بعد سنة واحدة من دعوتك على الفيسبوك لبدء مظاهرة العودة الكبرى، كيف تطور هذه الأخيرة، هل بقيت المطالب الاساسية والتكتيكات والمنظومة الشعبية على ما كانت عليه؟

حين دعوت إلى مسيرة العودة الكبرى فهي بدأت كحلم، وبعد أن تفاعلت مجتمعياً كان يجب أن تتحول إلى برنامج عملي للتطبيق، لذلك يمكن تفهم الفرق بين الحلم والواقع من إحدى الزوايا. كان منشوري الأول هو حلم حول تظاهرة سلمية حاشدة يشارك فيها أهل غزة ويقررون تجاوز السلك العازل سلمياً مطالبين بالحياة والحرية وبعودة اللاجئين وفقاً لقرار 194 وبعد اجتيازهم السلك العازل يقيمون في داخل أراضينا المحتلة عام 1948 مدينةً واقترحت تسميتها مدينة "باب الشمس" ويصرون على الاعتصام السلمي. 

الواقع الراهن ليس مطابقاً تماماً لهذه الفكرة لكن لا يمكن إغفال التفاعل بين الحلم والواقع. هناك فرقان ملحوظان بين الصيغة الحالية وبين الفكرة الأولى، الفرق الأول: هو ارتفاع تكلفة الضحايا في تظاهرات كل جمعة، وهي مسئولية يتحملها في المقام الأول حكومة الاحتلال التي تعمدت رفع تكلفة المسيرات السلمية دون وجود أي تهديد جاد على جنودها في الميدان وذلك لأهداف سياسية تتعلق بقتل الفكرة وإضعاف ثقة الفلسطينيين بقدرتهم على الانتصار في ميدان النضال السلمي الشعبي، الفكرة الأولى كانت تدعو الناس إلى إقامة أنشطة ثقافية وفنية وتراثية قبل السلك العازل في منطقة آمنة وذلك لتحشيد الحالة الشعبية واستنفار كافة قطاعات المجتمع للانخراط في هذا النضال السلمي . للإنصاف فإن المتظاهرين لا يزالون يحتفظون بسلميتهم إلى اليوم وهناك العديد من الأنشطة الثقافية والفنية كل جمعة، لكن من الواضح أن هناك قراراً إسرائيلياً متعمداً بكي الوعي الفلسطيني عبر إيقاع الضحايا من المتظاهرين السلميين. 

الفرق الثاني: هو أن الفكرة الأولى كانت تدعو إلى مسيرات يغلب عليها الطابع الشعبي وتتصدر فيها شخصيات مجتمعية لكن قوة حضور الفصائل في قطاع غزة قوى الطابع الفصائلي للمسيرة عبر الحضور الكبير لقيادات الفصائل، أتفهم أن الفصائل مكون أساس من المكونات المجتمعية لا يمكن تجاوزه وأن الفصائل هي جزء من الشعب يجب أن تشارك في كل ميادين النضال، لكني أعتقد أن رسالة المسيرة ستكون أوضح حين يقودها الناس العاديون والنشطاء الشباب غير المحسوبين على الفصائل التقليدية.

ما هو دور المجتمع المدني حتى الان في تحويل حركة احتجاجية إلى حملة أوسع من أجل حق العودة؟

من ميزات مسيرة العودة أنها فعلت الطاقات الشعبية والمجتمعية وهي أخرجت فكرة النضال من الاقتصار على الفصائل وحدها، وفيما يتعلق بالمجتمع المدني فقد كانت مسيرة العودة فرصةً مهمةً لتطوير دور هذه المؤسسات فلا يقتصر على الأنشطة النخبوية بل تشارك فعلاً في فعاليات وطنية ميدانية، وقد شارك ممثلون عن عشرات مؤسسات المجتمع في مسيرات العودة عبر أنشطة ثقافية وفنية ومسرحية وحقوقية. 

