في السابع من تشرين الثاني/نوفمبر، أعلنت الحكومة المصرية، رداً على تضخم الدين العام، عن رزمة جديدة من الإجراءات التقشفية، بما في ذلك تحرير سعر الطحين المستخدَم في صناعة الخبز اعتباراً من الأول من كانون الثاني/يناير 2019، وزيادة ثمن تذاكر مترو القاهرة اعتباراً من كانون الأول/ديسمبر 2019، بعد زيادة مماثلة في التعرفة في أيار/مايو الماضي. يندرج ذلك في إطار سلسلة من الإجراءات غير الفعالة الهادفة إلى معالجة أزمة الديون المتضخّمة، فيما تواصل الحكومة تجنُّب الإصلاح البنيوي الضروري من أجل إيجاد حلول لأزمة الديون المتنامية.

أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن ديون البلاد الخارجية سجّلت مستوى مرتفعاً قياسياً وصل إلى 92.64 مليار دولار أميركي في حزيران/يونيو 2018، أي بزيادة 17 في المئة في غضون عامٍ واحد، لتبلغ نسبتها 36.8 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. يُضاف إلى ذلك ارتفاع الديون الداخلية التي بلغت 3.4 تريليونات جنيه مصري (190 مليار دولار) في أواخر العام 2017، أي بزيادة 12 في المئة بالمقارنة مع العام السابق. وهذه الزيادة السريعة في الديون تخطّت النمو في إجمالي الناتج المحلي، فقفز معدل الدين إلى إجمالي الناتج المحلي من 87.1 في المئة في العام 2013 إلى 101.2 في المئة بحلول أواخر العام 2017، الأمر الذي ألقى بأعباء شديدة على موازنة الدولة، ما يُفسّر الزيادة في الدفعات المخصصة لتسديد الفوائد، والتي بلغت نسبتها 31 في المئة من الموازنة السنوية في السنة المالية 2016-2017. وقد صرّح وزير المالية عمرو الجارحي أن الحكومة تهدف إلى خفض الدين العام إلى 80 في المئة من إجمالي الناتج المحلي بحلول العام 2020 عبر خفض عجز الموازنة وزيادة دخل الفرد – على الرغم من أنه لم يكشف عن تفاصيل الخطة الحكومية لتحقيق هذا الإنجاز. فنظراً إلى الأداء الراهن للاقتصاد المصري والضعف البنيوي المستمر الذي يعاني منه، يصعب أن نتصوّر كيف يمكن أن يتحقق هذا الهدف الطموح.

في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، أجرى المصرف المركزي خفوضات شديدة في سعر الجنيه المصري أملاً منه بأن يساهم ذلك في تحسين الأداء الاقتصادي المصري، لكنه تسبّب بتفاقم أزمة الديون. بيد أن نمو إجمالي الناتج المحلي لا يزال منخفضاً مع 4.1 في المئة فقط. وينعكس هذا الأداء البطيء في انخفاض مجموع الصادرات من 26 مليار دولار في السنة المالية 2013-2014 إلى 21.6 مليار دولار في السنة المالية 2016-2017. والمشهد نفسه يتكرر في القطاع السياحي، حيث بلغ إجمالي عدد السياح الذين زاروا مصر في الفترة 2016-2017، 6.6 ملايين شخص فقط، بعدما كان العدد 10.2 ملايين في 2014-2015.

