أعلن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، في مقابلة تلفزيونية في 24 أيلول/سبتمبر، انتهاء سياسة التوافق في تونس قائلاً: "انتهى التوافق والعلاقة بيني وبين النهضة، بعدما اختاروا بناء علاقة أخرى مع [رئيس الوزراء] يوسف الشاهد". يُتوّج هذا الموقف "أزمة حكومية" تسلك منحى تصاعدياً منذ كانون الثاني/يناير الماضي، ويدقّ المسمار الأخير في نعش الائتلاف الحاكم الذي أنشئ بموجب اتفاق قرطاج في تموز/يوليو 2016.

بعد عامَين على تسلّم حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الشاهد مهامها، يُعتبَر نجاح أدائها ملتبساً وغير حاسم. على الرغم من تطبيق العديد من المشاريع الإصلاحية الاقتصادية والهادفة إلى مكافحة الفساد، إلا أن منتقدي الحكومة يشتكون من عدم إيجاد حلول للتحديات الكبرى التي تواجهها البلاد، لا بل من استفحال هذه التحديات في بعض الحالات. مع أن الائتلاف الحكومي لم يكن يوماً متماسكاً إلى درجة كبيرة، لقد تبدّلت الظروف التي مهّدت الطريق أمام إبرام اتفاق قرطاج، ما يعني استبعاد حدوث توقف مؤقت مشابه في الخلافات بين أطراف الحكومة.

في كانون الثاني/يناير 2018، أقدم حزب آفاق تونس وحزب مشروع تونس اللذان كانا من الموقّعين على اتفاق قرطاج، على التنصّل علناً من الاتفاق، مشيرَين إلى العجز الواضح لسياسة التوافق عن إطلاق مبادرات تشريعية رسمية. وفي آذار/مارس 2018، أنشأ الرئيس السبسي لجنة من الخبراء تتألف من ثمانية عشر عضواً من التنظيمات التي وقّعت على اتفاق قرطاج، وكانت مهمتها تتمثل بوضع خريطة طريق أوسع نطاقاً من أجل تعزيز التعاون بين الأفرقاء في الحكومة – على الرغم من أنه استمر في التشديد على أن "تغيير الحكومة والنقاش حول رئيس الوزراء ليسا مطروحَين على جدول الأعمال". في 28 أيار/مايو، بعيد أول انتخابات محلية حرة ونزيهة في تونس، وبعد شهرَين من العمل، قدّمت لجنة الخبراء مسوّدة اتفاق جديد عُرِفت باتفاق قرطاج الثاني، مع أنه يختلف في الشكل والمضمون عن الاتفاق الأول. كان الاتفاق عبارة، في شكل أساسي، عن خطة عمل كي يتابع الائتلاف الحكومي الراهن أداء مهامه بانتظار الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة المرتقب إجراؤها في أواخر العام 2019. اقترحت المسوّدة، التي لم يتم الكشف عنها بعد إلى الملأ، أربع فئات من الإصلاحات – اقتصادية واجتماعية وسياسية وإدارية – وتضمّنت مطالبة بإجراء تغيير حكومي شامل يؤدّي إلى عزل يوسف الشاهد من منصب رئاسة الوزراء.

بيد أن بعض أعضاء النهضة اعترضوا على عزل الشاهد، ورفض الأب المؤسس وزعيم الحزب راشد الغنوشي الاتفاق، مشيراً إلى أنه "ليس بإمكان البلاد تحمُّل عزل كامل للحكومة". فردّ السبسي بتعليق المفاوضات، وطالب باستقالة الشاهد، وعقدَ جلسة خاصة بين الأفرقاء الأساسيين في اتفاق قرطاج الثاني، وكانت الذروة مع المقابلة التي أجراها في 24 أيلول/سبتمبر، والتي كانت بمثابة إعلان لانتهاء سياسة التوافق رسمياً.

