أقدم مواطنون فلسطينيون في إسرائيل، منذ مطلع العام الجاري، على قتل أكثر من 72 فلسطينياً من أبناء مجتمعهم لجملة من الأسباب الجرمية. وآخرها مقتل شاب في الخامسة والثلاثين من العمر من أم الفاهم في 15 تشرين الأول/أكتوبر. ورداً على اشتداد موجة العنف، نظّم الفلسطينيون في إسرائيل وقيادتهم سلسلة خطوات، منها إضرابات و احتجاجات للتعبير عن استيائهم من تقاعس الشرطة إزاء الجرائم العنفية التي تُرتكَب داخل المجتمع الفلسطيني في إسرائيل. وقد اندلعت تظاهرات في العديد من المدن والبلدات العربية، مثل الناصرة وأم الفاهم وشفاعمرو وطمرة ومجد الكروم وعارة وعرعرة وكفر قاسم. وشاركت حكومات ومدارس فلسطينية محلية في الإضراب لزيادة أثره والتعبير عن امتعاض الشرائح المختلفة في المجتمع الفلسطيني من تقاعس الشرطة وعدم مبادرتها إلى التحرك على النحو المناسب. ولم يحضر أعضاء القائمة المشتركة جلسة أداء اليمين التي عقدها الكنيست الجديد في الثالث من تشرين الأول/أكتوبر، بعد انتخابه في 17 أيلول/سبتمبر الماضي، ففي ذلك اليوم، نظّم الفلسطينيون في إسرائيل إضرابهم. وفي العاشر من تشرين الأول/أكتوبر، اجتمع ممثّلو القائمة المشتركة في الكنيست، أيمن عودة وأحمد الطيبي ومطانس شحادة، بوزير الأمن الداخلي جلعاد أردان للمطالبة بوضع خطة من أجل كبح العنف في المجتمع الفلسطيني.

وهذا الامتعاض لدى فلسطينيي إسرائيل مردّه إلى تلكؤ الشرطة عن أداء مهامها اليومية مقروناً بتشددها في قمع التظاهرات السياسية. وقد تعاظمت مشاعر الضغينة بين الشرطة والعرب في عام 2000 عندما أقدمت الشرطة على قتل 13 متظاهراً عربياً بطريقة همجية ومن دون أن تخضع للمحاسبة. وساءت العلاقة بين الفريقَين مجدداً في عام 2017 نتيجة مسألتَين اثنتين: استمرار الشرطة في قتل المواطنين العرب، وهدم المباني "غير القانونية" في مدينة قلنسوة. وفضلاً عن ذلك، أقرّت إسرائيل قانون الدولة القومية اليهودية في تموز/يوليو 2018، الذي ينص على أن إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، ويقضي بإنزال مرتبة اللغة العربية من لغة رسمية إلى لغة ذات مكانة خاصة، ويشجّع على بناء المستوطنات اليهودية. وتتسبب هذه التطورات في تعاظم شعور العرب بأنهم محط عداء وكره من الدولة الإسرائيلية ومؤسساتها. 

وأكثر من ذلك، تُحوِّل التصريحات الصادرة عن صنّاع السياسات الإسرائيليين، على غرار جلعاد أردان، وجهة الملامة من الشرطة إلى الثقافة العربية، ما يُفضي إلى تعاظم الشعور بالتململ لدى الفلسطينيين. يعتقد أردان أن العنف لدى الفلسطينيين في إسرائيل مردّه إلى أن "المجتمع العربي هو مجتمع شديد العنف"، مضيفاً: "في ثقافتهم، تنتهي الخلافات بسحب سكّين أو سلاح بدلاً من اللجوء إلى الدعاوى القضائية. السبب أيضاً هو أن الوالدة تمنح موافقتها لابنها كي يقتل شقيقته لأنها تواعد رجلاً لا يعجب العائلة". وقد عبّر وزير المواصلات بتسلئيل سموتريش عن رأي مشابه لما قاله أردان، وذلك في تغريدة عبر تويتر جاء فيها: "لحسن حظنا أن العرب قاطعوا الجلسة الأولى للكنيست الثاني والعشرين. كانوا ليطلقوا النار في الهواء تعبيراً عن سرورهم/حزنهم/احتجاجهم لأنها العادة التي درجوا عليها، ثم بالطبع يلقون باللائمة على الشرطة". تتسبب هذه التصريحات بتعاظم الغضب وغياب الثقة لدى الفلسطينيين في إسرائيل، فهذه السرديات العنصرية التي تُصوّر العرب بأنهم عنيفون بطبيعتهم تُفضي إلى إبعاد المسؤولية عن الدولة. وهذه التعليقات هي بمثابة تذكير إضافي للفلسطينيين بعنصرية الدولة وبأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. إنها مثالٌ عن تهميش الدولة للفلسطينيين وعدم اكتراثها لهواجسهم.

