في 21 أبريل الماضي، وافق مجلس النواب، بصورة نهائية، على إدخال تعديلات جوهرية بقانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958، ليصدر الرئيس السيسي بعدها، وتحديدا في 27 أبريل، قرارا، بإعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد بدءا من 28 أبريل، لمدة ثلاثة أشهر، بدعوة مواجهة الظروف الأمنية والصحية الخطرة التي تمر بها البلاد وبخاصة تفشي فيروس كورونا. استغل النظام المصري جائحة كورونا لتمرير تعديلات جديدة على قانون الطوارئ بإضافة مواد جديدة تسمح باعتقال الجيش للمدنيين وتوسيع اختصاصات القضاء العسكري في محاكمة المدنيين، فضلا عن زيادة صلاحيات السيسي، بدعوة الحفاظ على الأمن ومواجهة تفشي فيروس كورونا.

ولم تكتف السلطات بمواد القانون الذي يتمتع بسمعة سيئة طيلة العقود الماضية، لما يحتويه من مواد تجيز للسلطات ممارسة كافة أوجه القمع تجاه المواطنين، بدءا من منع التظاهرات والاحتجاجات، مرورا بحملات القبض والاعتقال لكل من يعارض النظام ودون إذن من النيابة المختصة، وصولا لمصادرة أموال السياسيين والمعارضين للسلطة؛ بل أضافت مواد جديدة من شأنها توسيع صلاحيات القضاء العسكري في محاكمة المدنيين، وتغول أكثر للمؤسسة العسكرية في البلاد.

 تنص التعديلات الجديدة، التي أقرها مجلس النواب بالتصويت المباشر وبموافقة الأغلبية البرلمانية التابعة للنظام، على يكون لضباط القوات المسلحة ولضباط الصف اختصاصات مأموري الضبط القضائي، ما يسمح لهم بالقبض على المواطنين واعتقالهم أو مصادرة أموالهم أو ممتلكاتهم دون إذن مسبق من النيابة المختصة. وتعطي التعديلات الجديدة أيضا النيابة العسكرية الحق في إجراء التحقيقات في الوقائع والجرائم التي يتم ضبطها بمعرفتهم، والتي يرتكبها المدنيون، دون إعطائهم الحق في الوقوف أمام قاضيهم الطبيعي.ليس هذا فحسب، بل أتاحت التعديلات لرئيس الجمهورية صلاحيات إسناد الاختصاص بالتحقيق في الجرائم التي تخالف قانون الطوارئ إلى النيابة العسكرية. ونصت أيضا على تعديل تشكيل محكمة أمن الدولة العليا طوارئ ليضم تشكيلها قضاة عسكريين بصفة دائمة. كل هذه الإجراءات تأتي في إطار السياسة الممنهجة لتحقيق مزيد من التغول للقوات المسلحة داخل البلاد، وتوسيع صلاحيات القضاء العسكري في محاكمة المدنيين، في إهدار كامل لكافة الحقوق المدنية والدستورية التي يكفلها الدستور المصري، حيث ينص في مادته الـ 204 على أنه لا يجوز محاكمة مدنى أمام القضاء العسكرى، إلا فى الجرائم التى تمثل اعتداءً مباشرًا على المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة.

 إن هذه السياسة الممنهجة لسيطرة القوات المسلحة على مفاصل الدولة، من مشروعات التنمية الاقتصادية التي تضخمت في عهد السيسي، وترهيب المعارضين بمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، ليست وليدة اللحظة، فمنذ أن تولى السيسي السلطة في 2014 ويسعى لإحكام القوات المسلحة قبضتها وسيطرتها على البلاد، ففي أكتوبر من العام ذاته، وبعد شهور قليلة من توليه السلطة، أقر قانون يتيح للقوات المسلحة مشاركة أجهزة الشرطة في تأمين وحماية المنشآت العامة والحيوية بما في ذلك محطات وشبكات أبراج الكهرباء، وخطوط الغاز وحقول البترول وخطوط السكك الحديدية وشبكات الطرق والكباري وغيرها من المنشآت والمرافق والممتلكات العامة وما يدخل في حكمها، واعتبار أن هذه المنشآت في حكم المنشآت العسكرية. ونص القانون المسمى بـ”قانون تأمين وحماية المنشآت العامة“ والحيوية على أن تخضع الجرائم التي تقع على هذه المنشآت والمرافق تحت اختصاص القضاء العسكري، وعلى النيابة العامة إحالة القضايا المتعلقة بهذه الجرائم إلى النيابة العسكرية المختصة. ما يعني أنه في حالة قيام أي مواطن بإحداث تلفيات في طريق عام، يتم تحويله إلى القضاء العسكري.

