سدّدت موجة الاحتجاجات التي شهدها العراق في الأسابيع القليلة الماضية، ضربة قوية للمنظومة السياسية القائمة في البلاد بعد عام 2013، فلجوء الحكومة إلى العنف ضد المتظاهرين السلميين قوّض إلى حد خطير شرعية المنظومة. وقد يُدفَع رئيس الوزراء عادل عبد المهدي الذي مضى عامٌ واحد على تسلّمه منصبه في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2018، إلى الاستقالة مرغماً. ولكن العراق يمتلك، بالمعنى الشكلي، منظومة سياسية ديمقراطية. وقد أُجريَت انتخابات وطنية في أيار/مايو 2018، ومن المزمع إجراء الانتخابات المحلية التي طال انتظارها، في الأول من نيسان/أبريل من العام المقبل، أي بعد أقل من ستة أشهر. وهذا يدفعنا إلى طرح السؤال الآتي، لماذا شعر عدد كبير من العراقيين في المحافظات ذات الأكثرية الشيعية – وهؤلاء ينتخبون النخبة السياسية – بالحاجة إلى النزول إلى الشارع من أجل إسقاط الحكومة؟

يتمثل جزءٌ من المشكلة في صيغة قانون الانتخابات العراقي. فالقانون الجديد الذي أُقِرّ في 22 تموز/يوليو الماضي لتنظيم الانتخابات المحلية أتاح انطلاق الآلية لإجراء أول انتخابات محلية في البلاد منذ عام 2013. وعلى النقيض من مجلس النواب الذي حُدِّدت ولايته بأربع سنوات في الدستور، والذي تنتهي سلطته تلقائياً بانقضاء ولايته، حُدِّدت ولاية مجالس المحافظات بأربع سنوات بموجب القانون الذي ينص على تمديد الولاية تلقائياً عند تأجيل الانتخابات المحلية. وفيما تمتلك الحكومة سلطة الدعوة إلى الانتخابات، حدّد مجلس النواب يوم الأول من نيسان/أبريل 2020 موعداً لإجراء الانتخابات في المادة 13 من القانون الجديد.

ولكن حتى قبل الجولة الأخيرة من الاحتجاجات، كانت الإمكانات التمثيلية التي تتيحها المنظومة الانتخابية موضع تشكيك. ففي العام الماضي، بلغت نسبة الاقتراع في الانتخابات النيابية 44 في المئة فقط، وهي نسبة متدنّية. ويمنح القانون الانتخابي الجديد الأفضلية للفصائل المسيطِرة، وعلى ضوء ما شهدته انتخابات العام الماضي من شوائب والخيبة من الفضائح التي طالت معظم المجالس المحلية، من الممكن أن تُسجّل نسبة المشاركة في الانتخابات مزيداً من التراجع. وإذا كانت النتيجة الوحيدة للانتخابات هي إحداث تحوّل في ميزان القوى داخل الطبقة الحاكمة التي يُنظَر إليها بأنها سلطة كلبتوقراطية، فهي لن تتمكن إذاً من دفع البلاد نحو الأمام.

يمنح القانون الجديد أفضلية للكتل الكبيرة، أي للطبقة السياسية المسيطِرة التي تواجه نقمة شعبية عارمة. وفي هذا الإطار، قدّم رئيس الوزراء عبد المهدي مشروع قانون إلى مجلس النواب تضمّنَ سلسلة من التعديلات للقانون المعتمد، ومنها إجراءات الهدف منها تعزيز استقرار المجالس المحلية وتخصيص 30 في المئة من المقاعد للمرشحين الذين ينالون العدد الأكبر من الأصوات، بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية. وشكّل هذا البند الأخير خطوةً نحو الأمام من أجل إرساء توازن في منظومة الاقتراع التي تمنح الأفضلية للكتل الكبرى، وهذا يُتيح لأشخاص بارزين على المستوى المحلي ولا ينتمون لأي تنظيم وطني، فرصةً للمنافسة في الانتخابات.