ما هي أهم ناحية لهذه المظاهرات -- أو الحركة التي تنظمها – التي لم يتم تغطيتها من قبل الاعلام الدولي؟

أهم جانب في مسيرة العودة أنها مثلت صوت الشعب الفلسطيني الحقيقي، في اليوم الأول من المسيرة رأيت مشهداً لا يمحى من ذاكرتي، رأيت عشرات الألوف من حولي من النساء والرجال والفتية والشيوخ، رأيت عجائز لا يقوين على المشي يستندن إلى عكاز ويقطعن أكثر من كيلو متر ليشاركن في هذا الحدث الوطني الجامع. مسيرة العودة هي صرخة حياة وهي تمثل الحالة الحقيقية للشعب الفلسطيني واللاعبون الدوليون مطالبون بأن يستمعوا إلى صوت الناس مباشرةً.

مع ان حركة حماس لم تلعب دوراً في تنظيم المظاهرات هذه، فإنها أصبحت تدعمها بشكل متزايد، مما ينعكس سلبياً على الصورة السلمية للمظاهرات حسب رأي البعض. كيف أثر هذا على حركة المظاهرات؟

دعونا نقترب من الواقع بدقة ، في غزة لا يوجد مجتمعات أحدهما اسمه الشعب الفلسطيني والمجتمع الآخر اسمه حماس، هناك مجتمع واحد تتعدد انتماءات أبنائه الفصائلية والسياسية والفكرية. لذلك كل الفصائل لها حضور بين الناس وحركة حماس لها حضور واضح وهذا واضح من نتائج انتخابات عام 2006 التي فازت فيها بأغلبية، أعتقد أن شعبيتها تراجعت لكن لا يمكن أن نفترض أنها اختفت. لذلك حين ندعو إلى نشاط وطني جامع فهذا يعني بالضرورة أن يشارك فيه كل أفراد الشعب بمختلف انتماءاتهم وقناعاتهم، حين كتبت المبادئ العامة لمسيرة العودة الكبرى في صفحتي على الفيسبوك بتاريخ 20 فبراير 2018 نصت هذه المبادئ على أن تكون المسيرة سلميةً وشعبيةً ووطنيةً يشارك فيها الجميع ويرفع فيها علم فلسطين فقط وتستند إلى القرارات الدولية وخاصةً قرار 194 لذلك فإن القضية ليست في مشاركة حركة حماس وغيرها بل في المبادئ والأسس التي تمت المشاركة عليها، نعم لقد شاركت حماس في مسيرات العودة كونها مكون رئيس في المجتمع وشاركت معظم الفصائل الأخرى الإسلامية والعلمانية واليسارية. لكن هناك زاوية نظر إيجابية وهي أن مشاركة هؤلاء الفصائل كانت على أساس أن هذه مسيرات سلمية شعبية وهي فرصة لتعزيز ثقافة النضال السلمي، لذلك لا يهم ما هو انتماء المشاركين في المسيرة بل المهم هو أنهم كانوا في حالة سلمية ولم يكونوا يحملون أي أسلحة وكانوا يرفعون مطالب مشروعة خلال المسيرات.

من المؤسف ملاحظة أن إسرائيل هي التي دفعت منذ بداية مسيرة العودة نحو العنف عبر رفع تكلفة الخسائر في صفوف الفلسطينيين وهو ما فهمنا منه أن إسرائيل لا تريد للفلسطينيين أن يناضلوا سلمياً لأن نضالهم السلمي سيضر بالصورة الدعائية التي تسوقها إسرائيل للعالم. كانت مسيرة العودة فرصةً تاريخيةً لتقوية الأصوات المؤمنة بالنضال السلمي وكان يفترض أن تدعم هذه الأصوات ليثق الناس بأفكارهم حول النضال السلمي. 

أحمد أبو أرتيمه صحافي مستقل في غزة. أجرت المقابلة زها حسن عبر البريد الإلكتروني.