شكّل تقدّم خليفة حفتر باتجاه طرابلس في الرابع من نيسان/أبريل انعطافة محورية لم يتنبّه العاملون في الشأن الدبلوماسي في العالم لأهميتها. فقد أغلقت هذه الخطوة الباب على الاتفاق السياسي الليبي وعلى محاولات تعديله، بما في ذلك سلسلة المفاوضات بين حفتر وفايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني، واتفاق أبو ظبي المشؤوم الطالع الذي أسفرت عنه تلك المفاوضات. يتبلور مشهدٌ جديد في ليبيا، بما يُرغم صنّاع السياسات على العودة إلى خانة الصفر والبدء من جديد بحثاً عن حل.

لم تعد المؤسسات السياسية المنبثقة عن الاتفاق السياسي الليبي (مجلس النواب وحكومة الوفاق الوطني) والإطار السياسي لتقاسم السلطة المنصوص عليه في الاتفاق، قادرة على احتواء الوقائع السياسية والعسكرية الليبية أو تجسيدها. من وجهة نظر حفتر، لقد بات الاتفاق السياسي الليبي عاجزاً عن تأمين تقدّمه الشخصي، ولذلك وضعَ مختلف رهاناته في سلة اجتياحه لطرابلس. إذا تكللت جهوده هذه بالنجاح، فلن تعود هناك حاجة إلى العملية السياسية. وإذا مُنيت بالفشل، فسوف يواجه هواجس أكثر إلحاحاً، لا سيما محاولة الحفاظ على لحمة تحالفه تحت قيادته. وتشعر حكومة الوفاق الوطني، من جهتها، بأنها تعرضت لخيانة شديدة من المجتمع الدولي الذي ركّز على ممارسة ضغوط على الفصائل الليبية الغربية لدفعها نحو الانخراط في المسار الدبلوماسي، في حين تغاضى عن التصعيد العسكري الذي لجأ إليه حفتر متأمِّلاً بأن يساهم استرضاؤه في تشجيعه على التفاوض.

يعتبر الطرفان راهناً أن الحرب هي خيارهما الوحيد. لسوء الحظ، النصر الذي يطمح إليه كل منهما يبدو خارج نطاق إمكاناتهما. فحتى لو كان حفتر قادراً على نقل سلاحه المتفوّق وعديده البشري الكافي عبر الطريق الحافل بالمخاطر الممتد على طول ألف كيلومتر (620 ميلاً)، من قاعدته في بنغازي إلى طرابلس، من شأنه أن يطلق حصاراً قاسياً قد يؤدّي إلى القضاء على رأسماله السياسي والدعم الشعبي له. وإذا كانت الميليشيات الغربية المناهضة لحفتر تتطلع إلى تحقيق نصر حاسم، لا يكفي أن تطرده من غرب ليبيا وتتفاوض على استسلام البلدات التي تدعمه، إنما يتعين عليها إخراجه من المواقع الاستراتيجية (مثل حقول النفط والمطارات) التي يُسيطر عليها في شرق ليبيا، كي تضمن عدم قدرته على شن حملة جديدة. يُظهر الهجوم الذي شنّته قوات جنوب ليبيا بقيادة علي كنّا في 18 نيسان/أبريل على قاعدة تمنهنت الجوية الخاضعة لسيطرة حفتر عبر اقتحامها ونهبها، وتعبئة قوات حفتر للتقدّم باتجاه سرت، كيف أن هذه الحرب ستسلك منحى تصاعدياً في مختلف أنحاء البلاد.

