في الثاني من نيسان/أبريل، أقرّ مجلس النواب التونسي بالإجماع قانوناً جديداً حول المؤسسات الناشئة، في إطار استراتيجية "تونس الرقمية 2020" لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتوسيع البنية التحتية التكنولوجية. يُتوقَّع أن يساهم قانون المؤسسات الناشئة، الذي كان موضع ترحيب واسع، في زيادة عدد الشركات الناشئة، لا سيما في قطاع التكنولوجيا المتطورة، الأمر الذي من شأنه أن يجعل ريادة الأعمال الابتكارية في تونس أكثر تنافسية على المستوى الدولي، ويؤدّي على الأرجح إلى زيادة النمو الاقتصادي واستحداث الوظائف، لا سيما لفئة الشباب.

تضم تونس ما لا يقل عن 17 مركزاً تقنياً وعدداً كبيراً من برامج التمويل والإرشاد، ولذلك تُعتبَر من المواقع الأكثر ديناميكية لاحتضان الشركات الناشئة في القارة الأفريقية. في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، اختيرت تونس مقراً لمركز التميز الأفريقي للتكنولوجيا الرقمية الذي ينوي الاتحاد الأفريقي إنشاءه، والذي سيتولّى مهمة تدريب المسؤولين في الحكومات الأفريقية ومديري القطاع الخاص على التقنيات الرقمية. تتألف الاستراتيجية الرقمية الأوسع نطاقاً من 64 مشروعاً سوف يُطبَّق معظمها في إطار شراكات بين القطاعَين العام والخاص. وتشمل مشاريع متعلقة بالحكومة الرقمية، وتوسيع البنى التحتية الرقمية للأسر والمدارس (مثلاً عبر تحسين تكنولوجيا الحزمة العريضة)، وتعزيز قطاع الأعمال الإلكترونية من خلال آليات كترويج نظم دفع الأموال عن طريق الإنترنت، وتشجيع الشركات الأجنبية على نقل خدماتها الرقمية إلى تونس. الهدف من هذه المشاريع هو تعزيز القطاع الرقمي كركيزة مستقبلية للاقتصاد التونسي الذي يعتمد راهناً على الزراعة والسياحة.

بيد أن غياب الإطار القانوني والتنظيمي المناسب لمثل هذه المبادرات شكّل، حتى تاريخه، عائقاً أمام تطوير القطاع الرقمي في شكل عام، وريادة الأعمال في شكل خاص. بناءً عليه، وفضلاً عن وضع معايير لتعريف الشركات الناشئة، ينص قانون المؤسسات الناشئة على إجراء إصلاحات لتشجيع ريادة الأعمال، وتأمين الوصول إلى التمويل، وتنظيم عملية تأسيس الشركات وتصفيتها، وتعزيز التدويل. من أبرز الإجراءات التي يعتمدها القانون الإعفاءات الضريبية للشركات الناشئة لفترة تمتد حتى ثماني سنوات، ومنح موظّفي القطاعَين العام والخاص إجازة لمدّة سنة بغية إنشاء شركة جديدة مع احتفاظهم بحق العودة إلى وظائفهم القديمة بعد انقضاء المدّة، وتخصيص راتب مموَّل من الدولة لثلاثة مؤسِّسين على الأكثر في كل شركة خلال العام الأول من إطلاقها. الهدف من كل هذه التدابير هو تشجيع الشباب ذوي الموارد المالية المحدودة كي يصبحوا روّاد أعمال. علاوةً على ذلك، يساهم القانون في تعزيز تدويل القطاع عبر السماح لرواد الأعمال المحتملين بإنشاء حساب بالعملات الأجنبية لاستخدامه في شراء المواد وتأسيس فروع أو الاستثمار في شركات في الخارج.

كان المسار القانوني الذي استُخدِم لإقرار قانون المؤسسات الناشئة مساراً رائداً لناحية اعتماده على درجة عالية من المشاركة العامة. في شباط/فبراير 2016، عقدت مجموعة من 70 رائد أعمال ومستثمراً وممثّلاً عن مصارف ومسرّعات أعمال، جلسة أولية للعصف الذهني. وقد أعدّ فريق عمل مؤلّف من أعضاء من البيئة الحاضنة للشركات الناشئة، بالاشتراك مع وزير تكنولوجيا الاتصال والاقتصاد الرقمي آنذاك، نعمان الفهري، مشروع قانون، وحرِصَ على سلوك عملية المصادقة مسارها نحو الإتمام حتى بعد التعديل الوزاري الذي أُجري في آب/أغسطس 2016. وبغية إعلام مجلس النواب والحصول على دعمه لمشروع القانون، استخدم فريق العمل مواقع التواصل الاجتماعي والأكاديمية البرلمانية الجديدة – التي أنشئت في العام 2016 ومهمتها تدريب النواب في البرلمان التونسي – للتعبير عن مصالحه وزيادة الضغوط على صنّاع القرار. وهكذا انطلقت مجموعات المصالح التي أنشئت حديثاً تحت اسم "المؤسسات الناشئة التونسية"، من هذه الآلية التشريعية في إدارتها للعلاقات العامة، ما أفضى إلى تغطية إعلامية واسعة مؤيِّدة لقانون المؤسسات الناشئة.

