في مطلع نيسان/أبريل الماضي، نُقِل المشير خليفة حفتر، وهو من القادة الأكثر نفوذاً في ليبيا المنقسمة بسبب النزاع، إلى مستشفى عسكري على مقربة من العاصمة الفرنسية باريس لتلقّي العلاج من وعكة صحية لم يُكشَف عن طبيعتها. أثار غياب رجل شرق ليبيا القوي لأكثر من أسبوعَين، موجةً من التكهنات، وشائعات عن وفاته، ومناورات سياسية على مشارف انتقال مرتقب للسلطة. وفي 26 نيسان/أبريل، عاد حفتر إلى بنغازي في حدث حظي بتغطية إعلامية واسعة، وحمل تطمينات شديدة إلى أنصاره. غير أن تعافي حفتر – والتموضع العنفي الذي قد يلجأ إليه لإظهار قوته – لن يُعيد ترميم سرديته بصورة كاملة. فمحورية القائد العسكري وأهميته بدأتا بالتراجع منذ ما قبل الوعكة التي ألمّت به. وقد تصبح هذه النزعات أكثر وضوحاً، بعدما برزت إلى الواجهة بصورة أكبر خلال مرض حفتر وابتعاده عن الساحة الليبية.

تنبثق هذه التحولات من التفاعل بين الديناميات الداخلية والمحاولات التي تبذلها القوى الأجنبية للتأثير فيها خلال الأعوام السبعة الماضية. ففي منتصف شباط/فبراير 2011، عندما تحوّلت الاحتجاجات الاجتماعية إلى انتفاضة مسلّحة ضد نظام معمر القذافي، واجه الأفرقاء الخارجيون المهتمّون بالتأثير في مصير ليبيا، نقصاً في المؤسسات والهيكليات التي يمكن أن يساهم هؤلاء الأفرقاء، من خلالها، في رسم النتائج بسهولة. وما زاد الأمور تعقيداً الخلاف الذي ساد منذ البداية في أوساط المجتمع الدولي حول طريقة التعاطي مع ليبيا بعد القذافي.

لقد شاركت الإمارات العربية المتحدة في التدخل الذي يقوده حلف شمال الأطلسي (الناتو) لأنها رأت فيه فرصة للمساهمة في إرساء ديكتاتورية عربية سنّية محافظة جديدة متجذّرة في الجيش الليبي وخاضعة للتأثير من أبو ظبي. غير أن ليبيا القذافي لم تكن تمتلك جيشاً قوياً كالذي تحتاج إليه الإمارات وسواها من الأفرقاء المناهضين للإسلاميين من أجل تطبيق هذه الرؤية. في غضون ذلك، شاركت قطر في الائتلاف نفسه الذي يقوده الناتو من أجل تحويل ليبيا إلى نموذج عما يجب أن تكون عليه البلدان السنّية في مرحلة ما بعد آل سعود. وقد قامت الاستراتيجية القطرية، التي سرعان ما حظيت بالدعم من أنقرة وعدد قليل من الدول الأخرى، على الرهان على الإسلام السياسي كوسيلة لتنفيذ هذه الأجندة التعديلية. لكن خلافاً لما هو الوضع عليه في تونس والسودان ومصر، لم يسيطر الإسلام السياسي قط على قاعدة واسعة في أوساط الليبيين. وغياب الشعبية هذا هو من الأسباب خلف شعور الإسلاميين في ليبيا، في معظم الأحيان، بأنهم مضطرون إلى اللجوء إلى القوة الهمجية بدلاً من السياسة السلمية، منذ العام 2011.

يدرك خليفة حفتر، الذي كان ضابطاً كبيراً في الجيش في عهد القذافي حتى العام 1987، تلك المعطيات جيداً. فمنذ أواخر العام 2011، بدأ العمل على بناء سرديةٍ ساهمت في صعود نجمه. في أيار/مايو 2014، أطلق القائد العسكري "عملية الكرامة"، وفي غضون أسابيع، حشد مجهوده العسكريتاري المتطرف الدعم من عدد كبير من الفصائل الليبية، وأقطاب الأعمال، والضباط السابقين، فضلاً عن دول خارجية – منها الإمارات ومصر.

روّج حفتر للمفهوم القائل بأنه لليبيا جيش مكتمل، شأنها في ذلك شأن الأردن أو سورية أو الجزائر؛ وجل المطلوب هو إعادة تعبئته تحت قيادته. غير أن الجيش الليبي الذي عمل القذافي عمداً على إضعافه على امتداد عقود، يحتاج إلى عملية إصلاح واسعة ودؤوبة، كما يجب التحلي بالاستعداد للمساومة، وهو ما لا يتمتع به حفتر. ومن السمات الأخرى التي طبعت خطابه رفضه التمييز بين المتشددين وبين أنصار الإسلام السياسي من المعتدلين. وكان هذا الخلط بين المجموعتَين وسيلةً يستخدمها حفتر بهدف اجتذاب الدعم من الحكومات المناوئة للإسلاميين المعتدلين في ليبيا، إنما البعيدة جغرافياً عن الأزمات والتهديدات الأمنية في البلاد، وغير المكترِثة لها. وعلى الصعيد الداخلي، أتاح تعريف الإرهاب الفضفاض لحفتر تدجين المظالم المناطقية، والاقتصادية-الاجتماعية، والقبلية التي لا علاقة لها بالإسلام المتشدد. نجحت هذه السردية. فمع استمرار "عملية الكرامة" في السيطرة على مزيد من الأراضي، تمكّنت من جمع شمل مختلف الأفرقاء الذين يكنّون الضغينة للإسلاميين.

