ما هو حجم انتشار الوباء في سورية، في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام وتلك الخاضعة لسيطرة المعارضة على السواء؟ 

يبلغ عدد الحالات في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري نحو 19 حالة. ولكن هذا الرقم يُشير إلى الإصابات المثبتة. لا نعرف عدد الأشخاص الذين لا تظهر عليهم أي أعراض لكنهم يحملون الفيروس، أو حتى ينشرونه. آمل بأن المناطق الخاضعة لسيطرة النظام تعمل بالتوصيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية. لا أعرف ما هو وضع منظومة الترصّد هناك، لكننا نعلم أنهم يتكتّمون على الإصابات. لقد طلب عناصر الاستخبارات من مختبرات في حلب إعطاء تشخيص خاطئ لحالاتٍ بدا على أصحابها أنهم يعانون من أعراض "كوفيد 19". وقد أُرغِم الأطباء على رفض تشخيص الحالات على أنها تُشير إلى الإصابة بوباء "كوفيد 19" حتى لو كانوا على يقين من أن الشخص مصاب بالفيروس، وعندما كان واضحاً لهم أنه مرض جديد لم يختبروه من قبل. يصدرون تشخيصهم بحسب ما يفرضه النظام عليهم. في هذه المناطق، تخضع فحوص الكشف عن "كوفيد 19" للسيطرة التامة من المؤسسات الإدارية التابعة للنظام. ويضع هؤلاء الأشخاص تقاريرهم بحسب ما تمليه عليهم السلطات. ولذلك لا نعرف حالياً تأثير "كوفيد 19".

في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، يُبدي الأشخاص حماسة شديدة لإظهار الأمور كما هي في الواقع. وأحياناً يبالغون لسوء الحظ. ولكنه أمرٌ جيد لفريق العمل الخاص بـ"كوفيد 19" من نواحٍ عدة. أقلّه نحصل على خيوط تدفع بفريق الاستجابة إلى التوجّه إلى المكان والبحث عن أي إشارات أو علامات عن وجود إصابات. وعلى الرغم من هذه الخيوط، لم نسجّل بعد أي إصابات مثبتة بـ"كوفيد 19" في شمال غرب سورية. ولا يعلم فريق العمل الخاص إذا كان السبب هو أننا لم نستطع العثور على المصابين، أو أن المنطقة خالية فعلاً من الإصابات. لا شك في أن اعتماد منظومة ترصّد جيدة يساعد على تحديد الإصابات في مراحل مبكرة، ولكن التبليغ الحالي عن حالات "كوفيد 19" لشبكة الترصّد التابعة لنا يفتقر إلى الفعالية بسبب ضعف إمكانات المرافق الصحية في مجال العناية بالحالات المشتبه بها منذ وصول المريض إلى حين إجراء الفحص له.

ما هي الإجراءات التي يتخذها فريق العمل الخاص بـ"كوفيد 19"؟ 

طلبنا، نحن أعضاء فريق العمل الخاص التابع لمنظمة الصحة العالمية، من السوريين في شمال غرب البلاد ملازمة منازلهم أو تقديم المساعدة إلى الأشخاص الذين لا يمكنهم مغادرة منازلهم. هدفنا هو حماية الفئات الأكثر هشاشة. مؤخراً، تلقّينا من خلال منظومة الترصد التابعة لنا في شمال غرب سورية، معدّات اختبار من منظمة الصحة العالمية للكشف عن الإصابات. هذه المنظومة المعروفة بـ"شبكة الإنذار المبكر والاستجابة للأوبئة" (EWARN) هي المنظمة الميدانية الوحيدة التي تحصل على معدات اختبار، وتجهيزات وتدريبات تُفيد منها جميع المنشآت الصحية من أجل تحديد الأشخاص المصابين بوباء "كوفيد 19". كنت من المؤسّسين الأساسيين لهذه المنظومة في عام 2013، والتي ساعدتنا على مكافحة تفشّي شلل الأطفال في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه. تعمل شبكة الإنذار المبكر والاستجابة للأوبئة على ترصّد الأمراض المعدية، وتعزيز آليات التبليغ في المرافق الصحية، وإدارة اللوجستيات المتعلقة بأخذ العيّنات وإجراء الفحوص، وإعداد تقارير منتظمة لوصف الوضع الوبائي في المنطقة. وتعمل الشبكة أيضاً على نشر الوعي، وتُشارك في أنشطة الاستجابة. خلال تفشّي مرض شلل الأطفال، أطلق فريق من الأطباء السوريين والمتطوعين في القطاع الصحي، ومنهم أنا، مجهوداً تنسيقياً مع وكالات الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والمنظمات الأهلية الدولية والمحلية لإنشاء فريق العمل الخاص بالسيطرة على شلل الأطفال، والذي تولّى قيادة آلية مكافحة المرض بالتنسيق مع الجهات المانحة المختلفة. 