يمكن أن تشكّل بعض خصائص هذه العملية نموذجاً يُحتذى لمزيد من الآليات التشريعية التي تنطلق من أسفل الهرم إلى أعلاه، بغية نشر التوعية وتعزيز الشفافية ومشاركة أصحاب الشأن. وعلى وجه الخصوص، يتيح إنشاء منظمة ناشطة خاصة بالمجموعة المستهدَفة، ظهور أشكال من الحملات السياسية تتمتع بمرونة أكبر بعيداً من الهيكليات الجامدة في معظم الأحيان التي تتّسم بها اثنتان من المنظمات الكبرى الخاصة بأصحاب العمل والعمّال، وهما الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية. هذا فضلاً عن أن استخدام قنوات التواصل الرقمي والحوار المباشر مع النواب يعزّز إلى أقصى حد انقشاع المشروع، ويساهم بالتالي في تحقيق مصالح صنّاع القرار والمجموعة المستهدَفة على السواء.

بيد أن توسيع القطاع الرقمي، حيث يشكّل قانون المؤسسات الناشئة مجرد عنصر واحد من عناصر استراتيجية "تونس الرقمية 2020" الأوسع نطاقاً، يتطلب إصلاحات مهمة إضافية. فمن زاوية اقتصادية، تحتاج تونس إلى إصلاح سياستها المتعلقة بأسعار صرف العملات وتشريعاتها عن التجارة الإلكترونية. وفي شكل خاص، تحول التنظيمات الحكومية التي تفرض قيوداً على تحويل الدينار إلى عملات أجنبية، دون تمكُّن الشركات الابتكارية الصغيرة من دخول السوق العالمية. من شأن السماح للشركات الناشئة حصراً بفتح حساب بالعملات الأجنبية أن يشكّل حلاً مؤقتاً وحسب. إلا أنه يُرجَّح أن تواجه إصلاحات السياسات النقدية والمالية مقاومة سياسية أكبر من المقاومة لقانون على غرار قانون المؤسسات الناشئة الذي يقتصر على مجموعة مستهدَفة محددة.

علاوةً على ذلك، سوف يحتاج النظام التربوي إلى إصلاح شامل. تُقدّم المدارس التونسية عدداً كبيراً من المقررات عن تكنولوجيا المعلومات والهندسة، لكنها لا تؤمّن تدريباً مناسباً في المجال الرقمي. ويبحث كثرٌ من الأشخاص ذوي المهارات الجيدة في تكنولوجيا المعلومات، عن وظائف في الخارج نظراً إلى الطبيعة التنافسية لسوق الوظائف التونسية، وبطء النمو في قطاع الشركات الناشئة. كما أن ظهور روح ريادية في الأعمال يتطلب سياقاً محلياً داعماً. غير أن الهيكليات الذكورية والهرمية في قطاع الأعمال والإدارة العامة في تونس تقطع الطريق أمام انخراط رواد الأعمال الشباب الذين لم يصبحوا بعد جزءاً من شبكات أعمال راسخة، إنما يملكون على الأرجح المقوّمات اللازمة لإدخال أفكار مبتكرة، وغير تقليدية في معظم الأحيان، إلى السوق. هذا فضلاً عن أن القوانين التي تُقيّد الحريات المدنية، والمناخ الاستثماري العام الذي لا يُحبّذ المجازفة إلى حد ما، تحول دون ظهور بيئة ديناميكية وخلاّقة تُحفّز ريادة الأعمال.

أخيراً، تواجه الشركات الناشئة في القطاع الرقمي توقّعات متزايدة. لا يستطيع هذا القطاع الصغير أن يلبّي طلبات استحداث العديد من الوظائف الجديدة، أقله في المستقبل المنظور. فحتى لو سجّل القطاع نمواً سريعاً، يبقى نشاط الأعمال مركَّزاً بدرجة كبيرة في العاصمة تونس وعدد قليل من المدن الساحلية الأخرى، ولذلك لا قدرة له على معالجة مشكلة البطالة المرتفعة في صفوف الشباب في المناطق الجنوبية والداخلية المهمّشة، حيث لا تزال برامج تعزيز ريادة الأعمال في القطاع الرقمي تنطلق بوتيرة بطيئة. يبدو أن التدفق الهائل للأموال من منظمات التنمية الأجنبية التي تركّز على ريادة الأعمال والشركات الناشئة كوسيلة للتنمية، يعود بنتائج عكسية نوعاً ما. فالكثافة العالية لبرامج التمويل وضعف تنسيقها يتسببان بتشويه السوق عبر تعويم بعض الشركات، وجعلها تعتمد على التمويل الخارجي أكثر منه على الحفاظ على ميزة تنافسية.

في حين أن قانون المؤسسات الناشئة يشكّل مبادرة رائدة – لا سيما في ما يتعلق بعملية صياغته وحشد الدعم لإقراره – إلا أنه ليس سوى خطوة أولى نحو بناء اقتصاد رقمي مزدهر. فمن الضروري أيضاً تنفيذ إصلاحات بعيدة المدى في ميادين مثل السياسات النقدية والمالية والنظام التربوي. إلا أنه من شأن الطبيعة الإشراكية للعملية التشريعية التي اعتُمِدت في إقرار قانون المؤسسات الناشئة أن تُحدّد معايير جديدة للحوار السياسي والتعاون بين القطاعَين العام والخاص، والتي يمكن أن ترسم معالم العملية الضرورية لإجراء مزيد من الإصلاحات.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

كاترين سولد باحثة ومحاضِرة في مركز دراسات الشرق الأدنى والأوسط في جامعة فيليبس في ماربورغ، ألمانيا.