أنطوني الغصين، مسؤول برامج في معهد الولايات المتحدة للسلام وزميل غير مقيم في المجلس الأطلنطي. لمتابعته عبر تويتر aelghossain@

بعد عقدٍ من الفراغات المؤسّسية المتقطّعة، والموجات المتكررة من الشلل السياسي، والأزمات الدستورية، يتطلع عدد كبير من اللبنانيين – لا بل يشعرون حتى بالارتياح – إلى المشاركة في الحياة السياسية من جديد. لقد أتاح القادة اللبنانيون للشعب فرصة إعادة ضبط تمثيلهم في مجلس النواب، وفي شكل خاص، التنفيس عن غضبهم عبر التصويت. بيد أن هؤلاء القادة رسّخوا وحسب مواقعهم في السلطة. والإصلاحيون الذين يُعلّقون آمالاً على انتخابات 2018، سيكونون على موعد مع يقظة قاسية، وفق ما ستظهره نتائج الانتخابات – إنما وفي شكل خاص مرحلة تشكيل الائتلافات بعد الانتخابات، وتأليف الحكومة، وصياغة السياسات، ناهيك عن سياسة ما بعد الانتخابات في السنوات اللاحقة.

سوف يعتمد الزعماء اللبنانيون على ثلاثة تكتيكات للحفاظ على مواقعهم: التشويش، والتنافس، والتثبيت.

يُثير إطار العمل الانتخابي لعام 2018 التشوش لدى الناخبين اللبنانيين، فهو خليط من الأحكام الدستورية والقوانين والتنظيمات والممارسات المقبولة شبه القانونية وغير القانونية. إلى جانب التقسيمات الطائفية والجغرافية، على اللبنانيين أن يقترعوا الآن وفقاً لدوائر انتخابية جرى تقسيمها بحسب ما تمليه المصالح، ووفقاً للتمثيل النسبي، والصوت التفضيلي، وتوزيع المقاعد استناداً إلى معادلة معيّنة. لا يفهم عدد كبير من اللبنانيين إطار العمل فهماً كاملاً، ومَن يفهمونه يختلفون في الرأي حول مفاعيله المحتملة. ومَن يتشاركون المصالح يختلفون في الرأي حول الاستراتيجية الفضلى أو حول كيفية تجسيدها بأفضل طريقة في صندوق الاقتراع. من أجل الالتفاف على هذه التعقيدات، سوف يتوجّه كثرٌ إلى المكتب المحلي لحزبهم المفضّل ويسألون "ماذا تريدوننا أن نفعل؟"1

إلى جانب صياغة إطار العمل الانتخابي المعقّد الذي يجعل عدداً كبيراً من اللبنانيين أسرى الآليات السياسية للنخب القائمة، يخوض القادة اللبنانيون من جديد منافسة سياسية. بعد ثورة الأرز في العام 2005، تكتّل الزعماء اللبنانيون في فريقَين، 14 و8 آذار. في حين أنه كانت هناك صراعات داخل الفريقَين، تمكّن زعماؤهما، الذين لم يكونوا مستعدّين ولا قادرين على إعادة التموضع في بيئة سياسية استقطابية، من تحقيق منافع تفوّقت على الأكلاف. بيد أن هذين الفريقَين كان مصيرهما الانهيار التام خلال العامَين المنصرمين. وقد دخل القادة اللبنانيون في تحالفات "سريالية أحياناً" في بعض الدوائر فيما يخوضون الانتخابات منفردين في دوائر أخرى، وهم يحاولون الآن زيادة حصّتهم من الجبنة إلى أقصى حد – كي يتمكنوا من التنافس بفاعلية أكبر على النفوذ في الدولة. فمن خلال التنافس وتصعيد الخطاب الانتخابي، يُعبّئ الزعماء اللبنانيون الجماهير التي غرقت في اللامبالاة. والأهم من ذلك، سيُبدّلون وجهة الضغوط الشعبية التي ظهرت في الأعوام القليلة الماضية: فبعدما كان معظم اللبنانيين قد بدأوا يتحركون ضد النخبة كطبقة جماعية، سوف يسمحون من جديد لفريق داخل النخبة بتوجيه غضبهم ضد فريق آخر في النخبة نفسها.

بعد الاقتراع، سوف تُثبّت النخب اللبنانية موقعها الجماعي وتحافظ عليه. مما لا شك فيه أن بعض الأحزاب ستبقى أقوى من سواها، تماماً كما أن بعض القادة سيظلون أكثر قدرة من سواهم. وقد تكسب هذه النخب أو تخسر مقاعد نيابية في الانتخابات – ما يؤدّي أيضاً إلى تغيير التوزيع المتّفق عليه للحقائب الوزارية. غير أن أياً من القادة، وعددهم نحو نصف دزينة، أو أحزابهم، أو مناصريهم لن يتلقّى ضربة قاضية على أيدي الإصلاحيين ونشطاء المجتمع المدني – أقله في العام 2018. وحتى فيما يتنافسون على وضع بصماتهم على البيان الوزاري، وتعيين بعض الموظفين في الخدمة المدنية، والسيطرة على بعض الوزارات، وانتزاع منافع من الدولة، سوف يتكتّلون من جديد للحفاظ على موقعهم في سدّة المنظومة (كما فعلوا، مثلاً، في مقاومتهم للتدخل الخارجي الأخير في لبنان). كلما تغيرت الأمور أكثر – القوانين والأحزاب والوجوه – كلما بقيت على حالها.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.


1. مقابلة مع الكاتب، بيروت.