في 16 كانون الثاني/يناير، قُتلوا 14 شخصاً في هجمة ارهابية على منبج – وبال رغم من أنّ مسؤولون من قوات سورية الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة أعلن قبل شهر انتهاء هجومهم في بلدة هجين، آخر المعاقل العسكرية التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في سورية. بيد أن التنظيم الإرهابي لا يزال يشنّ هجمات في محافظتَي الرقة ودير الزور في سورية، وحول كركوك في العراق، لا سيما في محافظتَي صلاح الدين وديالى وفي محيطهما. في البلدَين، بإمكان الدولة الإسلامية أن تستمر في الوقت الراهن عبر استغلال غياب الاستقرار والقانون داخل الأراضي المتنازع عليها مقروناً بالخصومات العربية-الكردية العميقة، والمظالم المحلية التي لم تلقَ معالجات، والأجندات الأمنية المتضاربة.

في حين أن التقارير لا تأتي على ذكر جميع الهجمات التي تقع في سورية والعراق، تبدو قدرة التنظيم على الصمود واضحة من خلال هجماته المستمرة في مختلف أرجاء وادي الفرات. في 13 كانون الأول/ديسمبر، كتب الموقع الإخباري الكردي "روداو" أنه في غضون شهر واحد فقط، شنّت الدولة الإسلامية أكثر من 143 هجوماً على قرى واقعة في منطقة خانقين العراقية المتنازع عليها، ما أرغم السكّان على مغادرة منازلهم. في اليوم التالي، أعلنت الشرطة الاتحادية العراقية أنها فكّكت 50 أداة متفجّرة مرتجلة في منطقة كركوك التي شهدت عودة نشاط الدولة الإسلامية. تعكس هذه التقارير زيادة ملحوظة في هجمات الدولة الإسلامية في منطقتَي كركوك وخانقين خلال العام المنصرم، واللتين تُعتبَران شديدتَي الهشاشة كونهما منطقتَين متنازع عليهما. لطالما طالبت حكومة إقليم كردستان بضم المنطقتَين اللتين تحتضنان عدداً كبيراً من الأكراد، مع العلم بأن بغداد تُعارض بشدّة السعي الكردي لضمّهما، لا سيما ضم كركوك الغنية بالنفط. في تشرين الأول/أكتوبر 2017، استخدمت الحكومة الاتحادية استفتاء الاستقلال الكردي ذريعةً لفرض سيطرتها من جديد على الأراضي المتنازع عليها بعدما كانت خاضعة للأحزاب الكردية، لكن ذلك أدّى إلى استفحال التشنّجات المحلية وولّد التباساً حول تحديد الجهة المسؤولة عن مسائل مثل الأمن المحلي. 

يمتلك عدد كبير من القوى الأمنية وجوداً في كركوك وخانقين، وهي تحديداً البشمركة الكردية، والشرطة الاتحادية العراقية، والجيش العراقي ووحدات مكافحة الإرهاب التابعة له، ووحدات الحشد الشعبي المثيرة للجدل، ما يُترجَم إطاراً أمنياً معقّداً حيث التنسيق ضئيل لأن الخصومات تُعطّل التواصل بين هذه المجموعات. قال مسؤول كبير في الجيش العراقي: "استطاعت الدولة الإسلامية أيضاً استغلال الخصومة بين بغداد وإربيل"، مضيفاً أن الأفرقاء المحليين يغضّون نظرهم عن نشاط الدولة الإسلامية عندما يسعون إلى ممارسة ضغوط على خصومهم.1 كما أن السكّان السنّة لا يثقون، في معظم الأحيان، بالقوى المحلية، لا سيما الشرطة الاتحادية ذات الأكثرية الشيعية وقوات الحشد الشعبي، وهم أقل استعداداً لإطلاعها على نشاط الدولة الإسلامية.

لا يزال التنظيم الإرهابي ناشطاً أيضاً في محافظتَي الرقة ودير الزور في سورية. فعلى الرغم من انسحاب مقاتلي الدولة الإسلامية من هجين في 14 كانون الأول/ديسمبر، لا تزال تُشَنّ هجمات بصورة منتظمة في الرقة.2 على سبيل المثال، ذكرت صفحة "الرقة تُذبح بصَمت" عبر موقع فايسبوك، في التاسع من كانون الثاني/يناير، أن تنظيم الدولة الإسلامية شنّ هجوماً على قاعة المحكمة في المدينة، وعلى قاعدة قوات سورية الديمقراطية في الرقة في العاشر من كانون الأول/ديسمبر. واستمرّ التنظيم أيضاً في تبنّي عمليات اغتيال، منها اغتيال الشيخ بشير فيصل الهويدي من عشيرة العفادلة – التي تُعتبَر من أكبر العشائر في شرق سورية – النافذة بإطلاق النار عليه في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر، فضلاً عن تفجير مقر حزب سورية المستقبل في 27 تشرين الثاني/نوفمبر، وهو حزب تابع للاتحاد الديمقراطي الكردي وقوات سورية الديمقراطية.

إلى جانب هذه الهجمات، يحول انعدام الثقة دون حدوث تعاونٍ واسع بين السكان الذين يتألفون بغالبيتهم من العرب والأجهزة الأمنية ذات الأكثرية الكردية، ما يُتيح مجالاً أكبر أمام الدولة الإسلامية للتحرك.3 يشتكي العرب المقيمون في الرقة مما يعتبرونه هيمنة كردية على الرقة ودير الزور.4 فعلى الرغم من أن المجلس المحلي لمدينة الرقة يقوده بصورة مشتركة رئيسٌ كردي وآخر عربي، لا يزال السكان المحليون يشعرون بأن الأكراد هم أصحاب اليد العليا في حكم المنطقة على نطاق أوسع. كذلك تسبّبت الروابط بين بعض الشخصيات العشائرية العربية والدولة الإسلامية في تفاقم انعدام الثقة بالعرب في أوساط القوى الأمنية الكردية.

