تمكّن عادل عبد المهدي – الذي سبق أن تولّى وزارتَي المال والنفط وكان نائباً للرئيس العراقي – من الحصول بشق النفس على تصويت بالثقة لمصلحة ثلثَي أعضاء حكومته في 25 تشرين الأول/أكتوبر المنصرم. عبد المهدي خبير اقتصادي تلقّي تحصيله العلمي في الغرب وعضو سابق في المجلس الإسلامي الأعلى العراقي، وهو حزب إسلامي شيعي، وقد تمت تسميته رئيساً للوزراء في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر، لكنه كاد يفشل في إطلاق حكومته التي ستواجه ضغوطاً من العراقيين المصابين بالغضب والإحباط بسبب الإخفاقات المتتالية على مر السنين في تأمين الخدمات الأمنية والعامة.

يعود الضعف الذي تعاني منه حكومة عبد المهدي، إلى الطريقة التي انتُخِب بها رئيساً للوزراء. فبعد استقالته من وزارة النفط في العام 2016، غادر المجلس الإسلامي الأعلى العراقي وأصبح شخصية مستقلة، ولم يترشّح في الانتخابات النيابية التي أجريت في أيار/مايو 2018. لكنه نشر مقالاً عبر فايسبوك، في 23 أيار/مايو، أشار فيه إلى أنه لا يستطيع أن يكون رئيساً للوزراء لأن جميع الإصلاحات التي يرغب في تنفيذها سوف تلقى معارضةً من أطراف كثيرة. وشملت هذه الإصلاحات تغييرات واسعة مثل التخلي عن الدولة الريعية، وتعزيز مؤسسات الدولة وجعلها بمنأى عن التأثير السياسي، وكبح النشاط الميليشياوي غير القانوني، والحد من تأثير العشائرية.

انسجمت هذه اللهجة جيداً مع الرؤية الخطابية للإمام الشيعي الشعبوي مقتدى الصدر الذي لطالما ربط نفسه بهذه المواضيع. لقد انشغلت الطبقة السياسية، في الجزء الأكبر من الصيف، بالصراع على خلفية المجهود الذي بذله حيدر العبادي للفوز بولاية ثانية. لكن بعدما أفضت تداعيات أزمة تسمّم المياه على نطاق واسع في البصرة إلى القضاء على آمال العبادي في أيلول/سبتمبر، سارع الصدر إلى دعم عبد المهدي للحلول مكانه، وأقدم برهم صالح، فور انتخابه رئيساً للبلاد في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر، على تسمية هذا الأخير لرئاسة الحكومة العتيدة. وبعد يومَين، أعرب الصدر عن دعم مشروط لعبد المهدي معلناً أنه يمنحه "مهلة عام لإثبات نجاحاته"، ما يتيح للصدر خيار تبنّي الفضل لنفسه في نجاح الحكومة في حال كان أداؤها جيداً، أو الانقلاب ضدها العام المقبل في حال اندلعت من جديد احتجاجات حاشدة ضد رداءة الخدمات العامة.

هذا فضلاً عن أن الائتلاف الذي سمّى عبد المهدي لرئاسة الحكومة كان ملتبس المعالم ومتصدّعاً. فعلى الرغم من أن الصدر كان المحرّك خلف تسميته، إلا أن الشخصية الوحيدة التي ترشحت في الانتخابات وكانت موافقتها أساسية لوصول عبد المهدي إلى رئاسة الوزراء هو هادي العامري، قائد منظمة بدر ورئيس تحالف الفتح الذي فاز بـ48 مقعداً ليصبح ثاني أكبر كتلة في البرلمان بعد تحالف سائرون بزعامة الصدر الذي نال 54 مقعداً. كانت الصورة مبهمة جداً إلى درجة أنه اختلطت الأمور على الصحافيين العراقيين الذين لم يتبيّن لهم بوضوح ما هي الكتل التي سمّت عبد المهدي لرئاسة الوزراء.

