منذ فوز الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بولاية ثانية في آذار/مارس بنيله نسبة غير مسبوقة من الأصوات بلغت 97.08 في المئة – وفي شكل خاص منذ حفل تنصيبه في الثاني من حزيران/يونيو – يشنّ النظام المصري حملة قمع متجدّدة تستهدف نشطاء ومعارِضين بارزين. يأتي ذلك استكمالاً لسياسة إحكام الخناق على المعارضة القانونية المجزّأة أصلاً وغير الفاعلة، بغض النظر عن ضآلة التهديد الذي تمثّله. 

والمثال الأبرز على ذلك هو الاستمرار في حجز عبد المنعم أبو الفتوح، رئيس حزب مصر القوية، وهو حزب إسلامي ذو ميول ليبرالية انشقّ عن الإخوان المسلمين في العام 2011. وقد جاء توقيفه، في 16 شباط/فبراير، في إطار موجة سابقة من القمع شهدتها البلاد في المرحلة التي مهّدت للانتخابات الرئاسية، وذلك على خلفية توجيهه انتقادات علنية للنظام في تلك الفترة. ومؤخراً، أُحيل 28 عضواً من المجلس المصري للتغيير، وهو عبارة عن مجموعة معارضة هدفها المعلَن إنهاء الحكم العسكري في مصر، إلى محكمة جنايات أمن الدولة طوارئ في 11 حزيران/يونيو بتهمة السعي إلى إسقاط النظام عن طريق الاحتجاجات ونشر الأخبار الكاذبة. واستهدفت أساليب ترهيبية واضحة أخرى مجموعات مثل الحركة المدنية الديمقراطية، وهو ائتلاف فضفاض مؤلَّف من المعارضة الرسمية هاجمه معتدون لم يُكشَف عن هويتهم وهم يهتفون بشعارات مؤيِّدة للحكومة خلال إفطار رمضان في السادس من حزيران/يونيو، ما أسفر عن عدد قليل من الإصابات الطفيفة. وفي 27 أيار/مايو الماضي، اعتُقِل حازم عبد العظيم، مدير حملة السيسي الرئاسية في العام 2014، الذي أصبح لاحقاً شخصية معارِضة مرموقة وفضحَ دور الأجهزة الأمنية في التلاعب بالانتخابات البرلمانية. وقد وُجِّهت إليه تهمة نشر أخبار كاذبة والانتماء إلى تنظيم محظور، في عبارةٍ تُستخدَم عادةً للإشارة إلى الإخوان المسلمين. كذلك اعتُقِل المدوّن البارز وائل عباس في 23 أيار/مايو، بتهمة الانتماء إلى تنظيم محظور ونشر أخبار كاذبة؛ وأوقفت السلطات شادي أبو زيد، الناشط في نشر مقاطع فيديو ساخرة، في 20 أيار/مايو بتهمة نشر أخبار كاذبة، والناشط الشاب شادي الغزالي حرب في 15 أيار/مايو في تهم مماثلة.

يُطبّق النظام عدداً من الإجراءات التي من المحتّم أن تؤدّي إلى زيادة التململ العام في أوساط الطبقتَين الدنيا والوسطى، وتعكس حملة الاعتقالات الاستباقية هذه المخاوف. في الثاني من حزيران/يونيو، عمدت الحكومة المصرية إلى زيادة أسعار المياه المستعمَلة في الاستهلاك المنزلي بنسب تتراوح من 33.3 إلى 46.5 في المئة، بحسب مستوى الاستهلاك، مع دخول القرار حيز التنفيذ بمفعول فوري. وأعقبتها في الخامس من حزيران/يونيو محاولة لزيادة الإيرادات الحكومية عبر فرض رسوم إضافية على إصدار العديد من التصاريح والمستندات، فسُجِّلت زيادة مضاعَفة مئتَي مرة في الرسوم المقترَحة لإنجاز معاملات الحصول على الجنسية المصرية. ويقترن ذلك أيضاً مع خفوضات شديدة مقترحة في الدعم الحكومي للطاقة والكهرباء، وذلك بنسبة 26.3 في المئة في الدعم للطاقة و47 في المئة في الدعم للكهرباء. سوف تزداد كلفة التيار الكهربائي للأسر بنسبة تصل إلى 69.2 في المئة في حالة الشريحة الاستهلاكية الأدنى. علاوةً على ذلك، أعلنت الحكومة المصرية في 16 حزيران/يونيو عن زيادة تصل إلى 66.7 في المئة في أسعار الوقود. هذا الانخفاض في الدعم الحكومي قد تُخفِّف قليلاً من حدّته زيادة طفيفة مقترحة في مستوى الدعم للمواد الغذائية.

