في 15 آب/أغسطس الماضي، على إثر اجتماع عُقِد في أنقرة بين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أكّدت وزارة الخارجية القطرية أن الدوحة سوف توظّف 15 مليار دولار في الاقتصاد التركي، في شكل استثمارات جديدة وودائع على السواء. وفي إطار هذا التعهّد، وقّع المصرفان المركزيان التركي والقطري اتفاقاً لتبادل العملات في 19 آب/أغسطس، تشتري الدوحة بموجبه ليرات تركية بقيمة ثلاثة مليارات دولار بهدف تحسين قيمة العملة التركية. يهدف الاتفاق إلى تيسير التبادل التجاري الثنائي بالعملات المحلية، وتأمين السيولة. لكن في حين أن زيارة الأمير القطري والتعهد الذي أطلقه كانا متوقّعَين نظراً إلى الروابط الوثيقة بين البلدَين، إلا أن كثراً في تركيا رأوا في المساعدات الاقتصادية التي عرض تقديمها، تعهّداً طال انتظاره إنما أيضاً تعهد غير مضمون.

إشارة إلى أن الاقتصاد التركي الذي يعتمد إلى حد كبير على القروض بالعملات الأجنبية، عانى من وطأة شديدة على مدار العام 2018، مع تسجيل قيمة الليرة التركية في مقابل الدولار الأميركي هبوطاً بنسبة 40 في المئة منذ كانون الثاني/يناير 2018. لقد عزا منتقدو الحكومة التركية الانخفاض في قيمة الليرة إلى رفض أردوغان زيادة أسعار الفوائد في خضم التضخم التصاعدي. هذا وقد فرضت الإدارة الأميركية، في الثاني من آب/أغسطس، عقوبات على وزيرَين تركيين رداً على رفض أنقرة الإفراج عن القس أندرو برونسون. وقد تحوّلت قضية القس مسألة شديدة الحساسية أدّت إلى احتدام التشنّج في العلاقات الأميركية-التركية. فواشنطن تعتبر، من جهتها، أن تركيا تعتقل برونسون في تهمٍ ملفّقة لاستخدامه بيدقاً سياسياً، في حين أن تركيا تعتبر أن الولايات المتحدة لا تحترم الإجراءات القانونية في قضية القس. وقد عمدت الولايات المتحدة، في العاشر من آب/أغسطس، إلى مضاعفة التعرفات المفروضة على صادرات الألومينيوم والفولاذ التركية، ما تسبّب بأزمة للعملة التركية التي تراجعت قيمتها من 4.9 مقابل الدولار الأميركي في الأول من آب/أغسطس إلى 6.9 بحلول 13 آب/أغسطس، الأمر الذي دفع بأردوغان إلى إلقاء اللائمة على الولايات المتحدة متّهماً إياها بشن "حرب اقتصادية" على بلاده.

وقد جاء تعهّد أمير قطر بتقديم حزمة مساعدات قدرها 15 مليار دولار، في الوقت المناسب لوضع حد للانتقادات التي وُجِّهت إلى قطر في إطار ما وصفته بعض وسائل الإعلام التركية بـ"الخيانة". تساعد الأزمة الخليجية التي اندلعت في العام 2010 على فهم الأسباب التي دفعت بتركيا إلى أن تتوقّع من قطر المبادرة بسرعة أكبر إلى تقديم المساعدة. فعندما بدأت البحرين ومصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة بفرض حصار على قطر في حزيران/يونيو 2017، أعطى أردوغان توجيهاته إلى وزير الاقتصاد نهاد زيبكجي لمساعدة الدوحة في الالتفاف على الحصار الذي فرضه عليها جيرانها. وقد أدّى تدخل أنقرة في الأزمة دوراً محورياً في مد قطر بشريان حياة. في الوقت نفسه، عمدت تركيا إلى التعجيل في نشر قواتها في قطر في إطار اتفاق دفاعي مشترك، ما خفّض من قدرة التكتل الذي تقوده السعودية على شنّ عمل عسكري ضد الإمارة. وبما أن أنقرة وظّفت مجهوداً كبيراً في علاقاتها السياسية والعسكرية مع الدوحة، توقّعت من قطر أن تبادلها بالمثل وتبذل بدورها جهوداً اقتصادية لمساعدتها.

