منذ 30 آذار/مارس، أحيا الفلسطينيون الذكرى السنوية ليوم الأرض، ونظموا سلسلة من الاحتجاجات أطلقوا عليها مجتمعة "مسيرة العودة الكبرى". وقد حددت المسيرات مطالبها بإنهاء الحصار المفروض على غزة، وتذكير المجتمع الدولي بحق الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم وفق قرار الأمم المتحدة رقم 194. وقد بلغت الاحتجاجات ذروتها في 14 أيار/مايو، عندما لقي أكثر من 60 متظاهراً مصرعهم عند الشريط الحدودي بين إسرائيل وغزة. ثم تراجع حجم المشاركة من نحو 40000، وفقاً للتقديرات، في 14 أيار/مايو إلى بضع  مئات خلال تظاهرات أيام الجمعة الأخيرة، إلا أن المنظّمين يسعون إلى الاستمرار بالفعاليات الاحتجاجية.

وقد بدأت المسيرات من خلال مبادرات شبابية على مواقع التواصل الاجتماعي اقترحت تحويل مسيرات العودة التي تتم كل عام بشكل روتيني، في 15 أيار/مايو، إلى مسيرات مستمرة. يُشرف على مسيرات العودة هيئة تنسيقية تتكوّن من ممثلين عن الفصائل الفلسطينية وهيئات من المجتمع المدني وممثلين عن العشائر وشخصيات مستقلة. وقد أقامت الهيئة التنسيقية تجمعات دائمة لها في خمس مناطق حدودية على طول الشريط الحدودي مع إسرائيل. إنه خروج عن الصورة التقليدية للمسيرات التي تعتمد على الاشتباك المباشر الذي غالباً ما يُسفر عن سقوط ضحايا، وتحوّلٌ نحو تنظيم الأنشطة الثقافية والفنية التي تساهم في تذكير العالم بحقوق الشعب الفلسطيني. وعلى الرغم من عدم مشاركة حماس في تنظيم الاحتجاجات، إلا أنها دعمتها بصورة مطردة. في غياب الخيارات البديلة، يشكّل تبنّي الاحتجاجات ودعمها الفرصة الأفضل المتاحة أمام حماس لمواجهة الحصار.

محولة حماس لتبني مسيرات العودة دفعت أيضاً بحركة فتح لإصدار بيان بتاريخ 16 أيار/مايو 2018 تعلن فيه انسحابها من مسيرات العودة. واعتبرت أن "مسيرة العودة الكبرى" وصلت إلى نهايتها عبر المسيرة التي شهدها قطاع غزة يومَي 14 و15 أيار/مايو، وبررت فتح انسحابها بأن حماس تستخدم المسيرات لأهداف غير تلك التي انطلقت من أجلها وتنفيذاً لأجندتها الخاصة. على الرغم من أن انسحاب حركة فتح تسبب بانخفاض شديد في أعداد المشاركين في المسيرات – ما يضع الفصائل الفلسطينية الأخرى أمام تحدّي تعويض النقص العددي - إلا أن الاحتجاجات تمكّنت من الاستمرار، لا سيما بسبب وجود أكثر من جهة منظِّمة للمسيرات، كما أن المقاربة السلمية التي يعتمدها هؤلاء النشطاء تمتلك قدرة واسعة على الاستقطاب.