مع استمرار حالة الحرب في البلاد، لن يحتدم مستوى النزاع وحسب، إنما أيضاً طبيعته في إطار سعي الطرفَين إلى تعزيز قواعد الدعم وانتزاع أفضلية استراتيجية. فعلى سبيل المثال، وإذ يُسيطر حفتر على الحقول النفطية، فيما تُسيطر طرابلس على توزيع الأموال، أصبح الاقتصاد الليبي ساحة المعركة المقبلة، مع بذل قوات حفتر محاولات العام الماضي لتصدير نفطها الخام عبر الالتفاف على شركة النفط الوطنية (التي تقوم بإيداع جميع إيراداتها في المصرف المركزي الخاضع لسيطرة طرابلس). إذا لم يتمكّن حفتر من الحفاظ على موطئ قدم في غرب ليبيا، فغالب الظن أن خطوته المقبلة ستكون الإقدام من جديد على بيع النفط خارج المنظومة القائمة لإنقاذ ماء الوجه، وتمويل عملياته، وقطع الإيرادات التي يُعوّل عليها خصومه لخوض الحرب.

يتجاهل الجانبان الدعوات لوقف إطلاق النار. وأحد الأسباب هو أن الدبلوماسيين يُقدّمون طرحاً يرفضه الجميع، ويتمثّل في تجميد النزاع بما يؤدّي إلى إعادة إطلاق العملية السياسية نفسها التي أدّت إلى اندلاع الحرب في المقام الأول. والسبب أيضاً هو أنهم يتوجّهون إلى الأشخاص الخطأ. ففي هذه المرحلة، لا يمكن التكلم باستعلاء مع حفتر. السبيل الوحيد للحد من نزعته القتالية هو إقناع القاهرة وأبو ظبي والرياض – الجهات الأساسية التي تزوّده بالسلاح والتمويل والمساعدات الاستراتيجية مثل الهجمات الجوية – بالتوقف عن دعم عملياته. وقد تبيّن أيضاً أنه ليس للسراج أي تأثير تقريباً داخل المعسكر المعارِض. فقد أثار هجوم حفتر ما يمكن اعتباره على الأرجح التعبئة الأوسع للقوات في ليبيا منذ العام 2011، إذ رصّت مجموعة واسعة من الميليشيات المدنية والعصابات وغيرها من القوات في غرب ليبيا صفوفها في الجبهات الأمامية لمواجهة حفتر. وقد أدّت هذه التطورات إلى الحد من سيطرة السراج الضعيفة أصلاً، وليس أكيداً أنه سيتمكّن من التأثير في التعبئة التي حصلت، فكم بالأحرى وقفها. بدلاً من ذلك، تتركّز السلطة على مستوى حكومة الوفاق الوطني، بصورة متزايدة، في يدَي وزير الداخلية فتحي باشاغا الذي يتولّى أيضاً وزارة الدفاع منذ 14 نيسان/أبريل. هذا وينبغي أن يعكس اتفاق وقف إطلاق النار توافقاً بين القادة المختلفين الذين يتولون زمام الدفاع عن العاصمة.

الأسباب التي تقف خلف فشل الجهود الدولية في التوصل إلى تسوية تتمثل في عجز المؤسسات القائمة عن ممارسة السيطرة، والحماسة الشديدة التي يُبديها مختلف الأفرقاء المتناحرين في التعبير عن إيمانهم بأحقّية القتال الذي يخوضونه، فضلاً عن عدم قابلية الإطار السياسي الراهن للاستدامة. مع تدهور الأوضاع، يواجه الشعب الليبي والدول المجاورة تهديدات أكبر، ويصبح الاستقرار أبعد منالاً. ومع الانحسار الكامل للمفاوضات السياسية في ليبيا لتحل مكانها الحملات العسكرية، وفيما تُغذّي التدخلات الخارجية قدرة الطرفَين على الاستمرار في خوض الحرب، تتصاعد وتيرة الأحداث، ما يزيد من صعوبة التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الأفرقاء المتورطين بشدّة في النزاع. واقعياً، لا يمكن أن يتحقق وقف إطلاق النار إلا عندما يدرك حفتر وداعموه أن كلفة الحرب باهظة جداً – لعجزهم حرفياً عن المتابعة، أو بسبب منع وصول شحنات الأسلحة إليهم من الخارج، أو نبذهم على الساحة الدولية – وعندما تحصل حكومة الوفاق الوطني وحلفاؤها على ضمانات بأن حفتر لن يستغل أي اتفاق لوقف إطلاق النار بهدف ترسيخ موقعه استعداداً لشن هجوم جديد. في حال التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، من شأن ذلك أن يُفسح في المجال أمام عملية سياسية جديدة لترسيخ هذا الواقع الجديد. وقد يشتمل ذلك على اندفاعة لاستكمال مشاورات المؤتمر الوطني التي تتم برعاية الأمم المتحدة، والتي من شأنها أن تُحوِّل الدعم الشعبي للحل العسكري إلى ضغوط شعبية واسعة النطاق على الأفرقاء الليبيين للتوصل إلى حل سياسي. في نهاية المطاف، سيكون إشراك الشعب الليبي عاملاً أساسياً لتقويض الرغبة في خوض الحرب وإنجاح أي عملية سياسية.