لكن على الرغم من العلاقات السياسية والأمنية الممتازة، لم تجمع قط روابط تجارية قوية بين تركيا وقطر. فما خلا في العام 2008، لم تتخطَّ قيمة التجارة الثنائية المليار دولار، وفقاً للهدف الذي حدّده المسؤولون في البلدَين. تُظهر الأرقام الرسمية أنه منذ العام 2014، تاريخ توقيع البلدَين مذكرة لإنشاء اللجنة الاستراتيجية العليا – وهي عبارة عن آلية ثنائية للحوار الرفيع المستوى حول العلاقات السياسية والاقتصادية والدفاعية – تراجع حجم التجارة بينهما من حوالي 740 مليون دولار في العام 2014 إلى 710 ملايين دولار في العام 2016. ثم جاءت أزمة الخليج في العام 2017 لتُبدّل هذا المسار، مع تسجيل الصادرات التركية إلى قطر زيادة بنسبة 48 في المئة خلال العام المذكور، ما أفضى إلى ارتفاع حجم التجارة الثنائية إلى 913 مليون دولار. بيد أن حصة قطر من مجموع الصادرات التركية في العام 2017 ظلّت 0.3 في المئة فقط، أي في المرتبة الـ48 بين شركاء تركيا التجاريين، نظراً إلى أن قطر لا تزال تعتمد بشدّة على أسواق تقليدية أخرى في أوروبا وشرق آسيا وأميركا الشمالية للحصول على وارداتها.

في الأعوام القليلة الماضية، استثمرت قطر أيضاً في القطاع المصرفي، وفي العقارات، والسياحة، والإعلام، وقطاعات التصنيع في تركيا. بيد أن الحديث عن حجم هذه الاستثمارات، وفق ما ورد في وسائل الإعلام وعلى لسان بعض المسؤولين القطريين، انطوى على مبالغة كبيرة. في العام 2017، زعمت تقارير كثيرة، من دون أدلة دامغة، أن قيمة الاستثمارات القطرية في تركيا تخطّت 20 مليار دولار؛ لكن وفقاً للأرقام الرسمية الصادرة عن البنك المركزي التركي، لم يتجاوز مجموع الاستثمارات الخارجية المباشرة القطرية في تركيا، من 2002 إلى 2017، 1.7 مليار دولار. ويعود هذا التباين في الأرقام، في جزء منه، إلى تقصير الشركات القطرية في الوفاء بوعودها. على سبيل المثال، أعلنت شركة حصاد – الجهة المستثمرة الرائدة في القطاع الزراعي في الدوحة وأحد فروع جهاز قطر للاستثمار – عن خطط لاستثمار 500 مليون دولار في القطاع الزراعي التركي في أيلول/سبتمبر 2014، ثم رفعت الرقم إلى 650 مليون دولار في تشرين الأول/أكتوبر 2017، لكنها لم تبادر إلى تنفيذ أيٍّ من هذه المشاريع. كذلك تعهّدت قطر بتقديم 19 مليار دولار إضافية في تشرين الأول/أكتوبر 2017، لكنها لم تلتزم بوعدها، مايساهم في تغذية الشكوك التركية بشأن التعهد الأخير.