بيد أن صعود حفتر تعثّر في تموز/يوليو 2017 بعدما استعجل إعلان التحرير الكامل لمدينة بنغازي. فارتدّ الأمر عليه بتبعات سياسية سلبية خلال الأسابيع اللاحقة. وقد بدأ بعض زعماء قبيلة العواقير، وهي قبيلة كبرى من السكّان الأصليين في منطقة بنغازي، بتوجيه انتقادات على الملأ إلى حفتر وأبنائه وأعضاء آخرين من قبيلة الفرجان على رأس التحالف المسلّح الذي يقوده المشير حفتر، والذين اتّهموهم باغتيال واعتقال زعماء القبيلة. وعلى نحوٍ منفصل، احتدمت الخلافات في العلاقة المتشنّجة أصلاً بين جيش حفتر والسياسيين المدنيين في منطقة برقة، الذين يتخذون من طبرق والبيضاء مقراً لهم، على خلفية مَن هو الفريق الذي يجب أن يؤدّي الدور الأكبر في إعادة بناء الاقتصاد المحلي. تُظهر هذه التشنجات الداخلية الصعوبة التي يجدها تحالف حفتر المسلح في الحفاظ على الشرعية السياسية في شرق ليبيا خارج سياق حرب الغزو المتواصلة.

بعد الإعلان عن تحرير بنغازي في تموز/يوليو، أصبح داعمو حفتر الخارجيون – الإمارات ومصر وفرنسا والسعودية – أكثر استعجالاً وإلحاحاً عليه كي يسيطر على شمال غرب ليبيا الذي يُعتبَر المربّع الأهم في البلاد. وفي الأشهر التي سبقت إعلان التحرير، نجحت الميليشيات غير الراغبة في التعهد بالولاء لحفتر والتي تنضوي في إطار حكومة الوفاق الوطني، في طرد الإسلاميين وسواهم من المتشدّدين من أراضٍ استراتيجية شمال غرب ليبيا، مثل وسط العاصمة طرابلس. وعلى الرغم من أن الجهات الخارجية الراعية للمشير حفتر تستمر في تفضيله على سواه، إلا أنها سُرَّت بالتقدّم الذي أحرزته هذه الميليشيات في العاصمة ومحيطها.

في أيلول/سبتمبر 2017، قالت لجنة تابعة للجيش المصري برئاسة الفريق محمود ابراهيم حجازي، رئيس أركان القوات المسلحة، إنها ستساهم في الإشراف على إعادة توحيد القوات المسلحة الليبية على مستوى البلاد – انطلاقاً من الرغبة الشديدة في تحقيق تقدّم ملموس في الملف الليبي قبيل انطلاق حملة الرئيس عبد الفتاح السيسي للفوز بولاية رئاسية ثانية. على الرغم من أن المصريين أشاروا إلى أنهم سيعتبرون حفتر رئيس المؤسسة الجديدة، إلا أن مبادرتهم كانت مفتوحة أمام "جميع الأفرقاء ما عدا المنظمات الإرهابية"، في مؤشر عن براغماتيتهم السياسية ونفاد صبرهم من حفتر. وقد بدأوا بإشراك شخصيات عسكرية موالية لحكومة الوفاق الوطني ومعروفة بأسلوبها العملي، مثل اللواء أسامة الجويلي، والعميد ركن عبد الرحمن الطويل، والعميد نجمي الناكوع.

بعد إجراء تعديلات في طاقم العمل في وزارة الدفاع المصرية في تشرين الأول/أكتوبر، جرى بموجبها تعيين الفريق محمد فريد حجازي رئيساً جديداً لأركان القوات المسلحة، انتهزت وزارة الخارجية المصرية الفرصة لضخ مزيد من المرونة في محادثات الوساطة. وتحت التأثير المتزايد للدبلوماسيين، أصبحت القاهرة إلى حد ما أكثر ميلاً لاتباع مقاربة أفقية مستندة إلى الشبكات، في تعاطيها مع ليبيا. واقتدت بها فرنسا والإمارات اللتان تعملان عن كثب مع مصر في الملف الليبي. حمل هذا التبدّل في الموقف مؤشراً بأن الدول الأجنبية الأساسية المهتمة بطرد الإسلاميين من ليبيا، باتت تتعامل مع محاوِرين غير موالين لحفتر، ما بدّد فكرة أنه الوحيد القادر على تصحيح الأوضاع في ليبيا.

