خلال اجتماع اللجنة الدستورية في آب/أغسطس 2020، وهي الهيئة التأسيسية التي تتولى الأمم المتحدة تيسيرها من أجل اعتماد دستور جديد لسورية في إطار عملية السلام، كان غياب المساواة الجندرية واضحاً. فالنساء لم يشكّلن سوى ثلاثة عشر عضواً فقط من أصل 45 عضواً في لجنة الصياغة. تتألف اللجنة من ثلاثة وفود منتدَبة عن النظام والمعارضة والمجتمع المدني، ولكل وفد خمسة عشر عضواً، وقد تخلّفت جميعها عن تأمين التمثيل للمرأة بالتساوي. فقد ضم وفد المجتمع المدني سبع نساء، ووفد النظام أربع نساء، ووفد المعارضة امرأتَين. يسلّط غياب المساواة في التمثيل الضوء على المقاومة الأيديولوجية لمشاركة المرأة المجدية، لا سيما في صفوف النظام والمعارضة في سورية.

يحول غياب المساواة، مثلما حدث خلال عملية أستانة الفاشلة، دون مشاركة مجدية للمرأة، وقد أسفر عن مشاركة سطحية في عمليات السلام، حيث إن حضور المرأة في الوفود التفاوضية يشكّل بصورة أساسية مسعى لاسترضاء المجتمع الدولي. وليس تخلُّف النظام والمعارضة عن توفير فرص قيادية مجدية للمرأة بالأمر غير المتوقع. ولكن بحسب ما تظهره تجربة اللجنة الدستورية، تسبّبَ إخفاق الأمم المتحدة في ضم النساء إلى وفودها في عملية السلام في جنيف، بتقويض شرعية قرارها المتعلق بمشاركة النساء في عمليات السلام (UNSCR 1325). وهذا يُفاقم من محدودية القدرة التي تملكها الأمم المتحدة لمساءلة نظام الأسد والمعارضة على أساس المعايير الجندرية الدولية والتأثير الفريد الذي يمارسه النزاع على النساء بشكل خاص.

ثمة إدراكٌ واسع لقدرة النساء على تعزيز جهود حفظ السلام وتحسين فعاليتها. فقد خلصت دراسة حديثة إلى أن اتفاقات وقف إطلاق النار تملك حظوظاً أكبر بنسبة 35 في المئة في أن تستمر لمدة خمسة عشر عاماً على الأقل في حال مشاركة النساء في المفاوضات. وقد توصّل تحليل كمّي شمل 156 اتفاق سلام إلى أن مشاركة النساء المحليات في مفاوضات السلام زادت من احتمال توقُّف العنف في غضون عامٍ واحد بنسبة 24.9 في المئة.[1] وعلى الرغم من هذه الإثباتات، شكّلت النساء، في المعدّل، 13 في المئة فقط من المفاوضين، و6 في المئة من الوسطاء، و6 في المئة من الموقّعين في عمليات سلام أساسية في مختلف أنحاء العالم بين عامَي 1992 و2019.

لقد كان للحرب السورية أثرٌ فريد على النساء. من شأن المساواة الجندرية في جهود السلام والتنمية أن تساعد على معالجة الديناميات الجندرية المتحوِّلة في سورية وتساهم في بناء مجتمع يتّسم بالمساواة بعد الحرب.

أصبحت النساء، خلال النزاع السوري، مُعيلات أساسيات في منظومة غير مجهّزة كما يجب لتأمين الخدمات الرئيسة التي يحتجن إليها من أجل البقاء. ويعود ذلك جزئياً إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا في صفوف الرجال خلال الحرب، ويُشار في هذا الصدد إلى أن المرأة باتت مسؤولة عن نحو ثلث الأسر في سورية، ونحو 40 في المئة من الأسر السورية في الأردن، و50 في المئة من الأسر السورية في اليونان. تسعى هؤلاء النساء جاهدات لتغطية التكاليف الأساسية لعائلاتهن، ويتحمّلن مسؤوليات هائلة، وقد أصبحت كثيرات منهن معيلات الأسرة بسبب وفاة الذكور في العائلة أو دخولهم السجن أو نزوحهم. وقد وجدت المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، في توثيقها مشاعر النساء السوريات بشأن هذا التغيير، أن نحو 95 في المئة من النساء في البلدان المضيفة، حيث تتقاضى النساء السوريات أجراً أقل من نصف الأجر اليومي للرجل، وجدت أن هذا التغيير في الدور هو أمرٌ سلبي. لدى النساء السوريات فرص أقل من الرجال في العمل، وغالباً ما يعتمدن على المساعدات. وتواجه النساء العاملات خطراً متزايداً بالتعرض للعنف، وقد تسببت هذه المشقات الاقتصادية بصعوبات عدّة، منها زيادة معدلات زواج الأطفال.