اتّبعنا المقاربة نفسها لإطلاق فريق العمل الخاص بـ"كوفيد 19" الذي يعمل الآن انطلاقاً من تركيا. يتّسم هذا المجهود بالفعالية لأن هيئة واحدة تتولى مختلف جوانب التنسيق، ما يعني أنه بإمكان جميع المانحين التعامل مع جهة واحدة. نستخدم المنظومة المعتمدة من شبكة الإنذار المبكر والاستجابة للأوبئة والمؤلّفة من مسؤولين وأطباء وصيدلانيين ميدانيين خضعوا للتدريب في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، ويقوم هؤلاء بجمع المعلومات من مختلف المرافق الصحية الميدانية. يرفع هؤلاء العاملون في القطاع الصحي تقارير إلى منظومة الشبكة على أساس يومي وأسبوعي انطلاقاً من نحو 550 مرفقاً صحياً من مستويات مختلفة صغيرة ومتوسطة ومتقدّمة في جميع أنحاء المنطقة الواقعة شمال غرب البلاد. ولكن المنشآت ليست مجهّزة كما يجب، وتقتصر المعايير الصحية فيها على الحد الأدنى. وبالكاد تتمكّن من تأمين العناية اللازمة للمرضى المصابين بأمراض مزمنة أو المرضى الذين يحتاجون إلى عمليات جراحية. ولذلك من شأن أي تحدٍّ جديد أن يؤدّي إلى انهيارها بالكامل. ولم تحصل هذه المرافق الصحية على أي دعم إضافي من تركيا أو من فريق العمل الخاص بـ"كوفيد 19". فقد اقتصر الدعم على معدّات الاختبار وبعض الإرشادات التقنية. وفيما خلا ذلك، السكان المحليون وعامة الناس هم مَن يتولون حالياً إدارة الأشخاص المتواجدين على الأرض. هذا كل شيء. هناك بعض التبرعات، ولكنها محدودة جداً.

يُعتقَد أن الجهوزية تعني توافر عدد كافٍ من المستشفيات والأسرّة، وتحديد الأعداد الدقيقة للإصابات المثبتة. هذه الأهداف أساسية، لكن في الوقت نفسه، حملات التوعية وجهود التعبئة الاجتماعية هي التي ستساهم فعلاً في مكافحة الفيروس. يستطيع هذا الفيروس الانتشار وبلوغ مستويات تعجز أي منظومة رعاية صحية في العالم عن التعامل معها. نحتاج إلى مزيد من التعبئة الاجتماعية وحملات التوعية، بحسب ما يقول خبراء الصحة العامة. يجب إشراك الجمهور كي يفهم خطورة هذه المسألة، وينخرط فعلياً في إعداد خطط التدخل، ويدلي بآرائه وتعليقاته في المراحل الأولى. لهذا ينكبّ فريق العمل الخاص على ابتكار وصلات بينية مرتكزة على الجمهور وموجَّهة إليه ليتمكّن الناس من متابعة المستجدّات. علينا أن نشرك الأشخاص من مختلف المجتمعات والخلفيات والإثنيات والأديان. يجب أن تكون جميع هذه المجموعات جزءاً من عملية تصميم آلية التدخل والاستجابة. القيادة مهمة جداً في هذا المجال. يجب أن يساعد الأشخاص بعضهم بعضاً من أجل ملازمة منازلهم، لأنه لا يمكننا أن نطلب من السوريين أن يلازموا منازلهم فحسب. ثمة عدد كبير من النازحين داخلياً، ومن الأشخاص المتقدّمين في السن، والفقراء الذين ليس لهم مكان يقصدونه. تواجه مخيمات النازحين في شمال غرب البلاد الوضع الأشد خطورة بسبب "كوفيد 19". يعيشون في خيَم صغيرة حيث لا يمكنهم المشي أو التحرك إلا عندما يخرجون من الخيمة. ولذلك، جميع سكان المخيّم معرّضون للاختلاط في ما بينهم يومياً. إذا انتشر وباء "كوفيد 19" في هذه المخيمات، فسوف نكون أمام كارثة كبيرة، نظراً إلى الظروف الصحية السيئة وغياب الخدمات الصحية المتطورة. قد نتشارك الفوائد التي نحققها من بقاء الناس في منازلهم، أو داخل خيمهم، إنما يجب أن نتشارك أيضاً التكاليف المترتبة عن الطلب من الفئات الهشّة ملازمة منازلها، ينبغي علينا أن نتشارك مسؤولية تقديم المساعدة إليهم. 