قد تبدو هذه النهاية المريرة لحكومة الوحدة الوطنية غير مفاجئة. إنما يبدو واضحاً من خطاب السبسي أن هناك تمييزاً بين السياسة الرسمية وأبعادها الرمزية. في ما يتعلق بالسياسة الرسمية، يجد الرئيس نفسه في مواجهة تطلّعَين أساسيين: إجراء تغيير حكومي واسع النطاق يشمل عزل الشاهد، ونظراً إلى الفرصة التي يتيحها دفاع النهضة عن الشاهد، الخروج تماماً من سياسة التوافق الرسمية، الأمر الذي من شأنه أن يُسقط اتفاقَي قرطاج الأول والثاني. بيد أن الرئيس أدلى أيضاً بتصريحات تؤشّر إلى أن الحكومة سوف تحافظ على مفهوم أساسي من الوحدة الوطنية. فقد قال في المقابلة في 24 أيلول/سبتمبر: "ليست هناك إمكانية لخروج تونس من أزماتها المتنوعة من دون حكومة وحدة وطنية"، وشدّد على رؤيته هذه مطلقاً شعار: "مصلحة الوطن قبل الأحزاب". 

أما نداء تونس فيخشى، من جهته، على بقائه كفريق سياسي. إنه بحاجة إلى إجراء تغييرات سريعة كي يتجنّب تراجعاً إضافياً في التأييد الشعبي له، وفق ما ظهر في أدائه في الانتخابات البلدية في أيار/مايو 2018. علاوةً على ذلك، يُبدي نداء تونس قلقه من تسبُّب الضغوط السياسية الداخلية بإضعاف الحزب، لا سيما وأن الرئيس السبسي تدخّل بصورة مطردة في السياسة الحزبية خلال العامَين المنصرمين، خصوصاً في الأشهر الماضية. على المستوى الاستراتيجي، يعود تدخّل السبسي المتواصل في السياسة الحزبية إلى مكانته، فهو الأب المؤسس لنداء تونس وأحد المهندسين الأساسيين لسياسة التوافق. وعلى الرغم من قيامه بتعيين يوسف الشاهد رئيساً للوزراء، إلا أنه يدعم نجله حافظ قائد السبسي الذي هو الزعيم الحالي للحزب. وقد أقدم الرئيس السبسي على ذلك، على الرغم من أن استطلاعات الرأي المعبِّرة عن اتجاهات الرأي العام تُظهر أن الشاهد هو من السياسيين الأكثر شعبية في البلاد، على النقيض تماماً من نجل الرئيس الذي لا يتمتع مطلقاً بالشعبية.

وقد دفع ذلك بعدد كبير من النواب إلى الانسحاب من كتلة نداء تونس في مجلس النواب. في آب/أغسطس 2016، كانت كتلة نداء تونس النيابية تضم 86 نائباً، وقد غادر 40 إلى 50 منهم الكتلة، ويواصل مزيد من النواب الانسحاب منها، حتى إن بعضهم استقال من الحزب. اللافت هو أن أكثرية النواب الذين غادروا الكتلة البرلمانية انضموا إلى كتلة الائتلاف الوطني الجديدة التي أنشأها، في 27 آب/أغسطس، النائب السابق في نداء تونس، مصطفى بن أحمد، والتي تحالفت رسمياً مع حكومة الشاهد. بيد أن نداء تونس اندمج مع الاتحاد الوطني الحر في 14 تشرين الأول/أكتوبر، ما ساهم جزئياً في تحسين أرقامه المتراجعة، ومكانته في البرلمان. يضم هذا التكتّل 53 نائباً، متفوِّقاً بذلك على الائتلاف الوطني الذي ينضوي في صفوفه 51 نائباً، مع العلم بأن الاثنَين لا يزالان دون عدد نوّاب النهضة الذي يصل إلى 68 نائباً.