لم تُظهر مسيرات العودة أي شعارات مناوئة لحكم حركة حماس لغزة أو تُحمِّلها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الإنسانية في القطاع. وهذا أعطى حافزاً لحماس كي تحاول استيعاب المسيرات من أجل تعزيز صورتها دولياً ومحلياً. لقد استخدمت حماس التغطية الإعلامية لمسيرات العودة، وحاولت تقديم نفسها للمجتمع الدولي بشكل أكثر قبولاً كحزب سياسي يمارس المقاومة السلمية. وفي خطاب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، في 9 نيسان/أبريل 2018، وهو يضع خلفه لافتة كبيرة عليها صور مارتن لوثر كينغ وغاندي ومانديلا الذين عُرفوا بنضالهم السلمي لتحقيق أهدافهم، دعا هنية للمزاوجة بين النضال السلمي والقانوني للمحتجّين من جهة والمواجهة المسلحة المنفصلة من جهة ثانية، من دون أن يدعو إلى تسليح مسيرات العودة. لكن الظاهر أن حماس لم تنجح في ذلك لغاية الآن، فقد أدان برلمان الاتحاد الأوروبي "استخدام" حماس المدنيين لغرض "حماية الأنشطة الإرهابية"، وحمّلت الولايات المتحدة حركة حماس وحدها المسؤولية عن "أعمال العنف" التي اندلعت على الشريط الحدودي بين قطاع غزة وإسرائيل في 14 أيار/مايو.

حققت حماس نجاحاً أكبر على الجبهة الداخلية، فهي تستخدم المسيرات لإخراج غزة من سيطرة البرنامج السياسي لمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، وخاصة بعد التشكيلة الجديدة للمجلس المركزي واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير التي أبصرت النور في نيسان/أبريل، واستثنت حماس والجبهة الشعبية. مسيرات العودة فرصة متاحة لحماس لإرباك السلطة وتصوراتها السياسية في غزة، وإضعاف قدرتها على اتخاذ قرارات مع الإسرائيليين والمجتمع الدولي بما يخص غزة من دون تفاهمات مع حماس والفصائل والشخصيات التي استُثنيَت من تشكيلة منظمة التحرير. وذلك لأن حركة فتح لن تستطيع تطبيق أي اتفاق مع إسرائيل بصورة كاملة فيما تخضع غزة لسيطرة حماس. فكي تتمكّن حركة فتح من الالتزام بشروط أي اتفاق محتمل، عليها إما أن تجد طريقة لانتزاع السلطة من حماس في غزة، وإما أن تتوصل لتفاهمات معها.

كذلك تدفع مسيرات العودة نحو تشكيل تكتلات حزبية وشعبية معارِضة للعقوبات المستمرة التي تفرضها السلطة الفلسطينية منذ نيسان/أبريل 2017، رداً على قيام حماس بتشكيل اللجنة الإدارية المؤقتة في آذار/مارس 2017 لإدارة قطاع غزة وتأمين الخدمات، بعد اتهام حماس لحكومة الوفاق الفلسطينية برئاسة رامي الحمد الله بالتخلي عن مسؤولياتها ومهامها في القطاع. انطلق "حراك رفع العقوبات عن غزة" في نهاية شهر أيار/مايو الماضي بعد أسبوعين من كبرى مسيرات العودة في 14 و15 أيار/مايو، وقد تأثّر بمسيرات العودة في غزة وخاصة بعد سقوط العدد الكبير من الضحايا. ويضم الحراك أكاديميين وصحافيين وأسرى سابقين وحركات طالبية ونشطاء مجتمع مدني وحقوقيين. وقد لفتت الحملة، في بيان صحافي، إلى أنها ستستخدم المسيرات نموذجاً للمطالبة برفع الإجراءات العقابية التي تفرضها السلطة الفلسطينية على قطاع غزة – والتي تشمل وقف الدفعات المخصصة لتسديد رواتب موظفي الخدمة المدنية، وقطع التيار الكهربائي والإمدادات الطبية – وحض الأشخاص على الالتفاف حول مسيرات العودة ودعمها والمشاركة فيها. وبدعم من حماس، اتسعت رقعة الاحتجاجات في منتصف حزيران/يونيو لتشمل بعض مدن الضفة الغربية، حيث استمرت على الرغم من القمع الذي تمارسه السلطة الفلسطينية، كما توسّعت نحو الخارج، لا سيما عمان وبيروت والعديد من المدن الأوروبية. إذا تصاعدت الاحتجاجات ضد العقوبات التي تفرضها السلطة الفلسطينية على قطاع غزة، فسيمثّل ذلك عامل ضغط على السلطة الفلسطينية لرفع العقوبات، وهو ما يخالف تماماً ما كانت تهدف إليه السلطة الفلسطينية.

قبل اندلاع مسيرات العودة، عوّلت حماس على خيار المصالحة الفلسطينية وحكومة الوفاق الوطني لتحمّل أعباء قطاع غزة الخدماتية والإنسانية. وقد وصلت المصالحة الفلسطينية لحائط مسدود في كانون الثاني/يناير 2018 بعد اتهام السلطة الفلسطينية حركة حماس بعرقلة حكومة الوفاق ومنعها من القيام بمهامها. وتصاعدت الأزمة بين حركتَي حماس وفتح، بعد تفجير موكب رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله أثناء زيارته لقطاع غزة في 13 آذار/مارس الماضي، واتهام الرئيس الفلسطيني محمود عباس حركة حماس بالوقوف وراء التفجير متوعّداً إياها بعقوبات وإجراءات "وطنية وقانونية ومالية" في خطاب حملَ مضامين فُهِمَت من حماس بأنها تحريض للمواطنين بالعصيان ضدها1.

تسعى حماس، من خلال ربط نفسها بمسيرات العودة، إلى إحباط محاولات السلطة الفلسطينية الرامية إلى تقويض شعبيتها والتحريض على التململ ضد حركة حماس، فالانتقادات لحركة حماس سوف يُنظَر إليها بأنها انتقادات للاحتجاجات. علاوةً على ذلك، وبما أن التظاهرات تصبّ غضبها تحديداً على إسرائيل بسبب الأوضاع في غزة، بدلاً من التعبير عن الغضب من الأوضاع بشكل عام، فإن فتح أقل قدرة على التأثير في المحتجّين لدفعهم إلى إلقاء اللائمة على حماس وتحميلها مسؤولية المشكلات في القطاع. 

من ناحية أخرى، فإن دعم وتبني حماس للمسيرات عاد بالضرر والتشويش على مسيرات العودة. واندفاع حماس لتصدُّر الخطاب الإعلامي يضرّ بالصورة السلمية والشعبية للمسيرات من خلال إعطاء إسرائيل تبريراً لاستخدام العنف ضد المسيرات.2 ومن الأمثلة على ذلك تصريح القيادي في حماس، صلاح البردويل، في 16 أيار/مايو الماضي – غداة اليوم الأكثر دموية في مسيرات العودة - والذي قال فيه إنه "في الجولة الأخيرة، نحو62 شخصاً استشهدوا، 50 منهم ينتمون إلى حماس". وقد سارعت إسرائيل إلى استخدام هذه التصريحات لتأكيد وجهة نظرها بأن حماس هي مَن تقود ما وصفتها بأعمال العنف على الحدود بين غزة وإسرائيل.

في حال نجاح هذه الاحتجاجات في تخفيف الحصار عن غزة، فستعتبره حماس مكسباً سياسياً. أما في حال فشل الاحتجاجات في تخفيف حصار غزة، فستكون حماس أمام الخيارات التي تجنّبَتْها، كالمواجهة العسكرية مع إسرائيل أو الصدام مع السلطة الفلسطينية الذي من شأنه أن يؤدّي إلى مزيد من التباعد بين الفصائل الفلسطينية.

حسن عبيد دكتور في العلوم السياسية من جامعة دويسبرغ_إيسن في ألمانيا.


1. مقابلة مع قيادي من حركة حماس رفض التصريح باسمه، اسطنبول، 13 حزيران/يونيو 2018.
2. مقابلة عبر الهاتف مع أحمد أبو رتيمة، ناشط شبابي مستفل من غزة وأحد المبادربن لمسيرات العودة،  12 حزبران/يونيو 2018.