خلال الشهور الأخيرة، حمى وطيس حرب إعلامية حتى أصبحت شبه دائمة بين اليسار بأغلب فصائله وجزء من قطاع الإسلام السياسي في المغرب. شاركت في هذه الحرب شخصيات قيادية من الاتجاهَين كعبد الإله بنكيران الزعيم السابق للعدالة والتنمية ونبيلة منيب قائدة فيدرالية اليسار. تدور هذه المعارك الكلامية حول قضايا أُريدَ لها أن تشد انتباه الرأي العام.

وأهمها قضية الإعلامي توفيق بوعشرين. اعتُقِل الصحافي، وهومؤسس جريدة أخبار اليوم وكاتب معروف لافتتاحيات نارية منتقدة للسلطة، في 23 شباط/فبراير 2018 بتهمة الاتجار بالبشر والاغتصاب، وحُكِم عليه بـ12 سنة سجناً نافذاً في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. إلا أن جزءاً كبيراً من الرأي العام والمنظمات الحقوقية تضامن مع بوعشرين. فقد أدانت منظمة مراسلون بلاحدود ما جرى واعتبرته مشوباً بالغموض، واعتبرت لجنة حماية الصحفيين المتابعة استهدافاً سياسياً للصحافي. كما أن فريق العمل حول الاعتقال التعسفي التابع للأمم المتحدة اعتبر أن محاكمة بوعشرين التي عُقِدت أولى جلساتها يوم 8 آذار/مارس 2018 غير عادلة، وأن دوافعها سياسية.1 وطالب الفريق نفسه الحكومة بإطلاق سراحه فوراً وبجبر ضرره وفتح تحقيق حول ظروف اعتقاله واتخاذ الإجراءات اللازمة ضد مَن تسبب في اعتقاله.

مباشرةً بعد اعتقال بوعشرين، ادّعى عددٌ من وسائل الإعلام، على نطاق واسع، أن الصحافي يُسخّر قلمه لخدمة الإسلام السياسي وبالضبط لخدمة بنكيران. وتلى هذا تنابزٌ إعلامي بين اليسار والإسلاميين دام أشهراً طويلة رغم أن بوعشرين لم يكن حليفاً طيّعاً لبنكيران، فقد هاجمه بشدة عام 2011 نظراً لمعارضة زعيم العدالة والتنمية آنذاك لحراك الربيع المغربي الذي أيدته جريدة أخبار اليوم مما دفع بعض أنصار إلنظام الى تنظيم مظاهرة أمام مقر الجريدة التي حُرِقَت نسخٌ منها أثناء الاحتجاج.

ولما أصبح بنكيران رئيساً للحكومة، تابع بوعشرين انتقاده له من حينٍ لآخر. ففي مقال نشره يوم 23 أيار/مايو 2012، عاب بشدة على بنكيران عدم تأويله الدستور تأويلاً ديمقراطياً، ومن ذلك ترْك القرار كاملاً بين يدَي الملك معلِّلاً – أي بنكيران – ذلك بالدستور، فسخر منه بوعشرين سائلاً: "أي دستور هذا الذي تتحدث عنه يا سيد بنكيران؟ الدستور المكتوب أم غير المكتوب؟" في إشارة إلى التقاليد السياسية العتيقة للمخزن التي تجعل الجميع خاضعين للملك وباحثين عن رضاه أولاً وقبل كل شيء، إذ إنهم لايناقشون قراراته.

وفي 1 أيار/مايو 2012، كتب بوعشرين عن الموضوع نفسه، وهو عدم تشبّث بنكيران بصلاحياته الدستورية كرئيس للحكومة وتركيزه على بناء الثقة مع القصر: "على بنكيران أن يتجنب السقوط في أخطاء عبد الرحمان اليوسفي القاتلة، وأولها إفراطه في الجري خلف إرساء الثقة بين الحكومة والقصر إلى درجة فرّط معها في صلاحيات الحكومة"، أي صلاحيات رئيسها أساساً.

وفي عام 2013، لما ظهر أن بنكيران عاجز عن تحقيق أغلب الإصلاحات التي بنى حولها حملته الانتخابية التي جرت في ظل الربيع العربي، تكلم بوعشرين بمرارة عن ذلك، مؤكداً "أن جل مشاريع الإصلاح التي وعد بها [بنكيران] توقفت وأن القرارات الكبرى التي من المفروض أن تشغل باله وأحاديثه كلها معطلة". بل سخر منه مجدداً قائلاً ما معناه إنه عوض تطبيق الدستور والدفاع عن صلاحياته في مواجهة صريحة مع القصر، إذا تطلب الأمر ذلك، والمبادرة بالإصلاحات اللازمة، "يفر بنكيران إلى الآداب السلطانية". ويعني بها الخضوع والبحث بشتّى الطرق والوسائل لإظهار أنه ليس إلا خادماً ومساعداً للملك لا شريكاً يتمتع بصلاحيات دستورية واسعة.