خلافاً لنداء تونس، يصر النهضة على مواصلة العمل بسياسة الوحدة الوطنية وعلى أهمية أن تكون هناك حكومة مستقرة. لذلك يعتبر النهضة أنه من غير الملائم إجراء تعديل حكومي شامل. فالحزب الذي هو الخصم السياسي الأساسي لنداء تونس، يحصد منافع سياسية عدّة من التسوية النخبوية الرسمية. أولاً، يستمر النهضة في التأثير بطريقة غير مباشرة في الانقسام الحالي داخل نداء تونس عن طريق دفاع الغنوشي العلني عن الشاهد. غير أن ذلك تسبب بظهور سجالات داخلية في صفوف قياديّي النهضة الذين شدّدوا على أن الدفاع عن الشاهد تسبب بتدهور العلاقات مع السبسي، بما يتعارض مع القرارات التي اتُّخِذت في أيار/مايو 2016 خلال المؤتمر العاشر للحزب، والتي اعتبرت أنه يجب الحفاظ على التضامن السياسي مع الرئيس وعلى الالتزام بسياسة التوافق. لعله السبب الذي يدفع بالنهضة إلى التأكيد بصورة مستمرة أنه لا تزال تجمعه علاقة جيدة جداً بالرئيس، على الرغم من الاختلافات في الآراء.

ثانياً، يحتاج النهضة إلى إطار التوافق الرسمي كي يضمن وجوده في وجه أي تحديات قانونية على مشارف انتخابات 2019 – وفي هذا الصدد، يتوجّس في شكل أساسي من مواجهة المصير نفسه الذي لقيه الإخوان المسلمون في مصر في العام 2013. في غضون ذلك، يبدو أن موقف النهضة في الحكومة الراهنة يعود بثماره. يمتلك الحزب الكتلة النيابية الأكبر، لكن بوصفه شريكاً صغيراً في ائتلاف حكومي يسيطر عليه نداء تونس، لا يجوز تحميله لوحده مسؤولية سياسات الائتلاف  - كما حصل بين العامَين 2011 و2014، وألحقَ ضرراً به. وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة، يبدو أن النهضة يرسّخ جاذبيته الشعبية في مختلف أنحاء البلاد، مع فوزه بالعدد الأكبر من الأصوات في الانتخابات البلدية في أيار/مايو 2018.

في نهاية المطاف، هذه "الأزمة الحكومية" محدودة لا تُهدّد أساس الديمقراطية التونسية الناشئة. بدلاً من ذلك، يؤشّر مسار الأحداث إلى أن المصدر الأساسي للانقسام هو السؤال إذا كان يجب مواصلة سياسة التوافق المرتبطة بمصير يوسف الشاهد. أما النموذج السياسي السابق المتمثل بالوحدة الوطنية – أي تطبيق سياسات تعود بالفائدة على جميع التونسيين – فبقي إلى حد كبير بمنأى عن التأثيرات. ويعود ذلك إلى أن الرئيس السبسي ونداء تونس، وهما المعارِضان الأساسيان للسياسة الراهنة، يريدان فصل رمزية "الوحدة الوطنية" عن سياسة التوافق الرسمية بغية تطوير سياساتهم الخاصة وتطبيقها.

على مشارف الانتخابات البرلمانية والرئاسية في العام 2019، يواجه الرئيس والأحزاب التحدي المزدوج المتمثل بالإيحاء بأنهم أكثر استقلالية ويمتلكون لغة وبرامج سياسية متمايزة، فيما يتجنّبون في الوقت نفسه استفحال النزاع السياسي. عليهم الآن أن يُحرروا أنفسهم من الحاجة إلى التسوية السياسية، فمن شأن ذلك أن يعزز قدرتهم على التحرك. واقع الحال أن ذلك كله يمكن اعتباره عملية لـ"تطبيع الأوضاع"، فالتوافق لا يكون فاعلاً إلا عندما يشتمل على نقاشات حرّة حول الآراء المتباينة، بدلاً من أن يكون مفروضاً من فوق. نتيجةً لذلك، من شأن تحويل البرنامج الأساسي للأعوام الأخيرة – تحقيق الإجماع الوطني عن طريق التوافق – إلى منافسة بين الأحزاب أن يساهم في تجديد عملية النقاش التي هي جزء لا يتجزأ من السياسة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

يوليوس ديستلهوف زميل بحثي في قسم السياسة في مركز دراسات الشرق الأدنى والأوسط في جامعة فيليبس في ماربورغ، ألمانيا.