في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، لقي ما لا يقل عن سبعة مسيحيين مصريين مصرعهم بإطلاق النار عليهم، وأصيب 17 آخرين بجروح في هجوم على حافلة صغيرة أثناء مغادرتها دير الأنبا صموئيل المعترِف حيث كان الركّاب يحضرون مراسم عماد، في محافظة المنيا جنوب البلاد. وقد أعلنت الدولة الإسلامية على الفور مسؤوليتها عن الهجوم، تماماً كما تبنّت المسؤولية عن الهجوم الذي أودى بحياة 28 مسيحياً مصرياً بإطلاق النار عليهم في المكان نفسه في 26 أيار/مايو 2017. سرعان ما انتشرت مقاطع الفيديو والصور الحيّة التي التقطها الرهبان وزوّار الدير، وظهر فيها القتلى من رجال ونساء وأطفال، عبر مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، بعد أقل من ساعة من وقوع الهجوم. غير أن وسائل الإعلام الخاصة والمملوكة من الدولة التزمت الصمت، وتركت المصريين في حالة من التعتيم طوال ساعات، فيما كانت تنتظر التعليمات حول كيفية تغطية الخبر. في حين أن هذه الواقعة تندرج في إطار السياسة التي تنتهجها الدولة والتي تقوم على استخدام وسائل الإعلام لدعم المعنويات العامة، إلا أنه من شأنها أن تؤدّي إلى تداعي الثقة بقدرة الدولة على توفير الأمن، وحتى إلى تقويض دعم المسيحيين للرئيس عبد الفتاح السيسي.

منذ تسلّم السيسي سدّة الرئاسة في حزيران/يونيو 2014، شدّد على أن دور الإعلام هو دعم الدولة، سواءً في معركتها ضد التنظيمات الإرهابية أو في سياساتها الاقتصادية والإنمائية. وفي أعقاب الهجوم على الكنيسة البطرسية في القاهرة في 11 كانون الأول/ديسمبر 2016، والذي أودى بحياة 25 شخصاً، انتقد أيضاً وسائل الإعلام لإقدامها على نشر صور لضحايا الإرهاب والفجيعة التي ألمّت بأنسبائهم، زاعماً أن هذه الممارسات منحت المجموعات الإرهابية شعوراً بالنصر.

ينعكس هذا التفكير أيضاً في القانون المصري. فعلى سبيل المثال، يفرض قانون مكافحة الإرهاب لعام 2015، غرامات طائلة تتراوح من 200000 إلى 500000 جنيه مصري (11000 إلى 28000 دولار أميركي) على الصحافيين الذين يُعدّون تقارير عن الأعمال الإرهابية يتعارض مضمونها مع البيانات الرسمية. يفرض ذلك، في شكل أساسي، على وسائل الإعلام، الامتناع عن نشر أخبار وتقارير عن هذه الحوادث بانتظار أن تُصدر وزارة الداخلية أو وزارة الدفاع بياناً رسمياً، بما يُتيح للدولة التعتيم على بعض الهجمات والتحكّم بالسردية في هجمات أخرى. قال محرّر رفيع المستوى في صحيفة خاصة: "تلقّينا أوامر واضحة بعدم نشر أي معلومات عن الهجوم، أو حتى بيانات تعزية ما عدا تلك التي تتداولها وكالة أنباء الشرق الأوسط (المملوكة من الدولة)".1 لقد درجت العادة أن يُصدر الرئيس أو الاستخبارات العامة أو وزارة الداخلية أوامر للصحف والقنوات التلفزيونية حول ما يمكن نشره وما يجب الامتناع عن نشره. ولا يتعلق ذلك بالهجمات الإرهابية وحسب، إنما أيضاً بالأخبار الرئيسية الأخرى مثل مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في تركيا في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر الماضي.2 والنتيجة هي تراجع الثقة بالإعلام المحلي، لا سيما وأن جميع الصحف والقنوات التلفزيونية تقريباً – ومعظمها مملوك إما من الدولة وإما من رجال أعمال مقرّبين من الدولة – تكتفي فقط بنشر البيانات الرسمية.