كما أن الصدر والعامري، الخصمَين السياسيين اللذين يمتلكان رؤيتَين مختلفتَين تماماً، لم يتفقا مطلقاً على برنامج محدد في السياسات، أو حتى على وسيلة لاختيار الوزراء، فقد منح تحالف سائرون عبد المهدي حرية تصرف كاملة لتسمية حصة التحالف من الوزراء، في حين أصر تحالف الفتح بقيادة العامري على تعيين وزرائه بنفسه. علاوةً على ذلك، أجرى عبد المهدي مفاوضات ثنائية منفصلة حول الحقائب الوزارية مع ائتلاف دولة القانون بقيادة نوري المالكي وتحالف المحور الوطني العربي السنّي على الرغم من أن كلَيهما كانا تقنياً جزءاً من كتلة البناء بقيادة العامري. غالب الظن أن الطرفَين كانا ليعمدا إلى تعطيل الموافقة على الحكومة لو لم يتم التوصل إلى اتفاقات معهما. يسلّط هذا الوضع الضوء أيضاً على افتقار عبد المهدي إلى ائتلاف موحّد، فالاتفاقات الثنائية التي أبرمها مع الأفرقاء لا تساهم مطلقاً في تعزيز أواصر اللحمة بينهم بغية تشكيل أكثرية فاعلة قادرة على إقرار التشريعات أو الموافقة على التعيينات التنفيذية.

أصبح غياب الائتلاف الحقيقي خلف الحكومة الجديدة واضحاً للعيان عندما عقدَ مجلس النواب جلسة للموافقة على التشكيلة الحكومية المقترحة في 24 تشرين الأول/أكتوبر. وكان عبد المهدي على موعد مع انطلاقة متعثّرة في الكلمة التي عرض فيها برنامج حكومته، إذ اكتفى بالإشارة بطريقة عابرة إلى مطالب النواب العرب السنّة، مثل إعادة الإعمار وعودة النازحين إلى المحافظات السنّية، ما دفع برئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي إلى تقديم اقتراح بإدراج قائمة بالمطالب السنّية في نص البرنامج الحكومي الذي كان عبد المهدي قد أعدّه مسبقاً، وأجرى تصويتاً للموافقة على اقتراحه قبل استكمال الجلسة للنظر في تعيين الوزراء.

وعندما أعلن الحبلوسي بدء التصويت للموافقة على الوزراء، أبدت كتلة سائرون، التي يُقال إنها الداعم الأكبر للحبلوسي، اعتراضها على العديد من الأسماء المطروحة لتسلّم حقائب وزارية والمنتمية إلى كتل أخرى، وبينهم زعيم ميليشيا الحشد المنتهية ولايته، فالح الفياض، الذي تمت تسميته لوزارة الداخلية. وزعم أعضاء كتلة سائرون أن بعض المرشحين لتسلم مناصب وزارية كانوا أعضاء سابقين في حزب البعث وأن مرشحين آخرين يواجهون تهماً بالفساد أو غيرها من التهم الجنائية، وبالتالي لا يستطيع البرلمان أن يمضي قدماً بتثبيت تعيينهم في مناصبهم. المشكلة هي أن عبد المهدي تفاوض على التعيينات الوزارية ثنائياً مع كل واحدة من الكتل، ولم يكشف لها عن أسماء الأشخاص الذين اختارهم لتشكيلته الحكومية إلا قبل نحو خمس ساعات من الجلسة البرلمانية.

توجّهَ النواب المشاركون في الجلسة إلى استراحة كان يُفترَض أن تستمر لثلاثين دقيقة، لكنها دامت لوقت أطول بكثير، وبدا نحو منتصف الليل أن عبد المهدي سيصاب بالإخفاق. ثم توصّل قادة الكتل إلى تسوية قضت بالموافقة على 14 وزيراً فقط من أصل 21 اسماً مقترحاً في التشكيلة الأساسية. ومن أبرز الأشخاص الذين تم تثبيت تعيينهم وزير الخارجية محمد علي الحكيم، ووزير النفط ثامر الغضبان، ووزير المالية فؤاد حسين، ووزير الكهرباء لؤي الخطيب. وقد جرى التصويت شفوياً على جميع الأسماء المطروحة للتوزير، وبعد الموافقة على أكثرية الوزراء، أدّى عبد المهدي قسم اليمين صبيحة 25 تشرين الأول/أكتوبر. إنما من المناصب الوزارية المهمة التي بقيت شاغرة حقائب الداخلية والدفاع والعدل.