تؤثّر هذه السياسات مباشرةً في الطبقتَين الدنيا والوسطى، وغالب الظن أنها ستؤدّي إلى زيادة مستوى التململ الشعبي من النظام. على الرغم من عدم ظهور معارضة منظَّمة لهذه التدابير، إلا أن المعارضة تمكّنت من استغلال موجات الغضب المحتملة، مثل التظاهرات العفوية التي اندلعت في مترو القاهرة في 12 أيار/مايو احتجاجاً على الزيادة في أسعار تذاكر المترو. اعتقلت السلطات ما لا يقل عن 20 شخصاً في الاحتجاجات، وفي 15 أيار/مايو، اتّهمت المحامي والناشط العمّالي هيثم محمدين بـ"مساعدة تنظيم إرهابي" عبر التحريض على احتجاجات المترو، مع العلم بأنه لم يشارك فيها. بعد الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات، أصدرت المعارضة البرلمانية، ممثَّلةً بالحركة المدنية الديمقراطية، بياناً انتقدت فيه علناً سياسة النظام الاقتصادية محذِّرةً من اندلاع موجات غضب عفوية.

صحيح أن النظام يواصل تطبيق سياسة التقشف الاقتصادية المعمول بها أصلاً في البلاد، إلا أن حدّة الإجراءات وصرامتها بلغتا مستوى متزايداً منذ انطلاق ولاية السيسي الثانية. من المحتّم أن تؤدّي الخفوضات الشديدة في الدعم الحكومي للمياه، والتدابير التي أعقبتها سريعاً وتمثّلت بفرض خفوضات إضافية في الدعم الحكومي للكهرباء والمحروقات، إلى تعاظم التشنّج. وتأتي هذه الإجراءات أيضاً بعد بلوغ التضخم الأساسي 31.95 في المئة في حزيران/يونيو 2017، ما أدّى إلى تراجع شديد في القوة الشرائية للمواطن المصري العادي، وانخفاض متوسط المستوى المعيشي. تتعارض هذه الإجراءات بشدّة مع الوعود التي قطعها السيسي بتحسين الظروف المعيشية للمصريين. 

فضلاً عن ذلك، يضيّق النظام الخناق على النخب المدنية في القطاع الخاص بهدف إقصائها، مع تعدّي الشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية على المساحة الخاصة بالشركات المدنية. وفي المثال الأحدث على ذلك، أنفق الجيش مليار دولار على بناء أكبر مصنع للإسمنت في البلاد، والذي من المزمع أن يصل إنتاجه، بحسب الخطة الموضوعة، إلى 12.6 مليون طن في السنة. يَزيد مصنع الإسمنت الجديد من فائض القدرة في هذا القطاع الذي ينتج في الأصل 79 مليون طن من الإسمنت في السنة في حين أن السوق المحلية تستهلك 52 مليون طن فقط. لقد اشتكى عدد من المسؤولين المصريين والأجانب في القطاع الخاص من تكبّد خسائر فادحة، وعبّروا في العلن عن مخالفتهم لتوقعات الجيش بأن نمو السوق في قطاع الإسمنت سوف يسدّ الثغرة. وحذّر صندق النقد الدولي أيضاً من الأثر السلبي على تطوّر القطاع الخاص.