في تلك المرحلة أي السنة الأولى من الربيع المغربي، كان بوعشرين يساند جماعة من قياديي العدالة والتنمية الذين يعارضون سياسات بنكيران وخصوصاً وقوفه ضد حركة عشرين فبراير ومنعه أعضاء حزبه من النزول إلى الشارع للمشاركة في مظاهراتها، ومنهم المصطفى الرميد (وكان آنذاك معروفاً كزعيم للتيار المناهض للمخزن داخل البيجيدي) وحامي الدين والشوباني وأمينة ماء العينين وغيرهم. ولكن بعد 2013، لما أصبح الرميد كوزير للعدل يميل إلى التفاهم مع القصر أكثر من بنكيران، بدأ بوعشرين يقف إعلامياً إلى جانب بنكيران كلما دار صراعٌ على السلطة بينه وبين القصر أو بينه وبين المقربين من القصر داخل البيجيدي كعزيز الرباح وزير النقل آنذاك.

يُضاف إلى هذا أن جريدة بوعشرين تكاد تكون الوحيدة من بين الجرائد الكبرى التي تفتح صفحاتها بشكل دائم لمنتقدي السلطوية سواءً كانوا يساريين أو إسلاميين، بل إنها قامت عام 2016 ولمناسبة الانتخابات التشريعية، بتغطية متعاطفة مع تنظيمات اليسار المستقل عن القصر كالاشتراكي الموحد، وخصوصاً أمينته العامة نبيلة منيب، ومن ذلك نشرها على صفحة كاملة رسالة دعم لها من مئة شخصية وطنية. رغم كل هذا، فإن الحملة الإعلامية التي شُنَّت ضد بوعشرين بُنيت سياسياً على ادعاءات بأن بوعشرين لم يكن إلا مكبراً صوتياً للإسلام السياسي ولبنكيران وعدواً لليسار.

الشيء نفسه يتكرر في قضية البرلماني وعضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية حامي الدين. وملخص القضية هو أنه ثمة إعادة إحياء لواقعةٍ قديمة تعود إلى أيام كان حامي الدين طالباً جامعياً حيت لوحِق على خلفية اتهامه بالتورط في عراك جماعي بالحجر نتجت عنه وفاة الطالب محمد بنعيسى أيت الجيد. وفي عام 1993، قضت محكمة فاس بسنتَين سجناً نافذاً ضد عدد من طلبة يساريين وإسلاميين شاركوا في العراك ومن بينهم حامي الدين. قُدِّمت هذه القضية أيضاً، منذ البدء، من طرف جهات قوية داخل الإعلام القريب من السلطة على أنها صراع بين اليسار والإسلاميين، وأصبحت – أي الجهات – تتقوى أكثر فأكثر داخل الشبكات الاجتماعية.

لقد فُتِح الملف ضد حامي الدين بعد ربع قرن من الوقائع، ورغم أن القضية تتوفر على حجية الشيء المقضي به، بسبب انتقادات قوية عدة وجّهها حامي الدين ضد القصر كان آخرها قوله في لقاء حزبي "إن الملكية بشكلها الحالي معيقة للتقدم وللتطور وللتنمية". كما دعا حزبه إلى استلهام مثال الانتقال الديمقراطي بإسبانيا التي نظمت "طاولة مستديرة جمعت كل الفرقاء" مشيراً بذلك إلى المفاوضات التي جمعت مؤيدي نظام فرانسيسكو فرانكو بعد وفاته والمناضلين ضده من يساريين وديمقراطيين والتي أفضت إلى إقامة ملكية برلمانية في سبعينيات القرن الماضي.

وإن كان حامي الدين يُلاحَق بعد انتقاده الشديد للملكية، فإن بوعشرين قد اعتُقِل بعدما آخذ الملك شخصياً بنقائص نظامه في افتتاحية شهيرة. يمكن أن تُفهَم أول جملة في افتتاحية بوعشرين على أنها مستفزة إلى حد بعيد: "الحكم ليس نزهة على الشاطئ في طقس معتدل"، في إشارة منه ربما إلى تواجد الملك آنذاك بقصره الشاطئي بالشمال بمناسبة عيد ميلاده الذي يوافق العطلة الصيفية بالمغرب. لم يكتفِ بوعشرين بهذا بل أضاف كلاماً في الافتتاحية نفسها يُعتبَر في المغرب تجرؤاً كبيراً على الملك: "ما عاد محمد السادس شاباً، ولا عهده جديداً، ولا حكمه بلا سوابق. إنه ملك حكم 18 سنة بحلوها ومرها، وعايش أزمات كبيرة وصغيرة، لكن أخطر أزمة، بنظري، هي الأزمة الحالية التي لا يظهر منها في الريف إلا ما يظهر من جبل الجليد فوق الماء، فيما الجزء الأكبر لا يرى بالعين الغافلة". اعتُقِل بوعشرين أشهراً قليلة بعد هذا النقد للملك، وقبله كذلك اعتُقِل علي أنوزلا عام 2013 أشهراً بعد انتقاده لما سمّاه غيابات الملك الطويلة والمتكررة.

