في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري أصدر ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة أمراً ملكياً بتعيين ولي العهد نائب القائد الأعلى، الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، رئيسًا للوزراء، خلفًا للأمير خليفة بن سلمان آل خليفة الذي وافاه الأجل في مستشفى مايو كلينك في الولايات المتحدة بعد 49 عامًا قضاها رئيسًا لحكومة البحرين.

ويقطع تعيين ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة في منصب رئاسة الوزراء الطريق على العديد من المراهنات داخل الأسرة الحاكمة ويثبت مركزية السلطة والمناصب الثلاثة (الملك/ ولاية العهد/ رئاسة الوزراء) داخل البيت الملكي، خصوصًا ما كان يُثار من جدل حول تصاعد نفوذ فرع الخوالد (أحفاء الشيخ خالد بن علي آل خليفة حاكم الرفاع في عهد حاكم البحرين الشيخ عيسى بن علي آل خليفة ( 1848-1932) وسيطرتهم على العديد من المراكز الحساسة في المملكة.

ويُدشن رحيل الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة فصلًا جديدًا في تاريخ الدولة البحرينية بعد عقود من الخيبات والتراجعات الداخلية، فصلٌ تترأس الحكومة فيه شخصيةٌ عُرف عنها ميلُها للإصلاح في أجهزة الدولة وسياساتها، وإذا ما كان ولي العهد سيحظى بالدعم اللازم؛ داخليًا (موافقة ملك البلاد وتجاوب جماعات المعارضة) وخارجيًا (تشجيع العواصم الغربية وفي مقدمتها واشنطن ولندن) فمن المؤكد أن رئيس الوزراء الجديد سيكون قادرًا على إنجاز مصالحة وطنية جامعة والمضي في إصلاحات سياسية وحقوقية وازنة.

إلى ذلك؛ يبقى الحكم على فترة رئاسة الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة للوزراء منذ عام 1971 محط جدل واسع بين البحرينيين؛ ما بين الإطراء والإشادة بالدور الذي لعبهُ رئيس الوزراء السابق في بناء الدولة وهيكلتها بعد الاستقلال من جهة، والانتقادات التي تتركز على مظاهر الفساد وتراجع حقوق الإنسان ومناهضة الإصلاح والمُعالجات الأمنية العنيفة للحركات المطلبية من جهة أخرى.

من 3 حكومات إلى حكومتين

ويحظى ولي العهد، الذي قاد محاولة لاحتواء الاضطرابات السياسية والأمنية التي عصفت بالبحرين مطلع العام 2011 قبل تدخل قوات درع الجزيرة وقمع الاحتجاجات في دوار اللؤلؤة بالقوة وفرض قانون السلامة الوطنية، بقبول شعبي بين مختلف المكونات المجتمعية، بما فيها "غالبية" المكون الشيعي بشقيه (الموالاة والمعارضة).

ولئن كان من الممكن رصد أصوات مُعارضة وجهت انتقادات لقرار الدمج بين منصبي ولاية العهد ورئاسة الوزراء مُطالبةً بإقرار حكومة منتخبة في البلاد أو الفصل بين المنصبين، إلا أن غالبية المكون الشيعي (المُعارض) تميل إلى اعتبار تعيين ولي العهد بارقة أمل وعاملًا محفزًا نحو إنجاز مصالحة وطنية داخلية تستطيع أن تطوي سنوات المُر في العشرية الأخيرة، مصدر هذا التفاؤل يعود إلى مجمل الأدوار التي لعبها ولي العهد الأمير سلمان بن حمد والتي غالبًا ما كان يؤثثها بخطاب وطني جامع بين كل البحرينيين، يتجلى ذلك في قيادته للجهود الحكومية في مواجهة جائحة كورونا وكذلك مبادرة فريق البحرين حيث استطاع أن يخترق جماعات المعارضة وشارعها وصولًا لطلب هذه الجماعات وحثها لشارع المعارضة على التجاوب التعاون مع إدارة ولي العهد، وهو مشهد لم تألفه البحرين منذ بدء أزمتها السياسية مطلع العام 2011.