لكن اللجنة النيابية المكلّفة إدارة مشروع القانون عمدت إلى تمزيق نسخة عبد المهدي، ونبْذ إصلاحاته الأساسية كافة. ويُعتبَر البند المتعلق بآلية إجراء الانتخابات في المادة 9 الأكثر أهمية. لقد جرى تغيير قانون الانتخاب الوطني بعد الانتخابات المحلية في عام 2013، والتي فاز فيها عدد كبير من الأحزاب المحلية الصغيرة بمقاعد. وقد عبّر رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي بوضوح عن الحاجة إلى تعديل القانون بعد تلك الانتخابات، معتبراً أنه "أنتج مجالس ضعيفة". وكان المالكي يقصد بذلك ما يُسمّى "صيغة سانت ليغو"، وهي صيغة أوروبية لتوزيع المقاعد حيث تُقسَم الأصوات الحزبية بأعداد مفرَدة متعاقبة بدءاً من 1.0 (عند زيادة العدد المقسوم عليه أو القاسم، يصبح من الأصعب على الأحزاب الفوز بمقعدها الأول). وبموجب هذه الصيغة، لا يتأثر توزيع المقاعد بعد المقعد الأول، ولذلك غالباً ما تهدف التغييرات التدريجية في القاسم إلى جعل الأحزاب الصغيرة تواجه صعوبة أكبر في الفوز بمقعدها الأول. وقد قُسِمت الأصوات بـ1.7 في الانتخابات الوطنية في عام 2014 ثم عام 2018، ونجح هذا الإجراء في إقصاء الأحزاب الصغيرة. نتيجةً لذلك، تطالب الأحزاب الراسخة برفع القاسم إلى 1.9 لأن ذلك يصب أكثر في مصلحتها. وقد أدرج عبد المهدي هذا الرقم في مشروع القانون الذي وضعه فيما أضاف أيضاً بنداً داعِماً للمرشحين المحليين (وردت الإشارة إليه آنفاً) لإرساء توازن معيّن.

وتَظهر هذه النزعة أيضاً في خفض عدد المقاعد في كل واحد من المجالس. تُجري المادة 18 تعديلاً في القانون الحالي، بحيث يصبح لكل مجلس 10 أعضاء، فضلاً عن عضو إضافي لكل 200000 نسمة. ولا يشتمل هذا العدد على المقاعد المخصصة للأقليات، والتي تُضاف أيضاً إلى المقاعد العشرة. وعلى هذا الأساس، سينخفض عدد الأعضاء في مجلس البصرة من 35 إلى 10. يؤثّر هذا البند في صيغة توزيع المقاعد على نحوٍ يزيد من الحد الأدنى للأصوات المطلوب للفوز بمقعد.

يجب النظر إلى هذه البنود في سياق الوضع السياسي القائم. ففي الأنظمة الديمقراطية التي تنعم بمؤسسات متطورة وشفّافة، قد يكون اعتماد قانون يُقصي الأحزاب الصغيرة مبرَّراً باعتباره شرطاً مسبقاً للاستقرار في الحوكمة. ولكن نجاح هذا الأمر رهنٌ بديمقراطية الأحزاب المهيمنة، بيد أن الأحزاب السياسية في العراق هي بمثابة أدوات لإيصال الأشخاص أنفسهم الذين يتولون إدارة شؤون البلاد منذ عام 2005. من غير الوارد مثلاً أن يطالب مواطن من البصرة ينتمي إلى الفرع المحلي لائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي، بانسحاب المالكي من السياسة أو أن يبدي معارضته لآرائه. جميع الأحزاب العراقية الكبرى، سواءً كانت شيعية أو سنّية أو كردية، تعمل بهذه الطريقة.

وهكذا، في منتصف تشرين الأول/أكتوبر، وفي أعقاب موجة العنف الواسعة التي طالت المتظاهرين في وقت سابق من الشهر الماضي، استعان الرئيس برهم صالح بمجموعة من الخبراء القانونيين لوضع قانون جديد لإصلاح النظام الانتخابي. الرئاسة العراقية هي منصبٌ شكلي بصورة أساسية، لكنها تمتلك سلطة اقتراح التشريعات. وقد بثّت محطات التلفزة الكلمة الافتتاحية التي ألقاها صالح أمام أعضاء المجموعة والتي ذكر فيها أن النظام الانتخابي الراهن لا يُلبّي مطالب الشعب، وذلك بهدف توجيه رسالة مفادها أن هناك مَن يصغي إلى الشعب في دوائر السلطة.

في الواقع، كان صالح الزعيم الأساسي الوحيد الذي استجاب للاحتجاجات على مستوى الإصلاح البنيوي. فعبد المهدي، وعلى الرغم من اعتماده خطاباً موجَّهاً نحو الإصلاح، ركّزَ على البرامج القائمة على المحسوبيات، مثل وهب الأراضي وبرامج الرعاية الاجتماعية. ولعله أعاد النظر لاحقاً في المسألة، ما دفعه في 24 تشرين الأول/أكتوبر، أي عشية الانطلاقة المقررة لموجة جديدة من الاحتجاجات، إلى الالتزام بإجراء إصلاحات انتخابية وإدراج هذا البند في برنامجه. ولكن أحداث الأسبوع الماضي كشفت أن خطابه الذي كان عبارة عن محاضرة من 33 دقيقة مليئة بالمصطلحات التكنوقراطية، لم ينجح في ممارسة أي تأثير على الإطلاق.