إشارة إلى أن تحالف الفتح الذي يصطف إلى جانب إيران حصل مع حلفائه السنّة على بعض الوزارات الأقل شأناً، وبالتالي لم يخرجوا صفر اليدَين. إنما فشلوا في تحقيق هدفهم الأكثر أهمية، وهو تثبيت تعيين الفياض وزيراً للداخلية. كذلك لم يتمكّنوا من الحصول على تعيين أسماء سليم صادق، وهي شخصية غير معروفة يتولّى أشقاؤها رئاسة كتائب بابل الكلدانية، وزيرة للعدل. وعبر رفض تعيينها، بقي المنصب شاغراً، كما أُقصيَت المرأة من الحكومة. أما الفائز الأكبر فكان الصدر لأنه أظهر أن كتلته تمكّنت من فرض فيتو على رئيس الوزراء ومنعت انتخاب الوزراء المنضوين إلى جانب تحالف الفتح والذين أبدى معارضة شديدة لتسميتهم.

لا يزال المجهود الذي يبذله عبد المهدي لملء المناصب الشاغرة في حكومته يلقى مقاومة. كان من المقرر أن يصوّت البرلمان على أسماء جديدة مطروحة للتوزير في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر، لكن على الرغم من التوقعات بأنه سيتم على الأقل إقرار تعيين عدد قليل منهم، إلا أن مجلس النواب لم ينظر في أي من الأسماء المطروحة ولم يُحدّد حتى الآن موعداً لعقد جلسة جديدة للتصويت على المرشحين لتسلّم حقائب وزارية. بالإضافة إلى ذلك، تشير تقارير إلى أن اثنَين إلى أربعة من الوزراء الـ14 الذين تمت الموافقة على تعيينهم في 25 تشرين الأول/أكتوبر يواجهون تهديدات وشيكة بالعزل من مناصبهم، على خلفية اتهامات لهم بالفساد في قضايا لم تتم تسويتها بعد، وبانتمائهم سابقاً إلى حزب البعث، وحتى اتهام وزير الرياضة أحمد العبيدي بأنه مطلوب في جريمة ارتُكِبت في العام 2004.

يواجه عبد المهدي، في غياب ائتلاف قوي داعمٍ له، أزمته السياسية الأولى على خلفية إقرار موازنة 2019. فقد طرح نسخة معدّلة عن الموازنة التي أعدّها وزير المالية المنتهية ولايته، وعرضها على مجلس النواب في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر على الرغم من الاعتراضات من النواب العرب السنّة والأكراد. وقد تركّزت الانتقادات السنّية على التفاوت الكبير في الإنفاق الرأسمالي بين المحافظات ذات الأكثرية الشيعية والمحافظات ذات الأكثرية السنّية التي كانت تتلقى تقليدياً المبالغ نفسها عند احتساب المعدل للفرد. خلال الجلسة، وبدلاً من إجراء "قراءة أولية" رسمية لمشروع القانون على أن يتبعها نقاشٌ، شنّ النواب هجوماً كلامياً مسهباً على امتداد ساعتَين وجّهت خلالهما جميع الكتل الكبرى، لا سيما السنّة إنما أيضاً الصدريون، انتقادات لاذعة لمشروع القانون الذي اعتبرته غير مناسب. وقد صوّت البرلمان على انتظار الحكومة للموافقة على التعديلات قبل المضي قدماً في النظر في مشروع القانون.

في وقتٍ يحتاج فيه العراق إلى حكومة قوية تملك برنامجاً واضحاً في السياسات من أجل رفع التحديات التي تواجهها البلاد، يتخبط رئيس الوزراء الجديد في الصعوبات. ففي غياب التفويض الشعبي والائتلاف المستقر، يبدو أن عبد المهدي سيواجه معركة شاقّة كلما أراد الحصول على الموافقة لإقرار تشريع ما أو تعيين شخص ما.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

كيرك سويل مالِك الشركة الاستشارية حول المخاطر Utica Risk Services التي يتركّز عملها على منطقة الشرق الأوسط. لمتابعته عبر تويتر uticarisk@