تشمل حرية الأفراد والأحزاب السياسية في التجمّع من دون أن تُفرَض عليهم قيود أو أشكال تعسّفية أو غير منطقية من التمييز. ويجب أن تتيح الأجواء الانتخابية للأحزاب السياسية والمرشحين خوض حملاتهم بحرّية في مختلف أرجاء البلاد.

يقول الخبراء المخضرمون في استطلاعات الرأي أن معظم المقاعد محسومة سلفاً، إنما تبقى هناك بعض المعارك. أياً تكن هوية الفائزين في السادس من أيار/مايو، فإن أي اندفاعة نحو إجراء إصلاحات بنيوية حقيقية سوف تضع حدود الديمقراطية الطائفية في لبنان على محك الاختبار.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.


1. مقابلات مع الكاتبة، 25 نيسان/أبريل 2018.