والعامل الأساسي الثاني الذي تسبب بتقويض الثقة بالنظام الانتخابي هو اندلاع الاحتجاجات بعد عامٍ واحد فقط على الانتخابات الوطنية الأخيرة في العراق، والتي شابها تزوير في النتائج. وقد كشف سعيد كاكائي، عضو المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، عن تباينات كبيرة، كما زعم، بين السجلات الانتخابية لتعداد الأصوات والنتائج التي أُعلِن عنها في جميع المناطق الكردية (بما في ذلك كركوك ونينوى) وفي صلاح الدين والأنبار. وقد أجرت الحكومة تحقيقاتها الخاصة ووجدت تزويراً واسعاً، وأوصت بملاحقة عدد من المسؤولين في القضاء.

وفي هذا الإطار، انبعثت آمالٌ بأن يُشكّل فضح التزوير الانتخابي حافزاً للتغيير لكنها سرعان ما تبدّدت. فقد أقرّ مجلس النواب قانوناً يقضي بأن يتولى القضاة الإشراف على إعادة فرز الأصوات، بدلاً من أن يتولى ذلك أعضاء المفوضية العليا المستقلة للانتخابات الذين وُجِّهت إليهم انتقادات لاذعة اتّهمتهم بالفساد وعدم الكفاءة. وقد أبدى القضاء موافقته على هذه الخطوة. ولكن تأثير إعادة الفرز على النتائج كان طفيفاً. لا بل أكثر من ذلك، تلاشت الملاحقات القضائية بحق العديد من المسؤولين من دون صدور أي إدانة ولا تقديم تفسيرات علنية. فمحمد الكربولي، زعيم كتلة "الحل" النيابية، وهو واحد من نائبَين خسرا مقعدَيهما في إعادة الفرز، بقي في البرلمان بموجب "صفقة" مزعومة تخلّى بموجبها أحد نواب كتلة الحل عن مقعده مقابل تعيينه محافظاً على الأنبار.

أما الشائبة البنيوية الثالثة فتتمثل في تشويه نتائج الانتخابات بسبب تفشّي الصفقات خلف الكواليس، وضعف آلية مكافحة الفساد، ما أفضى إلى انتقال عدد كبير من النواب المنتخبين وأعضاء المجالس المحلية من حزب إلى آخر. وعلى المستوى الوطني، أفضى ذلك إلى انتخاب عبد المهدي رئيساً للوزراء، مع أنه لم يتزعّم حزباً في الانتخابات، ما يعني أنه لا يتمتع بتفويض انتخابي. وعلى مستوى المحافظات، تسبب ذلك بتبدُّل المحافظين ورؤساء المجالس بصورة منتظمة مع انتقال الممثلين المنتخَبين من ضفة إلى أخرى. وهكذا، في المحافظات الاتحادية الخمس عشرة، محافِظ ميسان، علي دواي، هو الوحيد الذي انتُخِب في عام 2013 ولا يزال في منصبه، في حين تعاقب ثلاثة محافظين أو أكثر على المنصب في محافظات عدة. تسيطر المجموعة الصغيرة نفسها من الفصائل على كل واحدة من المحافظات. وأكثر من ذلك، عندما يواجه محافظٌ ما فضيحة أو احتجاجات، يُستبدَل بعضو آخر في المنظومة الكلبتوقراطية.

لا يُحوّل أيٌّ من هذه العوامل الأنظار بعيداً من الأهمية التي تكتسيها الانتخابات بالنسبة إلى الأحزاب السياسية العراقية، فالفوز بمقاعد هو بمثابة البوابة التي يدخلون من خلالها إلى منظومة المحسوبيات عن طريق الوزارات والتعيينات التنفيذية والمناقصات. ولكن بالنسبة إلى العراقيين الذين ينزلون إلى الشارع احتجاجاً على النظام الانتخابي بحد ذاته، فإن السؤال الكبير المقبل في ما يتعلق بالديمقراطية العراقية، قد لا يكون مَن هي الجهة التي ستحقق الفوز، بل إن السؤال هو ما إذا كان ممكناً إقناع الناخبين بأن هوية الجهة الفائزة هي مسألةٌ مهمة فعلاً.

كيرك سويل محلل للمخاطر السياسية وناشر الرسالة الإخبارية التي تصدر كل أسبوعَين Inside Iraqi Politics. لمتابعته عبر تويتر @uticarisk.