لقد تسبّب هجوم حفتر على طرابلس باستقطاب شديد في ليبيا، إنما أيضاً في أوساط المجتمع الدولي عبر إرغام عدد كبير من الأفرقاء الذين كانت مواقفهم ملتبسة في السابق، مثل واشنطن، أو الذين لعبوا على وتر التفرقة بين الأطراف، مثل موسكو، على حسم موقفهم. لقد تعرّضت فرنسا، التي تُعتبَر الداعمة الأساسية لحفتر في أوروبا، لهجمات لاذعة من المسؤولين في حكومة الوفاق الوطني وأبناء طرابلس بسبب تدخّلها الطويل الأمد لمصلحة فريق معيّن، ما أرغمها على التخفيف من حدّة موقفها، أقله في العلن. غير أن الحرب التي روّج لها حفتر وداعموه الإقليميون حققت نجاحاً واضحاً وسريعاً. فيما تتضح وقائع ليبيا الجديدة بصورة أكبر، وفي حال وقعت ليبيا في قبضة الكوارث التي تلوح في الأفق على المستويَين الإنساني والأمني وكذلك في قطاع الطاقة، فغالب الظن أن ذلك سيدفع بالغرب إلى إعادة النظر في أسلوبه في التعاطي.

كي يتأقلم صنّاع السياسات الدوليون مع الواقع الليبي الجديد، عليهم أن يُهيّئوا أدوات جديدة للانخراط على الساحة الليبية، ويؤمّنوا محافل جديدة لنقاشات متعددة الأطراف ذات فاعلية أكبر. وفي هذا الصدد، يمكن توسيع مجموعة 3+3 التي تضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا ومصر والإمارات العربية المتحدة، لتشمل أفرقاء على غرار روسيا وتركيا. قد يؤدّي توسيع خيمة النقاشات الدولية إلى زيادة الصعوبات التي تعترض التوصل إلى تسوية، لكنه يعكس بصورة أدق وجهات النظر المختلفة ويقلل من احتمالات انطلاق مسارات دبلوماسية مناوئة على أيدي الأفرقاء المستائين من استثنائهم من المفاوضات الرسمية. سوف يستغرق صنّاع السياسات بعض الوقت للتأقلم مع الواقع الجديد، إنما تحتاج التطورات في ليبيا أيضاً إلى بعض الوقت كي تُفسح في المجال أمام تبلوُر فرصة واقعية للتدخل الدبلوماسي. قد يبدو أمراً شاذاً أن المسار للتوصل إلى وقف إطلاق النار في بلدٍ معيّن يقع بالكامل خارج حدود هذا البلد، لكن إذا لم تتمكّن الدول المتعددة التي تؤثّر في التطورات الليبية من رص صفوفها والعمل معاً، مما لا شك فيه أن الحرب الأهلية الليبية سوف تستمر في سلوك منحى تصاعدي بما يعود بالضرر على جميع المعنيين.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

طارق المجريسي محلل سياسي ليبي وزميل زائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية. لمتابعته عبر تويتر Tmegrisi@