كيف سيغيّر الفيروس العلاقة بين المواطنين وقادتهم، في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام وتلك الخاضعة لسيطرة المعارضة على السواء؟ 

في 2013-2014، أفضت أزمة شلل الأطفال إلى تعزيز العلاقة بين المدنيين وقادتهم في جميع المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة شمال البلاد، من اللاذقية وصولاً إلى الحسكة ودير الزور. لقد ساهمت هذه الأزمة إلى حد كبير في تعزيز الإدارة المدنية في مقابل الإدارة العسكرية في هذه المنطقة. وقد محض الناس ثقة عميقة لقادتهم في هذه المنطقة. والسبب هو أن المسؤولين اتخذوا القرارات الصحيحة، وتحلّوا بالمسؤولية، وعملوا بلا كلل. سرعان ما التفّ الناس حول قيادتهم وتبنّوا آليات التدخل والحملات التي أطلقتها المؤسسات ذات الإدارة المدنية في شمال سورية. ولكن يمكن تسييس الأزمة. إذا لم تقدّم الأمم المتحدة دعماً فعالاً لهذه المنطقة، على غرار الدعم الذي تمنحه لدمشق، سوف يخسر جميع الأفرقاء الذين يعملون على مواجهة الأزمة، ثقة المواطنين التي بُنيت على مر السنوات الماضية على مستوى القيادة المحلية في قطاع الرعاية الصحية في هذه المنطقة. نتخوّف من حدوث ذلك في هذه المرحلة الحسّاسة جداً التي نحتاج فيها جميعنا إلى التعويل على هذه الثقة وهذه العلاقة لإقناع الرأي العام باتّباع توصيات منظمة الصحة العالمية.

الوضع مختلف في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، فالعلاقة هي ذات طبيعة مختلفة. يقرر النظام ما ينبغي على الناس فعله ويأمرهم بالتنفيذ، من دون أن تكون هناك أي ثقة بتاتاً؛ لا نتوقع التزاماً حقيقياً من الجمهور هناك. أما في مناطق المعارضة، فالناس لا يزالون يهتمون بالحفاظ على هذه العلاقة. نعم، الوضع كارثي في هذه المنطقة، ولكن المواطنين لا يزالون يتمتعون عموماً بهامش من الحرية والحقوق. 

ما هو التأثير الذي تتوقعونه على المنطقة الواقعة شمال غرب سورية في المدى الطويل؟ 

يجب أن تركّز الاستراتيجية المعتمدة في شمال غرب سورية على المراحل الأولى للاستجابة، أي التوعية، ووقف انتشار الفيروس، ومساعدة الفئات الأكثر هشاشة، مثل المتقدّمين في السن، والفقراء، والنازحين في المخيمات عند الحدود التركية. لا نريد أن نصل إلى مرحلة نقول فيها للمصابين: "علينا أن نرى أولاً الإمكانات المتبقّية في مستشفياتنا". إنها مرحلة خطيرة. عندئذٍ سوف نخسر المعركة. ونحن لا نملك الإمكانات اللازمة في المنظومة الصحية المنهَكة أصلاً والتي تعاني من نقص شديد في التجهيزات. لا يمكننا المجازفة بإلقاء عبء زائد على الجهات القليلة المتبقية في مجال الرعاية الصحية وتحميلها أكثر من طاقتها. 

في المجمل، سورية معزولة أصلاً. والمنطقة الواقعة شمال غرب البلاد معزولة أيضاً. لن يذهب أحد إلى هناك بهدف السياحة. وحدهم عمّال الإغاثة الإنسانية يُسمَح لهم رسمياً بدخول المنطقة والخروج منها. ثمة قوائم محددة جداً من الأشخاص الذين يستطيعون دخول المنطقة والخروج منها، وتخضع هذه القوائم لسيطرة تركيا. تتولى الحكومة التركية مراقبة حركة الدخول إلى هذه المنطقة والخروج منها، وتتحكّم بها، ولكن في الوقت نفسه، علينا العمل للحؤول دون دخول الفيروس إلى المنطقة. فإذا دخل إليها [شمال غرب سورية]، سيكون الوضع سيئاً للغاية.

الدكتور خالد الملاجي طبيب سوري مقيم في تورنتو ومستشار رفيع المستوى في المنظمة الدولية للإغاثة الطبية المستدامة، وعضو في فريق العمل الخاص التابع لمنظمة الصحة العالمية والمعني بانتشار "كوفيد 19" في شمال غرب سورية. برز اسمه من خلال الجهود الريادية التي قادها لتلقيح 1.4 مليون طفل سوري خلال تفشّي شلل الأطفال في 2013-2014.

ساندي القطامي زميلة مبتدئة في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي. أجرت هذه المقابلة لـ"صدى".