تعتبر القيادة الفلسطينية في إسرائيل أن صنّاع السياسات الإسرائيليين يحرفون المسؤوليات عن مسارها الصحيح ويلقون بها على كاهل الفلسطينيين. وتُحمّل القيادة الفلسطينية الشرطة مسؤولية الزيادة في أعداد الأسلحة النارية التي هي بحوزة الفلسطينيين، وعدم اتخاذ إجراءات لمكافحة الجرائم. يُشار في هذا الإطار إلى ما كشفته تقديرات الشرطة عن وجود نحو 400000 سلاح غير مرخَّص في إسرائيل في عام 2013. والجزء الأكبر من هذه الأسلحة هو بحوزة المواطنين الفلسطينيين. وهذا ما تؤكّده أيضاً الاستنتاجات التي وردت في تقرير التفتيش لعام 2017 عن الجهود التي تبذلها الشرطة لمعالجة عنف السلاح في المجتمعات العربية. يُسلّط التقرير الضوء على غياب التنسيق بين وحدات الشرطة، وكذلك بين الشرطة والأجهزة الأخرى المسؤولة عن إنفاذ القوانين. وأكثر من ذلك، تُظهر الاستنتاجات أن الشرطة تعاني من نقص العناصر، فضلاً عن صغر حجم فرق الشرطة الموجودة في المراكز الواقعة في مناطق حيث أكثرية السكان من العرب. ولعل المثال الأوضح عن عجز الشرطة هو معدل جرائم القتل التي وقعت بين 2014 و2017 ولم تُكشَف ملابساتها بعد، والذي يصل إلى نحو 70 في المئة. وقد توصّل استقصاء أجرته صحيفة "هآرتس" إلى أن عدد الجرائم التي كشفت الشرطة ملابساتها هذا العام في المجتمع اليهودي هو ضعف عدد الجرائم التي تمكّنت الشرطة من كشف هوية مرتكبيها في المجتمع الفلسطيني في إسرائيل. فبحسب التقرير الذي نشرته الصحيفة، كشفت الشرطة ملابسات 31 في المئة فقط من الجرائم في المجتمع العربي حتى تاريخه في عام 2019، أي 22 جريمة من أصل 71، في حين أن هذه النسبة بلغت 58 في المئة من الجرائم في المجتمع اليهودي، أي 21 جريمة من أصل 36.

نظراً إلى الخلل في تعاطي الشرطة والدولة مع هذه الجرائم، اقترحت القيادات السياسية والمدنية العربية معالجة عنف السلاح من خلال مجموعة متنوعة من التكتيكات. فهؤلاء يعتبرون أن تدخل الشرطة على نحوٍ أكثر فاعلية وإنصافاً، فضلاً عن انخراطها في عمليات طويلة الأمد لأحداث تغيير ونشر الوعي داخل المجتمعات العربية، يساهمان في الحد من عنف السلاح. ويبدو أن الفلسطينيين في إسرائيل يؤيّدون العمل على تعزيز حضور الشرطة. فقد أظهر تقرير صادر عن "صندوق ابراهيم" أن 77 في المئة من العرب يدعمون افتتاح مركز للشرطة في مدنهم وبلداتهم. ويقول 79 في المئة من العرب إنهم مستعدّون لتبليغ الشرطة عن الجرائم أو الجنح التي يشهدون عليها بأنفسهم. وتدعم غالبية كبرى من المواطنين العرب – 72 في المئة – إشراك العرب في الشرطة، ويُبدي 48 في المئة استعدادهم للالتحاق بالشرطة أو يؤيّدون انضمام أقربائهم إليها.

