يأتي سقوط الغوطة الشرقية ودرعا في أيدي القوات الموالية لنظام الرئيس بشار الأسد خلال الأشهر القليلة الماضية ليتوّج نجاح السياسة المنخفضة الكلفة التي تتبعها موسكو في سورية. ففي غضون أقل من ثلاث سنوات، أتاح الدعم العسكري الذي قدّمته روسيا لنظام الأسد الذي كان محاصَراً في السابق، أن يستعيد هذا النظام أكثر من 60 في المئة من أراضي البلاد، وذلك عبر استخدام مقاربة محلية وإقليمية مزدوجة وموزّعة على مراحل. لقد أنشأت روسيا، مراراً وتكراراً، مناطق لنزع التصعيد أدّت إلى تجميد مناطق جغرافية واسعة، ما سمح للنظام بتركيز موارده المحدودة على مناطق معيّنة. في موازاة ذلك، أطلقت روسيا "عملية سلام" في أستانة أفضت إلى تقسيم المعارضة، إنما والأهم من ذلك، أسفرت عن استيعاب قوى إقليمية مثل تركيا وإسرائيل عبر زيادة رهاناتها في اللعبة الجيوسياسية السورية. لقد أدّت الاستراتيجيا المحنّكة التي انتهجتها موسكو في إدارة الحرب دوراً أساسياً في تحقيق النجاحات العسكرية في حلب وحمص، ومؤخراً في الغوطة الشرقية ودرعا.

على المستوى المحلي، سعت موسكو إلى تقويض المعارضة عبر تسديد ضربات عسكرية حاسمة لمعاقل الثوّار، وعزلها جغرافياً وقطعها عن الجهات الإقليمية الداعِمة لها. وأتبعت ذلك بإبرام اتفاقات محلية لوقف إطلاق النار، ما ساعد النظام على نقل موارده البرية العسكرية المحدودة إلى الجبهة التالية. ظهرت هذه المقاربة لأول مرة في سقوط حلب في كانون الأول/ديسمبر 2016. لقد أدّت السيطرة على المدينة إلى طرد جماعي لمجموعات الثوّار، لا سيما إلى إدلب في شمال سورية، فبات ما تبقّى من سكّان حلب ذوي ميول موحّدة أكثر تأييداً للنظام.

بعد إبرام اتفاقات محلية لوقف إطلاق النار، تمكّن النظام من إعادة تنظيم قواته وشن هجمات منفصلة في المناطق. وكان المسعى الأول الذي قام به النظام، بعد حلب، استعادة السيطرة على المنطقة الواقعة شرق سورية من قبضة الدولة الإسلامية التي كانت تترنّح تحت تأثير الضربات الجوية من التحالف الأميركي. تقدّمت قوات النظام نحو السخنة عن طريق تدمر قبل التقدّم أكثر باتجاه الشمال إلى محافظة دير الزور في محاولة للسيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي الاستراتيجية في الشمال الشرقي الغني بالمياه والنفط والغاز.

بعد ثلاثة أشهر من إعلان النظام السوري النصر على الدولة الإسلامية في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، أطلقت قوات النظام هجوماً برياً وجوياً جديداً في شباط/فبراير 2018 ضد مواقع الثوار في جيب الغوطة الشرقية المحاصَر، الذي سقط في أيدي قوات النظام في نيسان/أبريل. وسرعان ما استُتبِع الهجوم بتشكيل "لجان مصالحة" مؤلّفة من سكان محليين ومهمتها تشجيع الثوار في المنطقة على الاستسلام وتسليم أسلحتهم. وقدّمت هذه اللجان أحياناً مساعدة عسكرية للنظام: فقد أورد الموقع المعارِض "عنب بلدي"، في نيسان/أبريل، أن قوات الأسد قدّمت الدعم للجنة تابعة للشيخ بسام ضفدع، وهو شخصية محلية بارزة موالية للنظام، ما ساعد النظام على محاصرة حي ترما في الغوطة الشرقية.