سواءً وفت قطر بوعدها أم لم تفعل، فإن الإعلان عن التعهد بتقديم 15 مليار دولار أتاح لتركيا تحقيق العديد من المنافع الفورية. على الصعيد السياسي، ساهم التعهد في تعزيز ثقة أنقرة بأنها ليست في صدد التعرض للعزلة الدولية، ما منح اندفاعة لجهودها الآيلة إلى ترسيخ علاقاتها مع البلدان التي من شأنها أن تُقدّم لها مساعدة إضافية في هذه الأزمة، مثل الصين والكويت وروسيا. ويسمح لها ذلك أيضاً بالتمسك بموقفها في مواجهة واشنطن في قضية القس أندرو برونسون على الرغم من الضغوط الاقتصادية التي تمارسها الولايات المتحدة. وعلى الصعيد الاقتصادي، ساهم الإعلان في تعزيز الثقة العامة، ما أدّى إلى ارتفاع قيمة الليرة التركية لتبلغ 5.75 مقابل الدولار، بعدما كانت قد سجّلت انخفاضاً قياسياً مع بلوغها 7.25 مقابل الدولار في الأسبوع السابق للإعلان.

غير أن الإجابة عن السؤال حول ما إذا كانت هذه الرزمة الاقتصادية قادرة على مساعدة تركيا على رفع تحدياتها الاقتصادية الراهنة، تتوقّف على عاملَين اثنين. العامل الأول مرتبط بالتضخم، فقد رفض أردوغان، حتى 13 أيلول/سبتمبر، السماح للبنك المركزي بزيادة أسعار الفوائد، وهو الإجراء المعهود من أجل إبقاء التضخم المرتفع تحت السيطرة. واعتبر في هذا الإطار أنه ينبغي إعطاء الأولوية للنمو الاقتصادي، وبغية تحقيق هذا الهدف، يجب أن تحافظ أسعار الفوائد على مستوى متدنٍّ جداً، ليتمكّن الأشخاص من الحصول على قروض غير مكلفة ويستمروا في الإنفاق عوضاً عن الادّخار. لكن بعدما أقدم البنك المركزي على زيادة أسعار الفوائد، شدّد أردوغان على أن الخطوة أظهرت استقلالية البنك المركزي فيما ظلّ مشكّكاً في الحجّة التي تعتبر أن زيادة أسعار الفوائد ستساعد تركيا على مكافحة التضخم. أما في ما يتعلق بالعامل الثاني، وفي حال حدوث تصعيد في الأزمة مع الولايات المتحدة – وهو أمر ممكن جداً على ضوء المحاولات التي يبذلها ترامب لحشد الدعم من الإنجيليين – فقد تواجه تركيا مزيداً من العقوبات الأميركية إذا لم يتم إخلاء سبيل برونسون نزولاً عند طلب البيت الأبيض.

في حال تجاهلت تركيا الحاجة إلى إصلاحات اقتصادية داخلية ملحّة، غالب الظن أنها ستسعى إلى الحصول على مساعدات مالية إضافية من الخارج كي تتمكن من أن تواجه بفاعلية مجموعة الأزمات الاقتصادية التي تتخبّط فيها. وعلى الرغم من أنه يُرجَّح أن تسعى أنقرة إلى الحصول على الاستثمارات والودائع من الصين والكويت وروسيا، إلا أنها ستستمر، في الأغلب، في التعويل على قطر لمساعدتها على تجاوز العاصفة الاقتصادية التي تفاقمت بفعل الأزمة في العلاقات التركية-الأميركية. سوف تظل أنقرة حريصة على توطيد علاقاتها مع حلفائها غير الغربيين كي توجّه رسالة إلى البيت الأبيض مفادها أن لديها خيارات أخرى. مما لا شك فيه أنه فيما تتعمق خطوط الانقسام في العالم السنّي – حيث تنظر قطر وتركيا باطراد إلى المحور السعودي-الإماراتي-المصري بأنه يشكّل تهديداً لهما – سوف يزداد التكافل بين البلدَين في الميادين السياسية والاقتصادية والأمنية. لكن يبقى أن نرى مقدار الضرر الذي يمكن أن يلحق بالتحالف بين البلدَين في حال نكثت الدوحة بوعودها.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

علي باكير محلل وباحث سياسي مقيم في أنقرة. جيورجيو كافييرو هو الرئيس التنفيذي لشركة Gulf State Analytics. لمتابعتهما عبر تويتر: AliBakeer@ و GiorgioCafiero@