غير أن جذور أزمة الديون تكمن في إدارة الجيش للاقتصاد السياسي المصري. لقد حصلت المؤسسات العسكرية على المساعدات من دول الخليج، واستدانت مبالغ طائلة من المؤسسات الخارجية لتوسيع بصمتها التجارية. واشتمل ذلك على استثمارات واسعة في مشاريع ضخمة غير منتِجة، أبرزها قناة السويس الجديدة التي بلغت كلفة بنائها 8 مليارات دولار، والعاصمة الإدارية التي يُتوقَّع أن تصل كلفتها إلى 300 مليار دولار. يُشكّل ارتفاع مستوى الدين العام فضلاً عن الأداء السيئ للاقتصاد المصري على صعيد الصادرات، مؤشّرَين عن عدم استعداد النظام للاستثمار في قطاعات من شأنها أن تقود إلى تحقيق عائدات أفضل بما يؤدّي فعلياً إلى خفض مستوى الديون وبناء قطاع صادرات تنافسي. كذلك أنفق الجيش مبالغ كبيرة على واردات الأسلحة التي ازدادت بنسبة 215 في المئة في 2013-2017 بالمقارنة مع 2008-2012، ما يجعل مصر ثالث أكبر دولة مستورِدة للأسلحة في العالم بعد الهند والسعودية.

وبدلاً من الاستثمار في تطوير قطاع خاص ديناميكي – لا سيما من أجل تعزيز السياحة وتطوير قاعدة تصنيعية راسخة لجعل الصادرات أكثر تنافسية – اختار النظام الاستثمار في زيادة ثروات النخب العسكرية. وقد ضرب، في شكل أساسي، عرض الحائط بمتطلبات الضرورة الاقتصادية لمصلحة ترسيخ الدعم للرئيس عبد الفتاح السيسي في أوساط كبار الضباط العسكريين. كذلك ألقى التوسع العسكري العدواني نحو القطاع الخاص، بضغوط شديدة على مجموعة من الصناعات، بدءاً من التعدين وصولاً إلى الغذاء، فالدعم الناشط الذي تقدّمه الدولة للشركات المملوكة من الجيش من خلال الإعفاءات الضريبية والإعانات الحكومية شكّل عائقاً شديداً أمام قدرة الشركات الأصغر حجماً على خوض المنافسة على قدم من المساواة.

حتى فيما كان الإنفاق العسكري يتسبب باستفحال أزمة الديون المتصاعدة، ركّز النظام على تأمين الأموال لهذا الإنفاق من خلال إطلاق حملة تقشّفية واسعة النطاق. وقد نقلت هذه السياسة العبء إلى كاهل الطبقتَين الوسطى والدنيا، من دون إيلاء الاعتبار الكافي للاضطرابات الاجتماعية التي قد تنجم عن ذلك. وخلال الأعوام القليلة الماضية، اشتملت هذه الإجراءات التقشفية على خفوضات في دعم الطاقة والكهرباء، وفرض ضريبة على القيمة المضافة، وزيادة أسعار تذاكر مترو القاهرة. تستمر هذه النزعة في الموازنة الراهنة، حيث 41.5 في المئة من العائدات الضريبية مصدرها الضرائب على القيمة المضافة، التي هي شكل رجعي من أشكال الضريبة يُلقي بعبء أكبر على كاهل الطبقتَين الدنيا والوسطى، وذلك بعدما كانت هذه الضريبة تؤمّن 34.5 في المئة من العائدات الضريبية في 2014-2015. على النقيض، تراجعت حصة العائدات الضريبية المستمدة من إيرادات الشركات، من 30.0 في المئة في 2014-2015 إلى 21.8 في المئة في الموازنة الراهنة.

تندرج الرزمة التقشفية الجديدة التي أُطلِقت في السابع من تشرين الثاني/نوفمبر في الإطار عينه، وكذلك الأمر بالنسبة إلى إعلان السيسي قبل يومَين بأن خمسة ملايين موظف حكومي لن يحصلوا على الزيادة السنوية المعهودة هذا العام. على الرغم من أنه لم يكن هناك رد فعل مباشر، إلا أن الضغوط المتراكمة قد تؤدّي إلى نقمة شعبية أوسع نطاقاً بسبب تدهور الظروف المعيشية. وازدادت تداعيات هذه السياسات حدّةً جراء التضخّم المستفحل الذي يُعتقَد أنه بلغ 20.9 في المئة في تشرين الأول/أكتوبر 2018، ما أثّر في شكل خاص في تكاليف السلع الغذائية الأساسية. فقد ازداد سعر الفول، الذي يشكّل غذاء أساسياً للأسر ذات الدخل المنخفض، من 14 جنيهاً مصرياً (0.78 دولار) للكيلوغرام الواحد في أيلول/سبتمبر 2018 إلى أكثر من 30 جنيهاً مصرياً (1.68 دولار) في تشرين الثاني/نوفمبر.