إضافةً إلى هذه التحديات، طالبت النساء السوريات بإشراكهن في عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة. في عام 2000، أقرّت الأمم المتحدة القرار رقم 1325 الصادر عن مجلس الأمن حول المرأة والسلام والأمن، وأوصت بأن تشكّل المرأة ما لا يقل عن 30 في المئة من المشاركين في محادثات السلام في عام 2002. صحيح أنه ليس بإمكان الأمم المتحدة أن تُجبر الوفود على التقيّد بالقرار 1325 ولا أن تفرض حصصاً جندرية، ولكن إخفاقها في إشراك المرأة على نحوٍ مستمر في وفودها خلال عملية السلام السورية تسبّب بتقويض شرعية القرار 1325. بعيد الجولة الأولى من محادثات السلام بقيادة الأمم المتحدة في عام 2012، أصدرت المنظمة العالمية بيان جنيف 1 الذي ينص على أنه "من الواجب أن تُمثَّل المرأة تمثيلاً كاملاً في جميع جوانب العملية الانتقالية".

ولكن هذه المحادثات خلت تماماً من المشاركة النسائية قبل عام 2016، وذلك على الرغم من الحراك الذي يقوم به أفرقاء فاعلون في المجتمع المدني السوري في هذا المجال. وقد استضافت هيئة المرأة التابعة للأمم المتحدة مؤتمراً ليومَين في جنيف ابتداءً من 11 كانون الثاني/يناير 2014، وشاركت فيه نحو خمسين امرأة سورية. وطالبت المشارِكات الأمم المتحدة بممارسة ضغوط على الأفرقاء المفاوِضين لضمان مشاركة المرأة الفاعلة "في جميع الفرق واللجان التفاوضية بنسبة لا تقل عن 30 في المئة طوال مدّة العملية التفاوضية". وفي 17 كانون الثاني/يناير 2014، تحدّثت قياديات في المجتمع المدني السوري أمام مجلس الأمن في اجتماعٍ مغلق طالبن فيه، على ما يُزعَم، بإشراك المرأة على نحوٍ مجدٍ في محادثات جنيف 2 وعمليات السلام الانتقالية. ولكن في محادثات جنيف 2 التي انطلقت بعد خمسة أيام من الاجتماع المغلق، لم تكن هناك امرأة واحدة في وفود الأمم المتحدة والنظام والمعارضة. وحينما كانت المرأة ممثَّلة في الوفود، كان مستوى التمثيل ضئيلاً جداً لناحية العدد، فقد شكّلت النساء 15 في المئة فقط من وفدَي المعارضة والحكومة في محادثات جنيف في كانون الأول/ديسمبر 2017. إضافةً إلى ذلك، وعلى الرغم من التصريحات العلنية التي تصدر عن الأمم المتحدة بشأن أهمية إشراك المرأة، تضمنت نسبة واحد في المئة فقط من نقاشات مجلس الأمن عن سورية في عام 2019 إشارات إلى مشاركة المرأة.

في المقابل، اختارت الأمم المتحدة ثلاثاً وعشرين امرأة من أصل خمسين عضواً في تكتّل المجتمع المدني في اللجنة الدستورية المؤلَّفة من 150 عضواً، وسبع نساء من أصل خمسة عشر عضواً يمثّلون المجتمع المدني في لجنة الصياغة المؤلّفة من 45 عضواً. تُجسّد هذه الأرقام التزام المجتمع المدني السوري والأمم المتحدة بمشاركة المرأة، وهو ما كان يجب إظهاره منذ صدور القرار 1325. وفي حين كانت الخطوة التي أقدمت عليها الأمم المتحدة بإنشاء المجلس الاستشاري للمرأة السورية موضع ثناء، إلا أنه بقي مجهوداً سطحياً في نهاية المطاف. وبما أن المجلس هو هيئة استشارية اختارها أفرقاء فاعلون غربيون، فهو لا يشارك في محادثات السلام، وليس ثمة ضمانة بأن التوصيات الصادرة عنه سوف توضَع موضع التطبيق. كان بإمكان الأمم المتحدة زيادة فاعلية المجلس الاستشاري للمرأة من خلال إشراك سوريين في لجنة الاختيار وجعله هيئة منتدَبة.