وفي تقرير لمنظمة هيومن رايتس واتش، قالت إن 7420 مدنيا مصريا على الأقل قد حوكموا في محاكم عسكرية منذ أكتوبر 2014. وأن عددا كبيرا من المتهمين اتُهموا بالمشاركة في مظاهرات غير قانونية أو عنيفة، وكذلك الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمون أو دعمهم، منذ يوليو 2013، عندما سقط حكم الرئيس الراحل محمد مرسي. وما يؤكد أن نهج القوات المسلحة يعتمد على السيطرة الكاملة على البلاد حتى لو على حساب الدستور أو إهدار لحقوق المواطنين السياسية والمدنية، قام المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي كان السيسي عضوا به، بالقبض على نحو 12 ألف مدنياً وقدمهم للقضاء العسكري، منذ أن تولت مهام الشرطة في 28 يناير 2011، بحسب هيومن رايتس ووتش، في تقرير نشرته في  10 سبتمبر 2011. وقالت المنظمة إن هذا العدد يفوق إجمالي المدنيين الذين خضعوا لمحاكمات عسكرية خلال ثلاثين عاماً، هي عهد مبارك.

وبالعودة لقانون الطوارئ الممقوت، الذي يجيز اعتقال المواطنين ومحاكمتهم عسكريا، فبدء العمل به منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، في أعقاب هزيمة يونيو 1967، ليستمر العمل به طوال عهد الرئيس الراحل أنور السادات ليقرر رفعه في مايو 1980.  لكن هذه الفترة لم تطل لأكثر من 18 شهرا فقط، حيث فرضه الرئيس الراحل حسني مبارك، على البلاد، واستمر العمل به حتى مايو 2012 قبل تولي محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين رئاسة البلاد في يونيو من العام ذاته.  وتوقف العمل بالقانون منذ ذلك الحين، حتى فرضه الرئيس السيسي في أبريل 2017، حيث أصدر في 9 أبريل قرارا رقم 157 لسنة 2017 بفرض حالة الطوارئ بعد أحداث التعدي على على كنستَين بطنطا والإسكندرية؛ بدعوة حماية البلاد من الإرهاب والتطرف. ومنذ ذلك الحين، تطبق السلطات حالات الطوارئ بشكل متواصل، دون انقطاع.

ولأن دستور 2014 في مادته الـ 154، قيد فرض حالة الطوارئ لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، والسماح بمدها لمدة أخرى مماثلة فقط.  بعد موافقة ثلثي عدد الأعضاء،  لتصبح المدة الإجمالية ستة أشهر فقط؛ يتحايل النظام على هذا القيد، بترك فاصلا زمنيا بعد كل مدة، قد يكون يوما واحدا أو عدة أيام، قبل فرضها من جديد، ليواصل تمديدها 12 مرة على التوالي. وفي محاولة لإظهار أن التعديلات تستهدف مواجهة تفشي فيروس كورونا والظروف الصحية التي تمر بها البلاد، نصت التعديلات على اتخاذ بعض التدابير لمواجهة تفشي فيروس كورونا، حيث نصت على تعطيل الدراسة بالمدارس والجامعات والمعاهد وتعطيل العمل وتأجيل سداد مقابل خدمات الكهرباء والغاز والمياه وغيرها.

وقالت الحكومة في بيان لها، إنّ التدابير الممنوحة لرئيس الجمهورية بموجب القانون مردّها "تعرّض الأمن والنظام العام في الأراضي المصرية أو في منطقة منها للخطر، والغاية من تقريرها هي المحافظة على أمن الوطن والمواطنين معاً". ودفعت هذه التبريرات العديد من المنظمات الحقوقية في مصر، إلى مهاجمة السلطات واتهامها بـاستغلال جائحة كورونا كمبرر لتعديل قانون الطوارئ  المعيب بما يضمن ترهيب المواطنين وإهدار حقهم في الوقوف أمام قاضيهم الطبيعي، دون توفير أي ضمانات لحماية المواطنين من بطش السلطات الأمنية وتعدياتها بحجة حالات الطوارئ.

واعتبرت قوى المعارضة في البرلمان، أن استمرار فرض حالة الطوارئ لسنوات متواصلة هو التفاف صريح على أحكام الدستور، ويُقيد كل أشكال العمل السياسي، ويُستخدم كذريعة قانونية في اعتقال المعارضين وإجراء التحقيقات معهم، من دون أسباب أو مبررات حقيقية لذلك. إن استمرار النظام المصري في سياساته بتكميم أفواه المعارضين، والتوسع في محاكمة المدنيين عسكريا لترهيب أي أصوات تنادي بالديمقراطية، من شأنه أن يرسخ للدولة الديكتاتورية، ويقضي على أي آمال لأقامة دولة مدنية حديثة.

 محمود خالد صحافي مصري متخصص في الشؤون العربية والدولية.