خلال غياب حفتر عن الساحة الليبية في نيسان/أبريل الماضي، تباحثت الإمارات ومصر وفرنسا والسعودية في العديد من الأسماء البديلة في شرق ليبيا التي قد تكون قادرة على الحؤول دون تفكك التحالف المسلح الذي يقوده حفتر. على سبيل المثال، لا يمكن النظر في قرار جدّي عن انتقال السلطة من دون الحصول على ضوء أخضر أوّلي من القادة السعوديين للتيار المدخلي العابر للأوطان، الذي يندّد بمختلف الأشكال الأخرى للإسلام السياسي أو الجهادي. في شرق ليبيا، يشكّل هؤلاء السلفيون المتشدّدون مكوّناً حيوياً من مكوّنات قوات حفتر.

وفي تقويض إضافي لسردية حفتر، وُجِّهت، خلال غيابه عن الساحة الليبية، دعواتٌ إلى العديد من القادة الميليشياويين غير العسكريين وغير الموالين لحفتر من شمال غرب ليبيا – منهم شخصيات بارزة في طرابلس مثل عبد الرؤوف كارة، قائد قوة الردع الخاصة، وهيثم التاجوري، قائد كتيبة ثوار طرابلس – لزيارة الرياض وعواصم أجنبية أخرى. إشارة إلى أن الميليشيات الأكثر نفوذاً في طرابلس، والتابعة لوزارة الداخلية في حكومة الوفاق الوطني، لم تنضم رسمياً بعد إلى محادثات القاهرة. لكن البوادر المباشرة الصادرة عن أفرقاء دولتيين، مثل الدعوات الآنفة الذكر، حتى ولو كانت سرّية أو غير رسمية، تساهم في تعزيز الثقة بالنفس والغطرسة لدى الأفرقاء الليبيين الذين يرون في ذلك إثباتاً على اعتراف دولي أكبر، فيُبدون بالتالي استعداداً أقل للمساومة. كما أن كل ما يساعد الميليشيات في طرابلس على تعزيز هيمنتها على الشرطة والمؤسسات الاقتصادية في المدينة يَزيد من احتمالات اندلاع معركة في منطقة طرابلس الكبرى.

غالب الظن أن حفتر سيلجأ الآن، في مسعى منه لتنشيط سمعته كمنقذ عسكري لليبيا، إلى خطوات دراماتيكية ضد أعدائه المعلَنين، وكذلك ضد خصومه أو خلفائه المحتملين داخل معسكره. وتأتي الانتخابات المزمع إجراؤها في أواخر العام 2018 لتزيد من الضغوط على الطامحين للرئاسة. فقد شنّ حفتر في السابع من أيار/مايو، أي بعد أقل من أسبوعَين على عودته، عملية برية وجوية في مدينة درنة الخاضعة لسيطرة الإسلاميين، والتي حاصرتها قواته على امتداد عامَين تقريباً. غالب الظن أن انتزاع المدينة من قبضة مئة ألف عنصر من المجموعات المسلحة المتشددة سوف يستغرق وقتاً ويتسبب بإهراق الدماء. إذا لم تولّد تلك الجبهة الجديدة النتيجة المرجوّة، هناك الكثير من النقاط الساخنة الأخرى في مختلف أنحاء البلاد حيث قد ينجرّ حفتر إلى ممارسة ثقله العسكري. وليست الصدامات الدائرة في مدينة سبها جنوب البلاد سوى مثال على ذلك.

مع دخول الحرب الليبية عامها الخامس، ثمة جانبٌ واحد لم يتغيّر منذ اندلاع النزاع: لا تزال المواقف الإقصائية التي تعتمد على القوة وتستخدمها بمثابة الذريعة الأساسية لتبرير السيطرة السياسية، تُقدّم مكافآت للأفرقاء المسلحين. وما دامت الأمور على هذه الحال، سيظل احتمال حدوث تصعيد خطير في شرق البلاد وغربها وجنوبها قائماً. وسوف يجد حفتر، على الرغم من مناوراته، صعوبة في تجنُّب أن يُنظَر إليه دولياً في صورة القائد العسكري الذي يتكبّد مشقة للحفاظ على قبضته على شرق البلاد، فما بالكم بالجزء الشمالي الغربي منها. وهذا بدوره سيجعل بعض الأفرقاء في شمال غرب ليبيا ومناطق أخرى، أكثر طموحاً وتعنّتاً. بإمكان الدول الخارجية التي تمتلك نفوذاً في ليبيا أن تشجّع التفاعلات السلمية عبر اعتماد مسار دبلوماسي أقل التباساً، والتدقيق جيداً في كيفية مساهمة تأثيرها المشترك في تغيير حوافز الليبيين.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

جلال هرشاوي طالب دكتوراه في الجيوسياسة في جامعة باريس 8. لمتابعته عبر تويتر JMJalel_H@

كي يحافظ حفتر على سمعته كمنقذ أوحد لبلاده، غالب الظن أنه سيقوم بخطوات دراماتيكية ضد أعدائه المعلَنين ومنتقديه في الداخل.


1. مقابلات مع الكاتب، أيار/مايو 2018.