لكن في الواقعة الأخيرة، كانت الخشية الأساسية لدى المسؤولين أن تؤثّر التغطية الإعلامية المكثّفة لاعتداء المنيا سلباً على تغطية منتدى شباب العالم الذي افتتحه السيسي في اليوم نفسه في منتجع شرم الشيخ الفخم على البحر الأحمر. يُفضّل السيسي، الذي نادراً ما يعقد مؤتمرات صحافية، أن يعبّر عن آرائه في مؤتمرات محكَمة التنظيم تُعرَف في وسائل الإعلام بـ"مؤتمرات الشباب"، حيث يلتقي شباناً وشابات يجري اختيارهم مسبقاً. العام الماضي، قرّرت الرئاسة المصرية توسيع المنتدى ليشمل شباباً من مختلف أنحاء العالم، ووُجِّهت دعوات إلى أكثر من 5000 شاب وشابة للمشاركة في المؤتمر السنوي الثاني على امتداد ثلاثة أيام، والذي اشتمل على عشرات ورش العمل التي تطرقت إلى الحوار بين الحضارات، ودور مواقع التواصل الاجتماعي، والاقتراحات الخلاّقة من أجل معالجة مشكلة البطالة.

عملت الدولة التي تسعى جاهدة لاستقطاب السياح من جديد، على تسويق منتدى شباب العالم طوال أسابيع، فقد رأت فيه فرصة كي تثبت للعالم أن الوضع الأمني تحسّن في البلاد، وأنه قُضي على تهديد الإرهاب بصورة شبه تامة. ولذلك كان اعتداء المنيا مصدر إحراج للأمن المصري. وعندما بدأت وسائل الإعلام المحلية وأخيراً نشر تقارير عن الاعتداء، ادّعى المحللون الموالون للحكومة على الفور أن الإرهابيين يسعون إلى إفساد فعاليات شرم الشيخ. بيد أن النقّاد أشاروا إلى أنه بالكاد حظي المؤتمر بأي تغطية إعلامية دولية في الأعوام السابقة، ولذلك من المستبعد أن يكون هدفاً أساسياً للمجموعات الإرهابية. في المقابل، يشنّ تنظيم الدولة الإسلامية هجمات بصورة منتظمة على المسيحيين في مصر منذ أواخر العام 2016، عبر إرسال انتحاريين إلى كنائس مكتظّة في القاهرة والإسكندرية وطنطا في أواخر 2016 و2017.

فيما كان المسيحيون في مصر يعبّرون عن الأسى على ضحايا العنف الإرهابي الأخير، تساءل مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي إذا كان الرئيس السيسي سيعلن الحداد تكريماً للضحايا. بيد أن لامبالاة المسؤولين المشارِكين في مؤتمر شرم الشيخ صبّت الزيت على النار. فبدلاً من الحديث عن الهجوم، انهكمت القنوات الموالية للحكومة بتغطية افتتاح مؤتمر شرم الشيخ. وطُلِب من الصحف الامتناع عن نشر صور أفراد عائلات الضحايا المفجوعين، خشية أن يتسبب بذلك بتعكير أجواء الاحتفالات الرسمية في منتدى الشباب.3 وعلى امتداد الأيام الثلاثة للمؤتمر، خُصِّصت عناوين الصفحات الأولى لتسليط الضوء على تصريحات السيسي التي حذّر فيها من التأثيرات الخطيرة لمواقع التواصل الاجتماعي – في إشارة على الأرجح إلى التعليقات عن اعتداء المنيا التي انتشرت على نطاق واسع – والتي زعم أنها تولّد "انطباعات خاطئة" تقود إلى الثورة من دون تقدير العواقب، مثلما حدث في الربيع العربي.

بيد أن أكثر ما أثار غضب الأقلية المسيحية في البلاد – ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي الذين ينتقدون الرئيس المصري – كان البيان الرسمي الذي صدر عن وزارة الداخلية بعد ساعات من الهجوم. فقد ألقى البيان باللائمة، في شكل أساسي، على الضحايا، زاعِماً أن الزوّار "يسلكون طريقاً خلفياً للوصول إلى الدير، ومضيفاً أن الطريق الرئيسي المؤدّي إلى الدير أُغلِق بناءً على تعليمات أمنية بسبب الخطر في الجزء الغربي من المحافظة، حيث يقع الدير، وغياب شبكات التواصل في الجوار". وقد بثّت قنوات فضائية عربية، مثل "بي بي سي" العربية و"فرانس 24" و"الجزيرة"، والقنوات الموالية للإخوان المسلمين التي تتخذ من تركيا مقراً لها، شكاوى لاذعة عبّر عنها أقرباء الضحايا الذين سقطوا في هجوم المنيا، محمّلين الإخفاق الأمني مسؤولية وقوع الاعتداء. ولفتوا في هذا الإطار إلى أنه بعد المجزرة الأولى التي أودت بحياة 29 مسيحياً في أيار/مايو 2017، استؤنِفت الزيارات إلى دير الأنبا صموئيل بعد أيام قليلة، ولم يكن هناك أي وجود أمني على مقربة من الدير. وعلى الرغم من أن الطريق الصحراوي المؤدّي إلى المكان المنعزل مظلم وغير معبَّد، إلا أنه لا وجود لما يُسمّى بـ"الطريق الخلفي".

