أمير الصفاقسي، زميل فولبرايت في الجامعة الأميركية ومستشار في شؤون السياسات العامة. لمتابعته عبر تويتر @EmirSX

على الرغم من تدنّي نسبة الاقتراع التي بلغت 35.6 في المئة (بالمقارنة مع 69 في المئة في الانتخابات التشريعية في العام 2014)، كانت نتائج الانتخابات البلدية التي أجريت في تونس في السادس من أيار/مايو، إيجابية في الإجمال. فقد حقّق الشباب والنساء تمثيلاً واسعاً، وظهر قادة محليون على رأس قوائم مستقلة وغير حزبية، وتمت مراعاة قواعد النزاهة والشفافية حتى ولو سُجِّلت حوادث طفيفة، وتولّت منظمات أهلية محلية مراقبة الانتخابات. وهذا يُحيي الآمال بأن النموذج "الناجح" الوحيد في الربيع العربي قادر على تدعيم الديمقراطية على الرغم من المناخ السياسي الصعب والأوضاع الاقتصادية الخانقة.

اللافت هو ظهور جيل جديد من القادة الشباب، الذين كان عددٌ كبير منهم منخرطاً بنشاط في منظمات المجتمع المدني. فاز الشباب دون سن الـ35 بنسبة 37.57 في المئة من المقاعد (وفاز الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم من 35 إلى 45 عاماً بنسبة 25.87 في المئة). يُظهر العدد المرتفع من الشباب الذين انتُخِبوا في المجالس المحلية، زيادة بناء القدرات والدعم استجابةً للمطالب التي رفعتها منظمات المساعدات الدولية والمنظمات الأهلية من أجل توفير أرض خصبة للشباب تفتح أمامهم أبواب المشاركة السياسية. لكن المفارقة أـنه على الرغم من التمثيل الشبابي المرتفع، كانت نسبة الاقتراع متدنّية في أوساط الشباب، وقد أعرب المراقبون عن مخاوفهم بشأن عدم إقبال الشباب على الاقتراع.

علاوةً على ذلك، فازت النساء بـ47 في المئة من مقاعد المجالس البلدية – مع أنهن كنّ يشكّلن، وفقاً لإحصاءات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، 29.7 في المئة فقط من رؤساء القوائم الانتخابية التي يجب أن تضم حصصاً معيّنة من الرجال والنساء. وتُساهم هذه النتائج أيضاً في تسلّم النساء أدواراً قيادية في المجالس المحلية. وقد أعربت سعاد عبد الرحيم، رئيسة قائمة النهضة في انتخابات المجلس البلدي في العاصمة تونس، عن استعدادها لتولّي منصب رئيسة البلدية بعد فوزها في الانتخابات، ما أثار بعض السجال، ليس فقط لأن "شيخ المدينة" يصبح تقليدياً رئيس بلدية العاصمة، إنما أيضاً لأن عبد الرحيم تواجه انتقادات لاذعة على خلفية موقفها القائل بعدم جواز حصول الأمهات العازبات على مساعدات اجتماعية.

ومن المنتصرين الكبار الآخرين في هذه الانتخابات قوائم المستقلين التي حصدت 2367 مقعداً (32.9 في المئة من الأصوات). على الرغم من أن هذه القوائم فازت بأكثرية المقاعد، غالب الظن أنها لا تعبّر في شكل وافٍ عن جاذبية المرشحين المستقلين وقدرتهم على الاستقطاب. لقد توقّعت النهضة، على وجه الخصوص، هذا السيناريو، واستغلّته بذكاء عبر فتح قوائمها أمام المستقلين والقادة المحليين للترشّح تحت رايتها والإفادة من دعمها المالي واللوجستي من أجل تنظيم حملاتهم. وقد عادت هذه الخطة بثمارها على النهضة التي حلّت في المرتبة الثانية مع 2135 مقعداً (29.68 في المئة من الأصوات).

إنما ينبغي على الأحزاب السياسية الرئيسة التعاطي بجدّية مع تدنّي نسبة الاقتراع، وما أظهره الناخبون من تفضيل للمرشحين غير الحزبيين. من الممكن اعتبار الانتخابات البلدية بمثابة محك اختبار للانتخابات التشريعية والرئاسية التي ستجرى في العام 2019. يبدو أن البلاد هي في الحضيض اقتصادياً، مع بلوغ التضخم مستويات قياسية، وتسجيل الدينار تراجعاً مستمراً في قيمته، ما يتسبّب بالحد من الاستثمارات ومن استحداث الوظائف. إذا لم تتحقق المعافاة الاقتصادية، سوف يؤدّي الاستياء من الوضع القائم إلى تعاظم اللامبالاة لدى الناخبين، وسوف تجد الديمقراطية التونسية صعوبة أكبر في الاستمرار وتثبيت دعائمها.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.