استُخدِمت آليات مماثلة قائمة على فرض المصالحة عنوةً للتسريع في سقوط مناطق الثوار الأخرى في جنوب سورية. فمنذ مطلع العام 2017، عمد النظام – بدعم روسي – إلى زيادة جهود المصالحة المحلية، لا سيما في قرى كفر حور وبيت تيما وبيت سابر وبيت جن في جنوب البلاد. يُطلَب من المقاتلين الذين يرفضون الشروط التي وضعتها لجان المصالحة مغادرة المنطقة، وهم يتوجّهون عادةً إلى إدلب. ويخضع الثوار الذين يقبلون باتفاقات المصالحة لما يُسمّى بـ"تسوية الوضع"، عبر التفاوض على شروط الاستسلام مع لجان المصالحة. حتى إن هذه الآلية أدّت، في حالة فوج الحرمون الذي حارب سابقاً في إطار الجيش السوري الحر، إلى دمج المقاتلين في قوات الاستخبارات العسكرية السورية التي كانت تقاتل جبهة الإسلام. وقد طُبِّقت عملية المصالحة نفسها في تموز/يوليو في بصرى الشام، ما أدّى إلى سقوط المدينة.

في موازاة حملاتها المحلية، دفعت روسيا باتجاه انطلاق عملية سلام إقليمية لإشراك حلفاء النظام واستيعاب القوى الأخرى التي تدعم مجموعات ثورية معيّنة. لقد قدّمت عملية السلام في أستانة التي انطلقت في العام 2017، إطاراً لإنشاء مناطق محلية لنزع التصعيد، وهدفت إلى وضع حد لكل الأعمال الحربية بين النظام والمعارضة. وأتاح ذلك للنظام السيطرة على مناطق الثوار على مراحل، لا بل تسبّب أيضاً بنشوء انقسامات عميقة داخل المعارضة المفكّكة أصلاً، والتي راح أفرقاؤها يتبادلون الاتهامات بالخيانة.

ضمّت روسيا كلاً من تركيا وإيران، الداعِمة الأساسية للنظام السوري، إلى طاولة المفاوضات. قدّمت تركيا المساعدات إلى مجموعات ثورية محددة ومدّتها بشريان حياة عسكري ومالي يربطها بجهات أخرى داعِمة في المنطقة مثل المملكة المتحدة وفرنسا وقطر والسعودية، إنما لم يكن لديها، حتى ذلك الوقت، دورٌ مباشر في عملية السلام. لقد شكّل ذلك حافزاً لإيران وتركيا من أجل التوصل إلى اتفاق منفصل مع روسيا في أيار/مايو 2017 لإنشاء مناطق محظورة الطيران مغلقة أمام طائرات التحالف الأميركي، بما في ذلك فوق أجزاء من محافظات إدلب وحمص ودرعا والقنيطرة، وكذلك فوق الغوطة الشرقية.

بعد حصول تركيا على دور في عملية أستانة، تقرّبت أكثر من روسيا وإيران، في مؤشر عن استعدادهما للرضوخ للمخاوف التي أعربت عنها تركيا بأنه من شأن إضفاء طابع رسمي على الفيدرالية الديمقراطية لشمال سورية التي تتمتع بحكم ذاتي ويديرها الأكراد أن يتيح لحزب العمال الكردستاني شنّ هجمات عبر الحدود. استمر التقارب الذي كان قد بدأ مع سقوط حلب – وفق ما ظهر في عملية غصن الزيتون التي شنتها تركيا في عفرين، والتي تزامنت مع الهجوم على الغوطة الشرقية في شباط/فبراير. وسدّد خفض الدعم التركي ضربة جديدة للتمرد، كما عكسَ البعد الإقليمي للمقاربة الروسية الممرحَلة.