أصدرت وزارة الداخلية بياناً ثانياً في اليوم التالي زعمت فيه أن القوى الأمنية تمكّنت من قتل الإرهابيين الـ19 المشتبه بضلوعهم في الهجوم، ما أثار شكوكاً واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول المسؤولية الفعلية للأشخاص الذين لقوا مصرعهم. وتساءل كثر: إذا كانت القوى الأمنية فعّالة إلى هذه الدرجة في توقيف المرتكبين المزعومين بعد ساعات من حدوث الهجوم يوم الجمعة، فلماذا فشلت في الأصل في الحؤول دون وقوعه؟

تُظهر هذه الواقعة تراجع الثقة العامة بوسائل الإعلام المحلية، وبالمزاعم الرسمية بأن الدولة نجحت في إضعاف التنظيمات الإرهابية. ولعل النقطة الأهم في المدى الطويل، هي أنها أحيت من جديد مظالم المسيحيين الذين يعتبرون أن الدولة لا تبذل مجهوداً كافياً لحمايتهم. فالأقلية القبطية المسيحية في البلاد التي تتألف من نحو عشرة ملايين شخص، والتي يُنظَر إليها بأنها داعِمة أساسية لنظام السيسي، تتعرّض في شكل خاص للاستهداف من التنظيمات المتطرفة مثل الدولة الإسلامية. كذلك يحافظ السيسي على علاقات وثيقة مع البابا تواضروس الثاني، بطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ويزور سنوياً الكاتدرائية القبطية في القاهرة لمناسبة عيد الميلاد، في خطوة لم يسبقه إليها أسلافه. وأصدر أيضاً أوامر إلى الجيش المصري بإعادة بناء جميع الكنائس التي احترقت خلال الاضطرابات التي أعقبت عزل الرئيس السابق محمد مرسي على يد الجيش في تموز/يوليو 2013.

بيد أن الهجمات الإرهابية المتكررة ضد المسيحيين أفضت إلى ممارسة ضغوط على البابا وقادة الكنيسة القبطية من أجل التخفيف من مديحهم المتكرر للسيسي. فقد تعرّض البابا وكبار معاونيه، مثلاً، للانتقادات بسبب إصدارهم أوامر إلى الأقباط الذين يعيشون في الولايات المتحدة بالجلوس في الصفوف الأمامية خلال جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تنعقد سنوياً في نيويورك، كي تتسنّى لهم فرصة إلقاء التحية على السيسي. حتى قبل الهجوم الأخير، وعلى الرغم من الآمال التي علّقوها في البداية على تحسّن أحوالهم في عهد السيسي، يشتكي عدد كبير من المسيحيين في مصر، بصورة مطّردة، من عدم إيجاد حلول لمظالمهم المستمرة منذ وقت طويل على خلفية التمييز الذي يتعرضون له، أو عدم مراعاة حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية بحرية. عندما بدأ الأنبا مكاريوس، أسقف عام المنيا، الذي ترأس مراسم تشييع الضحايا في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، بالتعبير عن مشاعر الامتنان التقليدية للحكومة والمسؤولين في وزارة الداخلية الذين قدّموا المساعدة بعد الهجوم، قاطعه الحاضرون بغضب هاتفين "لا، لا، لا".

في حين اعتُبِرت أكثرية المسيحيين في مصر من داعِمي السيسي في أعقاب إطاحة الإخوان المسلمين من الحكم قبل أكثر من خمسة أعوام، ينتقد مزيد من الأقباط اليوم النظام، مشيرين إلى أن المبادرات الرسمية على غرار زيارة الكاتدرائية في عيد الميلاد، ليست كافية. لقد أدّت الهجمات الإرهابية المتكررة ضد المسيحيين – فضلاً عن الاشتباكات المذهبية التي تقع أحياناً في قرى صغيرة جنوب البلاد، لا سيما عندما يحاول الأقباط بناء كنائس – إلى زعزعة العلاقات القوية بين الطرفَين. ولذلك، في حال مضى السيسي قدماً بإقرار التعديلات المحتملة والسجالية للدستور، بما يُتيح له مثلاً الترشح لولاية ثالثة، فربما لن تدعم الكنيسة القبطية والمسيحيون في مصر تلك الخطوة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

خالد داود نائب رئيس تحرير الأهرام الأسبوعي الصادر باللغة الإنكليزية، وأستاذ مساعد في مادة الصحافة في الجامعة الأميركية في القاهرة. لمتابعته عبر تويتر KDawoud@


1. مقابلة مع الكاتب، القاهرة، 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2018.
2. المرجع نفسه.
3. المرجع نفسه.