فيما يتعلق بالجانب الإجرائي، يمتلك ولي العهد ورئيس الوزراء البحريني الجديد خبرة في العمل الحكومي تمتد لأكثر من 20 عامًا، وكان مجلس التنمية الاقتصادية، الذي تأسس في العام 2000، النافذة التي أطل منها ولي العهد على البحرينيين لتنفيذ "رؤية 2030" وقيادة إصلاحات اقتصادية واسعة لجذب الاستثمارات الخارجية إلى المملكة وإصلاح سوق العمل، وهو ما خلق في بعض الأحايين تصادمًا بين فريق ولي العهد في مجلس التنمية الاقتصادية والوزراء المعنيين في مجلس الوزراء. وقتئذ؛ كشفت هذه الخلافات وتضارب السياسات والروئ بين هذه المؤسسات عن وجود ثلاث حكومات مُتصارعة داخل جسد الدولة: حكومة الملك (تختص بإدارة الملف العسكري والأمني وملف العلاقات الخارجية)، وحكومة ولي العهد (تختص بالملف الاقتصادي والاستثمار)، وحكومة رئيس الوزراء (تدير بقية الوزارات الخدمية).

تبع ذلك تعيين ولي العهد في منصب النائب الأول لرئيس الوزراء مطلع عام 2013 وتلقى الأمير سلمان بن حمد آل خليفة دعمًا وازنًا من ملك البلاد مكنهُ من الإشراف بشكل كامل على جميع أعمال الحكومة وتسيير أعمالها، ومد صلاحياته لتشمل تعيين المدراء والمسؤولين التنفيذيين في مختلف وزارات الحكومة. هذا التعيين كان الرسالة الأكثر وضوحًا ومباشرة من ملك البلاد بأن ولي العهد هو المرشح الأوفر حظًا بالوصول إلى رئاسة الوزراء، من جهة أخرى، كان ذلك التعيين إنهاءً فعليًا لدور رئيس الوزراء الذي بقي بروتوكوليًا في منصبه حتى اليوم الأخير من حياته.

الإصلاح السياسي: المحفزات والتحديات

قبل الحديث عن السيناريوهات المتوقعة خلال المئة يوم الأولى من حكومة ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، يجدر بنا ملاحظة أن بعض الملفات، بل وأهمها، لن تكون خاضعة لإرادة حكومة ولي العهد الجديدة. في مقدمة هذه الملفات ملف العلاقات الخارجية (وزارة الخارجية) والملف العسكري والأمني (المجلس الأعلى للدفاع، قوة دفاع البحرين، وزارة الداخلية وجهاز المخابرات) التي ستبقى تحت إشراف وتوجيه الديوان الملكي بشكل مباشر.

سياسيًا، يمكن القطع بأن فضاءات ومساحة التقدم الذي ستحرزه حكومة ولي العهد المقبلة خلال المئة يوم الأولى يحتاج إلى موافقة الملك ومباركته، خصوصًا في ملف العلاقة مع تنظيمات المعارضة أو إلغاء أحكام الإعدام التي تنتظر تصديق الملك أو الإفراج المشروط عن المزيد من المحكومين السياسيين في البلاد، ومنهم قادة المعارضة.

لا شك أن الملك وولي العهد سيكونان حريصان على تقديم وتسويق حكومة الأخير باعتبارها حكومة تنتهج سياسات إصلاحية محورية ومؤثرة على حياة البحرينيين، وهو ما يجعل معالجة الملف السياسي والأمني أمرًا لا مفر منه. بالتزامن مع ذلك، يجب النظر باهتمام إلى معالجة الآثار الاقتصادية لجائحة كورونا وارتفاع الدين العام للدولة والتقدم في برنامج التوزان المالي، وهو ما يتطلب من رئيس الوزراء الجديد أن يعمد لوضع تشكيلة حكومية جديدة يستبعد منها الوجوه القديمة وضخ دماءً جديدة تستطيع المضي قدمًا في تنفيذ سياسات حكومية جديدة ترتكز على الإصلاح الإداري وترشيد الإنفاق ومواجهة الفساد.

في الجانب السياسي، تُمثل احتفالات البحرين بأعيادها الوطنية في 16 و17 ديسمبر/ كانون الأول المقبل فرصة سانحة أمام ولي العهد لدعم الصورة الايجابية لحكومته عبر خطوات مؤثرة في شارع المعارضة، منها تخفيف عقوبة الإعدام و/أو الإفراج عن بعض المعارضين، إذ ليس ثمة ما يشير إلى أن الإرادة الملكية قد تُعطل مثل هذا التوجه لصالح الحكومة الجديدة. جدير بالذكر أن البحرين قد أصدرت، بمساعدة أمريكية وبريطانية، قانون العقوبات البديلة منتصف عام 2017 الذي أتاح على فترات خلال العامين الماضيين الإفراج عن مئات المحكومين، منهم الحقوقي نبيل رجب، وهو ما رحبت به أوساط محلية ودولية.