كذلك كانت روسيا مصممة على فرض الأمن عند الحدود الجنوبية لسورية. فإسرائيل، التي كانت متخوّفة من التوسع الإيراني، قصفت أكثر من مئة هدف مدعوم من إيران في مختلف أنحاء سورية اعتباراً من آب/أغسطس 2017، في ما وصفته موسكو بأنه "انتهاك سافر للسيادة السورية"، إلا أنها تغاضت عنه. وبعدما هدّد المسؤولون الإيرانيون بالثأر رداً على التصعيد في الهجمات الإسرائيلية في مطلع العام 2018، شنّ فيلق القدس التابع للحرس الثوري هجوماً صاروخياً انطلاقاً من سورية ضد إسرائيل في التاسع من أيار/مايو. لكن مع تركيز النظام هجومه في درعا في حزيران/يونيو 2018، توصّلت إسرائيل وروسيا، وفق ما أُفيد، إلى اتفاق لمنح ضوء أخضر للهجمات الإسرائيلية على المجموعات المدعومة من إيران في سورية. كذلك اقترحت روسيا إبقاء هذه المجموعات على بعد ما لا يقل عن مئة كيلومتر (62 ميلاً) عن الحدود الإسرائيلية-السورية، بما يؤدّي إلى خفض الهجمات الإسرائيلية ضد إيران، حليفة روسيا الأساسية في سورية. كذلك سبقت الهجوم على جنوب سورية محادثات أميركية-روسية-أردنية أفضت إلى إقناع الأردن بخفض دعمه للثوار.

يبدو أن روسيا نجحت في تأمين شكل من أشكال السلام في مناطق النظام، وتجميد النزاع في المناطق الحدودية شمال البلاد وجنوبها. غالب الظن أن موسكو ستستعمل مقاربتها الممرحلة للسيطرة على إدلب في المرحلة المقبلة. في الواقع، على الرغم من الالتزام الروسي الشكلي بخطة نزع التصعيد، يشنّ سلاح الجو الروسي قصفاً واسعاً على إدلب، في إطار حملة شهدت تصعيداً في شباط/فبراير بعدما أسقط الثوّار طائرة حربية روسية وقتلوا الطيّار. تقول موسكو والنظام السوري إنهما يستهدفان المجموعات الجهادية المعروفة بوجودها على نطاق واسع شمال البلاد، غير أن عدداً كبيراً من الثوّار من حلب والغوطة الشرقية لاذ أيضاً بالفرار إلى إدلب.

في حين أن السيطرة على إدلب ستستغرق مزيداً من الوقت، نظراً إلى تعدُّد المجموعات الثورية والجهادية، أظهرت الاستراتيجيا التي تنتهجها روسيا في إدارة الحرب على المستويَين المحلي والإقليمي، نجاحاً. من شأن هجوم في شمال سورية أن يحمل في طياته خطر تجدُّد القتال بين الأكراد والقوات الموالية للأتراك، إنما بإمكان روسيا أن تدير هذا النزاع عبر التفاوض على عودة النظام إلى تلك المنطقة، الأمر الذي قد يُهدّئ من مخاوف أنقرة عبر إنهاء وجود الحكومة الكردية المستقلة في المنطقة. على سبيل المثال، تخوض القوات الموالية للنظام في شمال شرق سورية منافسة مباشرة مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي يدعم قوات سورية الديمقراطية التي يسيطر عليها الأكراد.

قد يكون إرساء توازن بين المشاغل الإسرائيلية والطموحات الإيرانية على طول الحدود الجنوبية لسورية أكثر تعقيداً. لقد طالبت إسرائيل، في 23 تموز/يوليو، بعدم السماح لإيران بامتلاك موطئ قدم عسكري في سورية، وبأن تُزيل روسيا جميع الصواريخ البعيدة المدى، بما في ذلك إغلاق المصانع السورية التي تنتج صواريخ موجَّهة بدقة. سوف تتعرض روسيا لضغوط شديدة من أجل الاستجابة للمطالب الإسرائيلية في سورية عبر استخدام الوسائل الدبلوماسية حصراً، نظراً إلى أن إيران باتت ماهرة في استعمال أفرقاء بمثابة وكلاء عنها، وفي ترسيخ نفوذها في المناطق التي تعتبرها ذات أهمية استراتيجية – وفق ما شهدناه في لبنان، ونشهده الآن في سورية.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

 

منى علمي زميلة غير مقيمة في المجلس الأطلنطي وزميلة مشاركة في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. لمتابعتها عبر تويتر monaalami@