وما يزيد الوضع سوءاً تراجُع حظوظ مصر في الحصول على الدعم المالي من حلفائها في الخليج، على الرغم من تلقّيها مساعدات بمليارات الدولارات من هؤلاء الحلفاء خلال الأعوام القليلة الماضية. ومع أن السيسي وعدَ بالنهوض بدور ناشط في ضمان أمن دول الخليج، إلا أنه لم يفِ بتلك التعهدات. فمصر ليست مستعدة، على وجه الخصوص، لأداء دور أكثر بروزاً في دعم الأهداف الإقليمية السعودية، وفق ما كشفه امتناعها عن المشاركة في حرب اليمن. وعلى الرغم من مشاركتها في حصار قطر ومن قيامها بنقل جزيرتَي تيران وصنافير إلى السيادة السعودية، إلا أن المملكة توقّعت من مصر الاضطلاع بدور أكبر في دعم سياساتها.

في الجوهر، يبدو أن النظام اختار طريق الأسهل عبر الاستمرار في فرض إجراءات تقشفية جديدة، بدلاً من كسر حلقة الديون من خلال إجراء إصلاحات بنيوية عميقة في القطاع الخاص، الأمر الذي يمكن أن يحفّز النمو المستدام للحد من أزمة الديون. يمكن أن تشتمل هذه الإجراءات على خصخصة الشركات المملوكة من الجيش، وفرض ضرائب على أرباحها، والاستثمار أكثر في القطاع التربوي لتحسين جودة القوى العاملة، وتطبيق الضرائب التدريجية، وزيادة الحد الأدنى للأجور لتحفيز الطلب المحلي. لكن على ضوء تركيز النظام على تعزيز الدعم له في أوساط الجيش، غالب الظن أن الإجراءات الآنفة الذكر لن تسلك طريقها نحو التنفيذ.

في المدى القصير، سوف تتيح السياسة الراهنة للدولة زيادة إيراداتها فيما تساهم في ترسيخ التحالف بين النظام والجيش الذي يشكّل قاعدة الدعم الأساسية للنظام. لكن في المدى الطويل، غالب الظن أن الاحتجاجات ضد التقشف سوف تصبح أكثر تواتراً. فقد سبق أن اندلعت احتجاجات عفوية ضد الزيادة الأولى في سعر تذاكر مترو القاهرة في أيار/مايو الماضي. وعلى الرغم من أن النظام تمكّن، حتى تاريخه، من استخدام القمع الشديد للتعامل مع الاضطرابات، إلا أن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان وثّقت، في العام 2017، 505 احتجاجات اجتماعية وعمّالية، وغالب الظن أن العدد الحقيقي أكبر. يمكن أن تنحو هذه التظاهرات بسهولة نحو التصعيد بحيث تتسبب بتقويض اللحمة، داخل المؤسسة العسكرية، بين الضباط والمجنّدين الذين ينتمون إلى الطبقتَين الدنيا والوسطى – وعندئذٍ قد يُضطر النظام إلى السماح بهذا الانقسام، وإلا يجازف باستعداء قاعدته. إذا مضى النظام قدماً في مساره التقشفي، فقد يحمل ذلك احتمال تفكّك جهازه القمعي تحت وطأة التقشف والتوسع الاقتصادي للجيش بتحفيز من الديون.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

تصويب: ورد في نسخة سابقة من هذا المقال مجموع أعداد السياح الأوروبيين إلى مصر بدلاً من مجموع السياح من مختلف البلدان.​

ماجد مندور محلل سياسي وكاتب عمود Chronicles of the Arab Revolt عبر "أوبن ديمقراسي". لمتابعته عبر تويتر: MagedMandour@