 لا تبدو البحرين مستعدة للمضي في سيناريو إصلاح سياسي يمثلُ حركة تصحيحية لمسار المشروع الإصلاحي المتعثر. السيناريو الأكثر منطقية وتوقعًا، هو أن البحرين بحكومة يقف ولي العهد على رأسها، هي أقرب إلى انتهاج مسار تدريجي من الإجراءات الإيجابية نحو تجاوز أزمة 2011 وتخفيف تداعياتها. والمؤكد أنه كلما كانت الأجواء إيجابية حول رئيس الوزراء الجديد كلما كانت قدرتهُ على إحداث اختراقات وازنة داخل المعارضة وشارعها أقرب للحدوث.

حسابات الإقليم الصعبة

تتموضع البحرين خلف محور إقليمي تقودهُ كل من المملكة العربية السعودية والإمارات، وتمثل أبوظبي شريكًا اقتصاديًا استراتيجيًا من خلال ما تؤمنهُ استثماراتها المالية في البلاد من مساعدة وازنة لمالية البحرين التي تعاني من صعوبات جمّة.

فاعلية البحرين داخل هذا المحور تجعل من سياساتها الداخلية جزءًا لا يتجزأ من حسابات هذا المحور ومجمل اشتباكاته الإقليمية، لا يقتصر ذلك على طبيعة العلاقة مع المعارضة التي يمثل المواطنون الشيعة غالبيتها بل يشمل تنظيمات الإسلام السياسي في المكون السني أيضًا، دلالة ذلك؛ سياسة الاستبعاد "التدريجية" التي طالت المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين (جمعية المنبر الإسلامي وجمعية الإصلاح) من مختلف المناصب القيادية في الدولة.

سيكون على حكومة الأمير سلمان بن حمد آل خليفة أن تحافظ على تناغم ما تعتزم عليه من إصلاحات مع ما يفرضه تحالف البحرين الاستراتيجي مع الرياض وأبوظبي من التزامات داخلية وإقليمية. الأهم من ذلك، لن يكون للرياض وأبوظبي أن تعطيا المنامة ضوءًا أخضر للمضي في مصالحة وازنة مع المعارضة أو إصلاحات جذرية دون أن يكون ذلك مرتبطًا، بل ونتيجة لتطورات أو تفاهمات، مباشرة أو غير مباشرة، بين الرياض وأبوظبي وطهران.

على أي حال، ورغم أهمية حسابات الإقليم وصراعات المحاور إلا أنها لن تكون عائقًا أو مصدةً أمام الديوان الملكي أو حكومة ولي العهد في مسار تخفيف أحكام الإعدام المعلقة، خصوصًا أن واشنطن ستعتبر تنفيذ أحكام الإعدام مع قدوم إدارة الرئيس المُنتخب جون بايدن إلى البيت الأبيض إساءة تصرف بالغة من المنامة، كذلك هو الحال، كما ذكرنا، مع فرصة الإفراج عن المزيد من المحكومين السياسيين المنتمين لشارع المعارضة.

ختامًا، تأتي حكومة ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة في توقيت قريب من مواعيد محلية ودولية كبرى، سباق الفورمولا واحد وحوار المنامة في 4 ديسمبر/ كانون الأول وموسم الأعياد الوطنية داخليًا. دوليًا، ستكون البحرين مهتمة بتقديم أوراق اعتمادها لدى الإدارة الأمريكية الجديدة، أواخر يناير المقبل، التي ستعيد ملف حقوق الإنسان إلى سلم اهتمامات وزارة الخارجية الأمريكية والسفارة الأمريكية في المنامة.

تتكامل هذه المناسبات والعوامل، محمولةً بما يتطلع له ولي العهد من التسويق الفعّال لحكومته داخل البحرين وخارجها، لتشكل دافعًا لتُقدمَ الحكومةُ الجديدة ما يجعلها في مستوى انتظارات وترقب البحرينيين والمراقبين الدوليين، ما خلا ذلك، يُمكن اعتبار ما حدث مجرد ترقية للنائب الأول لرئيس الوزراء إلى منصب الرئاسة، وأن الحكومة البحرينية هي في حقيقتها حكومة واحدة؛ مقرها الديوان الملكي.

عادل مرزوق، رئيس تحرير "البيت الخليجي للدراسات والنشر" بالمملكة المتحدة،  تويتر @ADELMARZOOQ.