في غضون ذلك، استخدم النظام والمعارضة المرأة أداةً في عمليات السلام لتعزيز مكانتهما الدولية فيما يقوّضان تكراراً تمكين المرأة ويتسببان بتفاقم اللامساواة الجندرية. ويتجلى عدم التزام النظام بالمساواة الجندرية من خلال القوانين التمييزية، بما فيها العقوبة المخفَّفة لمرتكبي جرائم الشرف، وغياب المرأة في الميدان السياسي، وفشل النظام في تنفيذ المبادرات الهادفة إلى تحقيق المساواة الجندرية.

لقد تعهدت الحكومة السورية بزيادة نسبة مشاركة المرأة في الحياة العامة وصناعة القرارات إلى 30 في المئة في إطار توصيات اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة (سيداو) في عام 2005. ولكن في عام 2020، تشغل المرأة 13 في المئة فقط من المقاعد النيابية، أي أقل من المعدّلَين العالمي والإقليمي.

وقد أظهرت المعارضة أيضاً عدم التزامها بالمساواة الجندرية. فقد عمدت وفود المعارضة إلى تهميش المرأة في عملية السلام من خلال معاملتها على أنها خبيرة، لا مندوبة، فاجتزأت مهارات النساء وسحبت المساواة الجندرية من النقاش الأوسع. وقد صرّح المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سورية سابقاً، ستيفان دي ميستورا، في عام 2016 أنه على الرغم من أن الوفود المعارِضة تضم نساء، "فهنّ لا يتكلّمن. لا يُسمَح لهن بالكلام، أو لا يحصلن على فرصة للتدخل"، مضيفاً أنهن "على الهامش. ويُنظَر إليهن بأنهن خبيرات أكثر منه مندوبات فعليات". تقول سميرة مبيض، وهي عضو في الهيئة العليا للمفاوضات وفي تكتل المجتمع المدني في اللجنة الدستورية، إن تهميش النساء في عملية السلام يعكس غياب الاقتناع لدى الأفرقاء الفاعلين في سورية بأهمية دور المرأة في هذه المفاوضات. هذا فضلاً عن أن تصوير المرأة في وسائل الإعلام المعارِضة بأنها ضحية يُعزّز الأفكار الجندرية المتحيّزة والنمطية ذات الأثر المؤذي والتي تُشكّل عوائق مهمة أمام مشاركتها الفعّالة. وغياب الاقتناع متجذّرٌ في تاريخ طويل من تهميش المرأة في سورية، ولذلك من واجب الأمم المتحدة أن تُقدّم نموذجاً يحتذى في تعزيز عملية سلام قائمة على المساواة الجندرية.

لقد ساهمت الحواجز المجتمعية والقيَم الذكورية في تهميش النساء السوريات في عملية السلام، بيد أن الأمم المتحدة تتسبب بتفاقم هذا التهميش. فقد أخفقت المنظمة في التقيّد بأجندة المرأة والسلام والأمن طوال عملية السلام في جنيف، ما أدّى إلى تقويض شرعية القرار 1325، وقلّص على نحوٍ متزايد قدرة الأمم المتحدة المحدودة أصلاً على مساءلة الدول الأعضاء. لطالما افتقرت مفاوضات السلام إلى المساواة الجندرية؛ فقد خلصت دراسة عن مشاركة المرأة إلى أن النساء وقّعن 13 اتفاقاً فقط من أصل 130 اتفاق سلام بين عامَي 1990 و2014، وإلى أن عدد النساء الموقِّعات لم يشهد زيادة منذ صدور القرار 1325. وقد تطرقت هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أهمية مشاركة المرأة وغياب هذه المشاركة. من أجل العمل على تطبيق مقاربة قائمة على المساواة الجندرية في مفاوضات السلام المقبلة، يجب على الأمم المتحدة أن ترفع مستوى هيئة المرأة فتنقلها من فئة "الكيانات والهيئات الأخرى" وتجعلها جزءاً من "الصناديق والبرامج". تستطيع الأمم المتحدة أن تُدرِج هيئة المرأة، من خلال زيادة إمكاناتها التشغيلية، في مفاوضات السلام الرسمية من أجل ضمان مشاركة المرأة وصونها.

آبي أوكيف باحثة متدرّجة في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

 

[1]  Stone, L. (2014) Women Transforming Conflict: A Quantitative Analysis of Female Peacemaking. Available at SSRN: http://ssrn.com/abstract=2485242 (Accessed November 6, 2020)