نظراً إلى الضغوط الهائلة التي يمارسها مؤخراً الفلسطينيون وقادتهم، والتي انطلقت بعد الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، بدأ صنّاع السياسات الإسرائيليون والمؤسسات الأمنية الإسرائيلية إعداد خططهم من أجل مكافحة عنف السلاح في المجتمع الفلسطيني. ففي الرابع من تشرين الأول/أكتوبر، وصف أردان الوضع بأنه "طارئ"، واعتبر أنه يتعيّن على الشرطة أن "تحارب العنف مثلما تحارب الإرهاب". ومن أجل معالجة هذا الوضع الطارئ، تعهّد أردان بتخصيص 600 شرطي للعمل على مواجهة موجة العنف لدى الفلسطينيين في إسرائيل. ومؤخراً، أعلنت الشرطة الإسرائيلية عبر تويتر عن "إنشاء مقار للشرطة الحدودية في عكا ووادي عارة وجسر الزرقاء وفورديس (منطقة ساحلية) في الأيام المقبلة لتنفيذ المهام".

على الرغم من أنه ينبغي على الشرطة والدولة بذل مزيد من الجهود من أجل التصدي للجرائم والعنف في المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، إلا أن زيادة التدخل الحكومي لن تكون كفيلةً لوحدها بمعالجة الأسباب الجذرية خلف صعود الإجرام العنفي. وتُركِّز هذه الحلول بصورة أساسية على اعتماد مقاربة عسكرية لمكافحة الجرائم في المجتمع. من شأن هذه الحلول أن تساهم في إدارة المسألة، ولكنها لا تساعد على منع الإجرام. فانتشار الأسلحة غير الشرعية هو عارضٌ من عوارض اللامساواة الأوسع نطاقاً التي يواجهها المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل وغياب الثقة بمؤسسات الدولة، وليس من مسبّباتهما. ومن أجل معالجة اللامساواة، ينبغي على الفلسطينيين والدولة إيجاد حلول للأسباب البنيوية التي تقف خلف الحرمان من الحقوق، أي القيود المفروضة على التحصيل العلمي، وتفشّي البطالة، وارتفاع معدلات الفقر، وغيرها الكثير. تُعتبَر الشرطة من رموز القوة والسيطرة الإسرائيليتَين، ولذلك، لا يمكن أن يُتوقَّع منها أن تبادر بسهولة إلى معالجة المشكلات التي يواجهها الفلسطينيون في إسرائيل. ولن يكون تعزيز حضور الشرطة في المجتمعات الفلسطينية كافياً ولا فاعلاً لمعالجة عنف السلاح من دون إحداث تحوّل كامل في وجهة استخدام الشرطة. إذاً ما دامت الشرطة الإسرائيلية تؤدّي دور الأداة التي تستخدمها الدولة القومية من أجل تقنين سياساتها العنصرية، لن يمحضها الفلسطينيون في إسرائيل الثقة، وهم محقّون في موقفهم هذا. ولذلك يجب أن يترافق تعزيز حضور الشرطة وانخراطها مع استثمار الدولة في مبادرات ومشاريع لمعالجة اللامساواة المستمرة التي يعاني منها الفلسطينيون يومياً في إسرائيل.

أنوار محاجنة أستاذة مساعِدة زائرة في ستونهيل كولدج، حيث تكتب وتُدرِّس عن الجندر والدين والأمن والإرهاب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لمتابعتها عبر تويتر @mhajneam.