هيفاء مزالوات، صحافية تونسية تكتب في موقع "إنكيفادا". لمتابعتها عبر تويتر HaifaMz@

أُرجِئت الانتخابات البلدية التونسية مراراً وتكراراً، خلال الأعوام السبعة الماضية، بسبب صعوبات متعددة داخل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، والتأخير الحكومي في وضع مجلة قانونية جديدة تنظّم عمل المجالس المحلية، والتي أقرّها البرلمان قبل عشرة أيام فقط من الانتخابات. وفي مؤشر لافت، جرى الترويج للانتخابات بأنها وسيلة لمنح سلطات ملموسة للمسؤولين المحليين، لا سيما في المناطق الفقيرة، وتوعية السكان على نموذج لامركزي جديد.

لكن، وبحسب ما توقّعته استطلاعات الرأي، كانت نسبة المقاطعة مرتفعة جداً. فوفقاً للنتائج الرسمية الأولية الصادرة عن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، بلغت نسبة الاقتراع 35.6 في المئة فقط من مجموع الناخبين المسجّلين. ثمة عوامل عدّة تقف خلف إحجام الناخبين عن الاقتراع، من أبرزها غياب الثقة بالعملية الانتخابية والحزبَين الأساسيين، النهضة ونداء تونس. ساهم هذا الموقف في تحقيق فائدة ضئيلة للقوى السياسية الأصغر حجماً، مثل التيار الديمقراطي أو الجبهة الشعبية، التي نالت مجمتعةً 13.42 في المئة من الأصوات.

لقد تمكّنت حركة النهضة، بفضل قاعدتها الناخبة الناشطة، من التغلّب على خصمها، نداء تونس، فاستحوذت على 29.68 في المئة من المقاعد، ونالت أكثرية من الأصوات في العاصمة تونس وفي صفاكس، المدينتَين الأكبر في البلاد. بيد أن الحركة الإسلامية فقدت زخمها وخسرت عدداً من ناخبيها منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة. كما أنها ستُضطرّ إلى بناء تحالفات في عدد كبير من المجالس البلدية، منها في العاصمة تونس، حيث لم تتمكّن من نيل أكثرية مطلقة.

يُظهر التراجع في نسبة الأصوات التي حصل عليها حزب نداء تونس، والتي بلغت 22.17 في المئة – بالمقارنة مع 37.65 في المئة في الانتخابات التشريعية في العام 2014 - أن السياسات التي تنتهجها هذه القوّة السياسية المسيطِرة هي موضع انتقاد من عدد كبير من التونسيين. فالائتلاف الذي شكّله نداء تونس مع النهضة، وفشله في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، فضلاً عن الانقسامات في صفوفه، دفعت بالناخبين إلى الابتعاد عن الحزب المسمّى "حداثي".

المفاجأة الأكبر هي أن الانتخابات أفضت إلى تحقيق خرق من قبل قوائم المستقلين التي تمكّنت مجتمعةً من حصد 32.9 في المئة من أصوات الناخبين، فنالت بذلك العدد الأكبر من المقاعد. غير أن هذه النتيجة لا تكشف بالضرورة عن تفضيل المرشحين المستقلين على المستوى السياسي، بقدر ما تُظهر الاستياء من النهضة ونداء تونس. وعلى ضوء التباينات في أيديولوجيات هؤلاء المستقلين وبرامجهم، من الصعب التوقُّع إذا كانوا سيتمكّنون أم لا من تشكيل قوة معارِضة متماسكة.

قدرة المستقلين الحقيقية على التأثير في السياسات سوف تتوقّف على التحالفات التي سيشكّلونها في المجالس البلدية التي ستختلف تركيبتها الحزبية بحسب المحلة، وكذلك على الاستراتيجيات السياسية لحلفائهم المحليين في الانتخابات التشريعية في العام 2019. 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.