كذلك قدّم النظام عدداً كبيراً من الإعفاءات الضريبية لأنشطة الجيش التجارية، وهي لا تشمل فقط إعفاء الشركات العسكرية من الضرائب على الدخل والتعرفات على الواردات، بموجب قوانين صادرة في العامَين 2005 و1986، إنما أيضاً إعفاء الجيش من الضرائب العقارية بموجب قانون جديد صادر في العام 2015. هذا وقد أعلنت الحكومة، في 12 حزيران/يونيو، عن زيادة في أسعار الكهرباء المفروضة على المنتجين الصناعيين بنسبة 43 في المئة، مع الإشارة إلى أن الجيش معفيٌّ منها أيضاً.

يتسبّب توسّع الجيش الاقتصادي أيضاً بإضعاف الشركات المتوسطة والصغيرة الحجم. لقد عزّز الجيش، على مر السنين، حضوره في مختلف جوانب القطاع الخاص، بدءاً من المخابز مروراً بحليب الأطفال ووصولاً إلى المكيفات الهوائية. يُظهر تنوّع هذه الأمثلة حجم الضغوط التي يمارسها النظام على القطاع الخاص، والتي لا بد من أن تؤدّي إلى اشتداد المعارضة، ليس في أوساط النخب المدنية وحسب، إنما أيضاً لدى أبناء الطبقة الوسطى الذين يملكون شركات صغيرة الحجم. إذاً قد يتسبّب توسّع الجيش بخسائر للشركات الكبرى، إلا أنه من الممكن أن يؤدّي إلى إقصاء الشركات الصغيرة وإخراجها بالكامل، الأمر الذي من شأنه أن يساهم في استفحال الغضب الشعبي في أوساط الطبقة الوسطى.

ربما تقف الدوافع السياسية أيضاً خلف القمع المتنامي. فقد سعى السيسي، منذ إعادة انتخابه، إلى تعديل الدستور لتمديد ولايته الرئاسية. بموجب المادة 140 من الدستور المصري، يمكن انتخاب الرئيس لولايتين متتاليتين فقط، مع الإشارة إلى أن مدّة الولاية الواحدة هي أربع سنوات. فضلاً عن ذلك، تنص المادة 226 على أنه لا يجوز تعديل المواد المتعلقة بانتخاب الرئيس إلا بهدف فرض ضوابط ديمقراطية إضافية على السلطة التنفيذية، وليس من أجل إلغاء هذه الضوابط. إذاً يجب تعديل المادّتَين بغية السماح للسيسي بالبقاء في منصبه بعد سنة 2022، ما سيتطلب موافقة مجلس النواب على التعديلات ثم المصادقة عليها في استفتاء. وقد تحدّثت تقارير صادرة عن الأمانة العامة لمجلس النواب عن استعدادات جارية لتعديل الدستور من أجل إلغاء القيود في المادة 226.

غالب الظن أن الاستفتاء العام الذي يفرض الدستور إجراءه لإقرار التعديلات سيُسبّب مشكلة للنظام، لأنه سيتيح للمعارضة مساحة عامة أكبر للتعبئة والتحرك، ربما من خلال تنظيم احتجاجات أو حملات مقاطعة. وعلى الرغم من أن السيسي فاز في الانتخابات الأخيرة مسجِّلاً نصراً قياسياً بنسبة 97 في المئة من الأصوات، إلا أن النظام شنّ، بصورة استباقية، حملة قمع ضد المرشحين الآخرين، ووصلت به حالة التخبّط إلى البحث عن مرشح مغمور عملياً من أجل خوض الانتخابات ضد السيسي، بهدف الإيحاء بأن البلاد تشهد عملية ديمقراطية. إذاً لا تزال الانتخابات والاستفتاءات قادرة على ممارسة ضغوط على النظام – لا سيما على ضوء المشقّات الاقتصادية المتزايدة التي يواجهها المواطن العادي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

ماجد مندور محلل سياسي وكاتب عمود Chronicles of the Arab Revolt عبر "أوبن ديمقراسي". لمتابعته عبر تويتر: MagedMandour@