تبنّى جزءٌ كبير من الصحافة المغربية ومن رواد الشبكة الطرح الإعلامي الذي أصبح شبه رسمي فيما يخص قضيتَي بوعشرين وحامي الدين، وتم ذلك عبر نشر هذا الطرح بشكل واسع إذ تمكّنَ المبادرون من الولوج إلى آلاف جماعات الأصدقاء على فيسبوك، وذلك لا يمكن أن يتم إلا عبر التحكم في خوارزمياته المعقدة التي لا يمكن التمكُّن منها واستعمالها إلا من قبل أجهزة منظّمة تتوفر على التمويل والموارد البشرية والتقنية الضرورية.

تتكرر الحكاية نفسها الآن مع قضية أمينة ماء العينين حيث تُتداوَل صورٌ لها دون حجاب. فقد قُدِّمت كـ"منافقة" تعيش حياتها بحرية في الخارج وتريد أن تمنع ذلك عن بنات جنسها وكـ"مُتاجِرة في الدين" وعدوة للفكر التقدمي واليساري. طبعاً حينما نرجع للتاريخ القريب، نجد أن أغلب ما قيل غير صحيح، فالسيدة ماء العينين من الزعيمات المحافظات النادرات بالعدالة والتنمية اللواتي دافعن أحياناً عن حرية المرأة في اختيار هندامها، بل إنها دافعت أكثر من مرة عن الزعيمة اليسارية نبيلة منيب عندما بادرت الجهات نفسها التي تستهدف ماء العينين اليوم إلى إطلاق حملة ضد الأمينة العامة للاشتراكي الموحد. هكذا كتبت ماء العينين في تدوينة لها على فيسبوك عام 2015: "الحملة التي يروجها الكثيرون ضد نبيلة منيب بناءً على شكلها ولباسها حملة بئيسة ومنحطة وغير لائقة ومَن أراد أن يواجه منيب فليواجه خطابها واختياراتها والبدائل التي تطرحها في إطار فيدرالية اليسار". ولنذكر أن ماء العينين تنتقد هنا بعض أبناء وبنات صفها بالإضافة إلى الجهات القوية المبادِرة لإطلاق مثل هذه الحملات. بعد ثلاث سنوات على هذا التصريح، كتبت ماء العينين مرة أخرى متضامنة مع نبيلة منيب التي استُهدِفَت حول حياتها الشخصية والأسرية بعدما دعت إلى تحرير معتقلي الريف من طرف الشعب. وأشارت ماء العينين ضمنياً إلى أن مَن يطلق مثل هذه الحملات ليسوا مواطنين عاديين بل أناس أقوياء، مما يدعو إلى القلق على مستقبل البلاد، إذ تحدثت عن "طريقة ممنهجة" في تبخيس النخب السياسية والحزبية مما يدعو، وفقاً لها إلى "الخوف الحقيقي على مستقبل بلد يقتل مؤسساته وأحزابه ويسفّه منتخبيه وسياسييه ليترك الفراغ". وفي الختام أومأت ماء العينين إلى أن سبب استهداف منيب سياسي: "من حق نبيلة منيب، كما باقي السياسيين، التعبير عن آرائها ومواقفها بحرية".

يبدو أن هناك سببَين رئيسيين لهذه الحملات الإعلامية ضد الشخصيات الثلاث، والتي تصاحبها في حالتَين متابعة قضائية، السبب الأول أن البرلمانيَّين حامي الدين وأمينة ماء العينين هما من القلائل داخل العدالة والتنمية الذين ينتقدون سلطوية الحكم باستمرار وبدون مواربة كما أنهما، وبالإضافة إلى بوعشرين، وقفا بقوة إلى جانب بنكيران ضد الرباعية الملكية – تتكوّن من أحزاب مقربة من القصر هي الاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار – أثناء البلوكاج الشهير عام 2016-2017، والذي أدى إلى إعفاء بنكيران من رئاسة الحكومة دون سند دستوري. السبب الثاني هو أن هؤلاء الثلاثة أعلنوا وبصفة مستديمة عن دعمهم للتقارب الإسلامي اليساري في أفق تكوين جبهة تعددية تُحلحِل ميزان القوى لصالح قوى التغيير وضد النخبة المتحكمة في الشأن العام والتي ازدادت سيطرتها على القرار السياسي والاقتصادي وكذلك على جزء كبير من الإعلام بما فيه الشبكات الاجتماعية منذ عام 2013.

إن القوى التي تُبادر إلى إطلاق حروب إعلامية، كالمذكورة أعلاه، تضرب عصفورَين بحجر واحد: فهي تحاول إضعاف شخصيات فاعلة ومحورية داخل المجتمع السياسي المعارض، ومن جهة أخرى فإن هذا العراك الإعلامي اليساري-الإسلامي الذي يدوم منذ سنوات، إنما احتدم في الأشهرالأخيرة، يجعل أي تقارب فعال وواسع بين التيارَين شبه مستحيل في المستقبل المنظور. كل هذا يخفف الضغط على مركز السلطة ويُبعد إذاً أي تغيير مهم في ميزان القوى قد يكون في صالح تحرك البلاد باتجاه الديمقراطية.

المعطي منجب محلل سياسي ومؤرخ في جامعة محمد الخامس-الرباط.


1. مراجعة الكاتب لوثائق الأمم المتحدة لم تصدر بعد.