ملاك لكحل، صحافية في موقع "نواة" وباحثة في العلوم السياسية.

شهدت تونس انتخاباتها المحلية الأولى بعد إطاحة بن علي. بيد أن اللامبالاة كانت ملموسة إلى حد كبير في أوساط الرأي العام، مع بلوغ نسبة الاقتراع 35.6 في المئة فقط من الناخبين المسجّلين.

كان الهدف من هذه الانتخابات أن تشكّل خطوة أولى نحو مبادرة إصلاحية من الممكن جداً أن تكون الأهم في الحوكمة التونسية منذ الاستقلال: اللامركزية. الفكرة هي أنه في حال أتيحت للمجتمعات المحلية فرصة تقرير مصيرها، فسوف تكون لديها حظوظ أفضل للتطوّر وتوليد الثروات.

لطالما عانت المناطق الأقل تطوراً من أن صنّاع القرارات هم عادةً من الساحل ويُقيمون في الساحل، ولذلك ليسوا مطّلعين عن كثب أو لا يسعون للاطلاع عن كثب على احتياجات المناطق. بيد أن تنظيم انتخابات محلية لن يُعوِّض عن مئات السنين من التنمية غير العادلة إذا لم يترافق مع إرادة سياسية واضحة لتغيير الطريقة التي بُنيت بها الدولة التونسية سياسياً واقتصادياً وثقافياً – إنما من الواضح أن هذه الإرادة غائبة عن طريقة تعاطي السلطات مع التحركات الاجتماعية الأخيرة التي تطالب بإعادة توزيع الثروات بطريقة أكثر إنصافاً.

تُقدّم بلدتا الكامور وجمنة مثالَين واضحين جداً عن عدم استعداد السلطات للتغيير. فقد شهدت محافظة تطاوين احتجاجات من نيسان/أبريل إلى حزيران/يونيو 2017. وفي خطوة لافتة، أوقف المحتجّون الإنتاج في منشأة النفط والغاز في الكامور جنوب مدينة تطاوين، مطالبين بتخصيص خُمس الأرباح لتنمية المحافظة حيث نسبة البطالة هي الأعلى في البلاد. وقد فسّر السياسيون والمعلّقون هذه المطالب بأنها تهديدٌ للوحدة الوطنية، على الرغم من أن الدستور ينص على أنه ينبغي على الحكومة ممارسة "التمييز الإيجابي" في توزيع الثروات من أجل تحقيق تنمية أكثر عدلاً. ونفهم موقفهم في شكل أفضل انطلاقاً من أن الخطاب الرسمي ردّد، على امتداد أكثر من ستين عاماً، أن الموارد هي ملكٌ "للشعب التونسي" بالتساوي، وأن التنمية لا تتحقق إلا عن طريق "الوحدة" – على الرغم من أن هذه السردية استُخدِمت ذريعة لتبرير السياسات القائمة على إعطاء الأفضلية للمناطق الساحلية وإٍسكات الأطراف على امتداد عقود من الزمن.

قرّر سكان جمنة، وهي قرية صغيرة واقعة جنوب غرب تونس، احتلال الواحة المملوكة من الدولة في العام 2011، والاهتمام بزراعتها بأنفسهم، فأنشأوا جمعية حماية واحات جمنة بهدف إدارة المشاريع الزراعية والإنمائية في القرية. وقد سجّلت الأرباح التي يجنونها من إنتاج البلح زيادة كبيرة، ما أتاح لهم بناء منشآت جديدة في القرية، مثل ملعب رياضي وقاعة تدريس. لكن على الرغم من التأثير الإيجابي، جُمِّد الحساب المصرفي العائد لجمعية حماية واحات جمنة في تشرين الأول/أكتوبر 2016 بقرار من السلطات التونسية التي اعتبرت أنه لا يحق لهم زراعة الأرض. وقد أُعطِيت الأولوية للسيادة والوعد الانتخابي الأساسي الذي قطعه الرئيس الباجي قائد السبسي بإعادة فرض "هيبة الدولة"، وذلك على حساب التنمية اللامركزية والمكتفية ذاتياً.

لقد درجت السلطات التونسية، منذ وقت طويل، على تلبية المطالب السياسية للمقرِضين الدوليين عن طريق الإصلاحات التشريعية، من دون أن تُغيِّر الكثير في تصرّفاتها على الأرض. عند النظر إلى رود الفعل على المبادرات والمطالب الساعية إلى تطبيق الحوكمة اللامركزية، من الممكن أن تكون هذه الانتخابات والمجالس التي ستنبثق عنها مجرد مجموعة إضافية من الإصلاحات "الشكلية" الموجودة فقط على الورق.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية