في 11 أيار/مايو، قال وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبيكجي إن بلاده "ستواصل التجارة مع إيران قدر الإمكان، ولن تستجيب لأيٍّ كان بهذا الخصوص". جاء هذا الكلام رداً على القرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب من خطة العمل المشتركة الشاملة، وفرض عقوبات من جديد على إيران، ومعاقبة أي دولة أخرى تتعاون معها. على الرغم من أن زيبيكجي تعهّد بالإبقاء على علاقات بلاده التجارية مع طهران، إلا أنه تُطرَح علامة استفهام كبيرة حول ما إذا كانت أنقرة ستتمكّن من القيام بذلك عند تطبيق العقوبات، علماً أنه من الممكن أن تعاني تركيا من تداعيات أكبر في ظل العقوبات الأميركية.

هدّد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، في الكلمة التي ألقاها في 22 أيار/مايو، بفرض أقوى العقوبات في التاريخ على إيران، والتي سيُعاد فرضها على مرحلتَين، في 6 آب/أغسطس و4 تشرين الثاني/نوفمبر. من شأن العقوبات الأميركية أن تستهدف القطاعات الأكثر حساسية في الاقتصاد الإيراني، منها تجارة الذهب وسواه من المعادن القيّمة، والصناعة النفطية، والقطاع المالي. على الرغم من أن بومبيو أقرّ بأن قرار ترامب ستيسبّب بصعوبات مالية واقتصادية لعدد من حلفاء الولايات المتحدة، إلا أنه حذّر من أن واشنطن ستنفّذ تهديداتها بمعاقبة أي شركة تُواصِل التعامل مع إيران. سوف يسدّد ذلك ضربة لنواة العلاقات الاقتصادية بين أنقرة وطهران، ويؤثّر سلباً في الاقتصاد التركي.

في العام 2012، بلغ حجم التجارة بين تركيا وإيران مستوى مرتفعاً غير مسبوق مع نحو 22 مليار دولار، قبل أن يسجّل هبوطاً حاداً إلى نحو 14 مليار دولار في العام 2014، لا سيما بسبب العقوبات الأميركية على إيران. فالعقوبات جعلت من الصعب على أنقرة تسديد ثمن وارداتها – خصوصاً النفط والغاز الطبيعي والمواد البلاستيكية – من إيران التي أُقصيَت من المنظومة المصرفية الدولية. نتيجةً لذلك، اضطُرَّت الدولتان إلى اللجوء إلى "مخطط الذهب مقابل الغاز" الذي دفعت أنقرة بموجبه ثمن وارداتها من إيران بالليرة التركية المودَعة في حسابات في مصرف بنك خلق، وكانت إيران تشتري، بواسطة هذا المال، الذهب في تركيا وتشحنه إلى أراضيها أو تُبادله بعملات أجنبية في بلدان ثالثة، لا سيما عن طريق الإمارات العربية المتحدة.

لقد أدّى إقرار خطة العمل المشتركة الشاملة في تشرين الأول/أكتوبر 2015 إلى إلغاء القيود السابقة على الروابط التجارية بين أنقرة وطهران. وفقاً للسفير الإيراني السابق في تركيا علي رضا بقدلي، افتتحت 174 شركة تركية فرعاً في إيران بحلول كانون الثاني/يناير 2015 استباقاً لمرحلة تخفيف العقوبات. على الرغم من أنه كانت لدى الدولتَين آمالٌ عالية بأن يعود حجم التجارة سريعاً إلى مستوياته السابقة، إلا أن وتيرة المعافاة كانت بطيئة لجملة أسباب منها خلافاتهما السياسية الإقليمية في سورية والعراق ومنطقة الخليج. والأهم من ذلك، لم تكن طهران مستعدّة للإفادة من الاستثمار التركي المتزايد في العديد من القطاعات الإيرانية، لا سيما الطاقة والتصنيع والاتصالات السلكية واللاسلكية، خصوصاً بسبب غياب الشفافية، والبيئة القانونية غير المؤاتية، والدور الاقتصادي المثير للجدل الذي تضطلع به كيانات مثل الحرس الثوري الإسلامي. نتيجةً لذلك، تراجع حجم التجارة الإجمالي إلى 9.6 مليارات دولار في العام 2016، ولم يُسجِّل سوى معافاة طفيفة مع بلوغه 10.7 مليارات دولار في العام 2017، عندما وافقت تركيا وإيران على استخدام العملات المحلية (بدلاً من اليورو) في التجارة الثنائية.

يفترض بعض المراقبين أنه لن يكون للعقوبات الأميركية على إيران سوى تأثير ضئيل على الاقتصاد التركي نظراً إلى أنه أكثر تنوّعاً وارتباطاً بالاقتصاد العالمي.1 قد يكون ذلك صحيحاً لو أن تركيا لا تعتمد بشدّة على إيران في وارداتها من الطاقة.

عندما تدخل العقوبات على المعاملات الإيرانية في مجالَي الشحن والنفط، حيّز التنفيذ في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، سوف يتعيّن على تركيا أن تخفّض إلى حد كبير حجم مشترياتها من النفط الخام من إيران بغية تجنّب العقاب من الولايات المتحدة. لكن على الرغم من الجهود التي تبذلها تركيا لتنويع وارداتها من الطاقة، لا تزال تعتمد إلى حد كبير على إيران وروسيا لتلبية معظم احتياجاتها في مجالَي النفط والغاز. في العام 2017، تخطّت إيران العراق لتصبح المصدر الأول الذي تحصل منه تركيا على الطاقة، فهي تؤمّن نحو 44.6 في المئة من مجموع الإمدادات النفطية و17 في المئة من إجمالي واردات الغاز إلى تركيا؛ والباقي مصدره في شكل أساسي العراق وروسيا والكويت والسعودية. وخفض الواردات النفطية من طهران يعني أنه سيكون على تركيا أن تزيد وارداتها من البلدان الأخرى – من العراق ودول الخليج في الأغلب – ما يمكن أن تترتب عنه كلفة أكبر بسبب ارتفاع تكاليف المواصلات واختلاف خصائص النفط الذي تصدّره هذه البلدان.

فضلاً عن ذلك، يُتوقَّع أن تزداد أسعار النفط العالمية في حال فرضت العقوبات حدوداً على الإنتاج الإيراني. تنتج إيران نحو 2.5 مليونَي برميل من النفط يومياً، أي ما يوازي حوالي 3 في المئة من الطلب العالمي. تشير التقديرات إلى أن العقوبات قد تؤدّي إلى خفض صادرات النفط الإيرانية بمعدّل 400000 برميل في اليوم – أو حتى بمعدّل 1000000 برميل، وذلك بحسب عدد الشركات التي تختار التقيّد بالعقوبات الأميركية. 

تدفع أنقرة فاتورة ضخمة عن وارداتها من الطاقة. تُظهر البيانات التي حصل عليها معهد الإحصاء التركي أن فاتورة واردات الطاقة التركية ارتفعت من 27.16 مليار دولار في العام 2016 إلى 37.19 مليار دولار في العام 2017. يمكن أن تُعزى هذه الزيادة الكبيرة إلى الارتفاع في أسعار النفط العالمية من 36 دولاراً للبرميل في مطلع العام 2016 إلى نحو 60 دولاراً بحلول نهاية العام 2017، وإلى الزيادة في استهلاك الغاز في الداخل. وفقاً لفولكان أوزدمير، رئيس معهد أسواق وسياسات الطاقة، تتوقع تركيا أن يبقى مجموع وارداتها من الطاقة أكثر من 40 مليار دولار في السنوات القليلة المقبلة.

في بلدٍ يعتمد إلى حد كبير على واردات الطاقة – تحصل تركيا على 92 في المئة من احتياجاتها النفطية و99 في المئة من احتياجاتها من الغاز، من الخارج – تمارس أسعار الطاقة تأثيراً على المؤشرات الماكرو اقتصادية. يُتوقَّع أن تؤدّي الزيادة في أسعار الطاقة العالمية مقرونةً بارتفاع الطلب في الداخل التركي، إلى توسيع العجز في الحساب الجاري، الأمر الذي سيؤدّي بدوره إلى زيادة التضخّم وخفض النمو الاقتصادي. وفقاً لتقديرات نائب رئيس الوزراء سابقاً للشؤون الاقتصادية، علي بابا جان، في مقابل كل زيادة بمقدار 10 دولارات في أسعار النفط العالمية، سوف يزداد التضخم في تركيا بنسبة 0.5 في المئة وينخفض النمو بنسبة 0.3 في المئة.

سوف تمارس هذه العوامل مزيداً من الضغوط على قيمة الليرة التركية، التي خسرت 20 في المئة من قيمتها في مقابل الدولار منذ بداية العام. مع تراجع قيمة الليرة واتساع العجز في الحساب الجاري، سوف يتعين على أنقرة تحويل مبالغ أكبر من الليرة إلى الدولار بالمقارنة مع السابق، وذلك بغية تسديد ثمن وارداتها من الطاقة، ما يعني أن الأضرار الناجمة عن العقوبات المفروضة على إيران ستكون مضاعَفة. 

يدرك المسؤولون في أنقرة – مثل وزير الاقتصاد نهاد زيبيكجي، وابراهيم كالين، كبير مستشاري اردوغان - هذه التداعيات السلبية على الاقتصاد التركي، ويعِدون بالاستمرار في مقاومة المطالب الأميركية بوقف تعاملهم التجاري مع إيران، معتبرين أن طهران ملتزمة بالاتفاق النووي. ويلفتون أيضاً إلى أن أنقرة لن تتقيّد بالعقوبات، ما دامت أحادية وغير مفروضة من جانب مجلس الأمن الدولي. لكن في حال قرّر الاتحاد الأوروبي أن يتقيّد بالعقوبات الأميركية، أـو قررت إيران التخلي عن الاتفاق النووي واستئناف برنامجها النووي، ستكون قدرة أنقرة على الالتفاف على العقوبات محدودة.

قريباً ستواجه أنقرة معضلة. فإما تحافظ على علاقاتها التجارية مع طهران وعلى الوصول إلى غاز ونفط غير مكلفَين نسبياً، فتجازف بالتعرّض للعقاب من الولايات المتحدة – الأمر الذي من شأنه أن يتسبب بمزيد من التعقيدات في العلاقات الثنائية ويدفع بأنقرة أكثر فأكثر نحو روسيا وإيران – وإما تتقيّد بالعقوبات الأميركية على طهران وتتحمّل التأثير السلبي المتوقَّع على اقتصادها.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

علي باكير محلل وباحث سياسي مقيم في أنقرة. لمتابعته عبر تويتر alibakeer@

* تصحيح: ذكرت النسخة السابقة خاطئاً أن ابراهيم كالين كبير مستشاري رئيس الوزراء بن علي يلدرم.


1. مقابلات مع الكاتب، أنقرة، أيار/مايو 2018.