يعتبر العديد من الأفرقاء المحليين والإقليميين أن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا الخاضعة لسيطرة الأكراد، وهي الذراع السياسي لقوات سورية الديمقراطية، تُشكّل تهديداً مباشراً. فقد اتّهمتها تركيا بامتلاك روابط مع حزب العمال الكردستاني – وعندما بات واضحاً أنه ستتم استعادة السيطرة على هجين من قبضة الدولة الإسلامية في 12 كانون الأول/ديسمبر، هدّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشنّ عملية فورية ضد هؤلاء "الإرهابيين" الأكراد شرق الفرات في سورية. لكن مع تداول الأنباء عن انسحاب أميركي محتمل، عمد أردوغان إلى إرجاء الهجوم إلى ما بعد انسحاب القوات الأميركية من المنطقة. وقد طلبت وحدات حماية الشعب في المنطقة المساعدة من الحكومة السورية في مواجهة توغّل تركي، فدخل الجيش السوري منبج في 28 كانون الأول/ديسمبر. منذ ذلك الوقت، تقدّمت القوات المدعومة من تركيا أيضاً باتجاه المدينة، ما أثار احتمالات اندلاع نزاع جديد للسيطرة على المنطقة.

غير أن نظام الرئيس السوري بشار الأسد يرفض أيضاً الاعتراف بالحكم الذاتي للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا التي يرى فيها تهديداً لسيادته على المنطقة الواقعة شمال شرق سورية. في آذار/مارس 2017، حذّر الأسد قوات سورية الديمقراطية من أنه لن يتردّد في اللجوء إلى القوة لاستعادة السيطرة على الأراضي الخاضعة لها. وفي حين أقرّ الأسد بأن هناك فسحةً للتفاوض، أضاف أنه في حال لم تنجح المفاوضات، "سوف نلجأ... إلى تحرير تلك المناطق بالقوة". من شأن اندلاع نزاع في المنطقة بين قوات سورية الديمقراطية من جهة والنظام السوري أو تركيا من جهة أخرى، أن يؤدّي إلى تحويل موارد قوات سورية الديمقراطية نحو النزاع بدلاً من استخدامها لمحاربة الدولة الإسلامية. علاوةً على ذلك، تشكّل الهجمات الجوية والأسلحة الأميركية والتنسيق مع الولايات المتحدة عوامل أساسية راهناً في المعركة ضد الدولة الإسلامية في دير الزور، كما أن الانسحاب للولايات المتحدة سيجعل قوات سورية الديمقراطية أكثر عرضةً للهجمات. حتى لو توصّل نظام الأسد إلى اتفاق للاعتراف بالفيدرالية الديمقراطية لشمال سورية، لا تمتلك هذه الأخيرة العديد البشري اللازم ولا الموارد المالية الكافية لطرد الدولة الإسلامية بنفسها.

ليست خلايا الدولة الإسلامية ناشطة في المنطقة وحسب، بل إن النظام يحاول أيضاً الدفع بالشخصيات العشائرية التي عملت مع الدولة الإسلامية نحو إجراء انعطافة في موقفها والاصطفاف إلى جانبه عبر قطع وعود لها بمنحها الحصانة.  إنها أجندة جديدة تُضاف إلى أجندات الأفرقاء الأمنيين المختلفين – ومنها قوات سورية الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة، والميليشيات الموالية للنظام والمدعومة من إيران – وتتسبب بتفاقم الفراغ الأمني في شمال شرق سورية.

هذه التحديات المنهجية في سورية والعراق سوف تساعد على استمرار التمرد الذي تخوضه الدولة الإسلامية في المدى المتوسط. وعلى الرغم من أنه ربما انحسر هذا التمرد، وبات يقتصر مجدداً، كما كان الحال في بداياته، على المستوى المحلي، إلا أن الانقسامات التي تتسبب بها المظالم الجيوسياسية والمحلية والإثنية المعقّدة تتيح له بصورة مستمرة فرصاً سانحة للنمو والازدهار. ومن شأن حدوث مزيد من التحولات الجيوسياسية – على غرار شنّ هجوم تركي على منبج أو انسحاب أميركي سريع بما يؤدّي إلى قطع المساعدات والأسلحة عن الحلفاء المحليين – أن يؤدّي إلى تعزيز موقع الدولة الإسلامية بصورة أكبر في هذه المناطق الحدودية.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

منى علمي زميلة غير مقيمة في المجلس الأطلنطي ولدى Trends Research and Advisory. لمتابعتها عبر تويتر: monaalami@


1. مقابلة عبر الهاتف مع مسؤول أمني، كانون الأول/ديسمبر 2018.
2. مقابلات مع أشخاص مقيمين في الرقة، أيلول/سبتمبر 2018.
3. مقابلة عبر الهاتف مع الناشط من دير الزور، الدكتور إياد الكرابة، كانون الأول/ديسمبر 2018.
4. مقابلات مع أشخاص مقيمين في الرقة، أيلول/سبتمبر 2018.
5. مقابلة مع الشيخ نور الذيب، الرقة، أيلول/سبتمبر 2018.