بات اللجوء إلى المستشفيات في العراق هو آخر الحلول الاضطرارية للمرضى المصابين بفيروس كوفيد-19 في العراق، إذ انتشر الفساد في جميع مفاصل الدولة العراقية، ولم تكن المؤسسة الصحية استثناء من هذا الوضع العام. فعلى الرغم من رفع العقوبات عن العراق منذ أكثر من 17 عاما، إلا أن المؤسسات الصحية لم تشهد تطوراً ملحوظاً يوازي النمو السكاني الحاصل، فعشرات المستشفيات الأهلية الخاصة التي أنشئت في بغداد ليست في مجملها أكثر من محلات طبية صغيرة تهدف إلى الربح أو مراكز تخصصية محدود الأَسِرة. آخر مستشفى حكومي مركزي كبير، يحوي أكثر من 400 سرير، بني في بغداد كان قبل أكثر من 30 سنة، خلال هذه المدة تضاعف عدد سكان العاصمة العراقية. كل هذه العوامل ألقت بظلالها على نوع الخدمات الصحية ووفرتها، فالمرضى قد ينتظرون دورهم لأسابيع أو لأشهر ليتمكنوا من إجراء فحص بالرنين المغناطيسي بأسعار معقولة في أحد المستشفيات الحكومية، أو أن المريض معرض لدفع أضعاف المبلغ في أحد المراكز الخاصة.

وقد فشل كل الوزراء العشرة الذين تعاقبوا على وزارة الصحة بعد سقوط النظام السابق في إحداث تغيير إيجابي يترك بصمة واضحة في أداء المؤسسات الصحية في العراق، أو على الأقل في الاتفاق على وضع خطة تحدد مسارا تراكميا يُنفذ على الرغم من تعاقب الشاغل لكرسي الوزارة. وعلى حد وصف د. علي العنبوري، المتخصص بإدارة الخدمات الصحية والأستاذ المحاضر في كلية طب الكندي، فإن "جميع المحاولات للإصلاح في وزارة الصحة العراقية كانت تنطلق من بواعث شخصية للوزراء أنفسهم دون وجود جهد تراكمي وإرادة سياسية لتأسيس نظام صحي حديث" فقد كان التركيز على شراء واستيراد الأجهزة الطبية والأدوية على حساب بناء نظام صحي متكامل.

ويمكن أن يُعزا هذا الفشل إلى عوامل عدة: منها الفساد الذي استشرى في المنظومة الحكومية وفي وزارة الصحة تحديدا، الأمر الذي ناقشه الرأي العام ونواب البرلمان في أكثر من مناسبة. كما يعزا هذا الفشل إلى حالة التناحر السياسي الذي يدفع الوزراء إلى الزهد بالمشاريع التي تستغرق عدة سنوات، والتي قد يحصد ثمارها خصم سياسي آخر تؤول إليه الوزارة فيما بعد. وبطبيعة الحال، فإن هذه السياسات قد ولدت عجزا في القدرة على توفير بدائل للكوادر الصحية والإدارية القادرة على إعادة بناء المنظومة الصحية، إذ تحولت معظم الوزارات اليوم إلى بؤر حزبية تدار من قبل (أيديولوجيات)، أكثر من كونها مؤسسات مهنية تخصصية.

في فبراير/ شباط الماضي جاءت أزمة كوفيد-19 لتسقط ورقة التوت الأخيرة عن هذا النظام الصحي، ليصبح العراق اليوم في الترتيب الحادي والعشرين عالميا والأول عربيا من حيث عدد الإصابات بالفيروس مع وجود أكثر من نصف مليون إصابة بحسب ما أورد المركز الخبري الوطني العراقي. ووفقا لممثل منظمة الصحة العالمية في العراق د. أدهم إسماعيل فإن العراق دخل ما يسمى بمرحلة التفشي المجتمعي بفيروس كورونا وهي المرحلة الثالثة، محذرا من تفشي الوباء في عموم البلاد.

يأتي هذا في وقت يُشكِّك فيه عدد من المختصين في العراق في دقة هذه الأرقام، حيث يعزو أخصائي أمراض المناعة والأكاديمي العراقي د. أحمد رشدي شكّه في هذه البيانات إلى قلة حالات الفحص اليومي في العراق التي حتى الآن لم تتجاوز 10 آلاف اختبار في اليوم، في وقت بلغت الاختبارات إلى ما يقارب 60 ألف اختبار يوميا في بعض الدول المجاورة. وأشار إلى أن امتناع الناس عن الكشف عن إصاباتهم أو إصابات ذويهم يأتي بسبب ا لإحساس بالعار الاجتماعي والشعور بالعزلة، الأمر الذي فاقم الأزمة وساهم في انتشار المرض الى حد كبير.

وعند سؤاله عن مستوى الثقة لدى المواطن العراقي بالمؤسسات الصحية أجاب د. رشدي بدون تردد قائلا إن " الثقة صفر، العلاج تأخذه من أي صيدلية في الشارع"، وكانت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية قد نشرت تقريرا تناقلته وسائل الإعلام المحلية بكثافة وصفت فيه المستشفيات العراقية بأنها بؤرة لنقل العدوى وانتشار الوباء.

كما أعرب د.رشدي عن توقعاته بقدوم موجة جديدة للمرض مع مطلع ديسمبر 2020، وإن صحت هذه التوقعات فسيكون العراق مقبلا على انهيار تام للمنظومة الصحية، وتحوله إلى بلد موبوء بالكامل، خاصة وأن عدد الأَسِرة العلاجية، حاليا، لا تغطي سوى نصف عدد المصابين، مع ضعف كبير في الالتزام المجتمعي بشروط السلامة الصحية والتباعد الاجتماعي، فعندها تكون (مناعة القطيع) هي كل ما يمكن التعويل عليه!

مطرقة جديدة تضرب " جيب " المواطن في ظل اقتصاد متهالك

تحدث الطبيب المتقاعد عمار زين العابدين، وهو استشاري عناية مركزة ، أشرف على متابعة أكثر من 300 حالة، عن الآثار الاقتصادية وعن مدى كلفة العلاج بالنسبة للفرد المصاب في العراق، في ظل انعدام المؤسسة الصحية المتماسكة وانعدام الدعم والعلاج المجاني وقال إن " العلاج في العراق يعتبر من الأكثر كلفة على مستوى العالم بالنسبة للمريض، إذ تبلغ معدلات الكلفة التي يتحملها المصاب من الدرجة المتوسطة إلى الدرجة الحرجة من 500 إلى 7500 دولار حسب خطورة الحالة التي يصل إليها المريض"، مشيرا إلى "مغالاة بعض العاملين في القطاع الطبي ومبالغتهم في الأسعار مقابل الأدوية وتكاليف الفحوصات في ظل جائحة كورونا".

ويشهد العراق أزمة اقتصادية خانقة نتيجة تراجع أسعار النفط، والذي تعتمد عليه موازنة البلاد بنحو 95% من وارداتها، فضلا عن تقليل حصة العراق التصديرية وفق اتفاق خفض الإنفاق لدول (الأوبك بلس) في أبريل الماضي، حيث أكد وزير النفط التزام العراق بقرار التخفيض حتى نهاية العام الجاري، كاشفاُ في الوقت نفسه عن مفاتحة جميع وزراء منظمة أوبك من المنتجين الكبار في ثلاثة اجتماعات متتالية؛ بشأن طلب إعفاء العراق من هذا الخفض خلال الربع الأول من العام المقبل لطلب المساعدة. وفي حال عدم موافقة دول (الأوبك بلس) على طلب الإعفاء الذي تقدم به العراق فمن المتوقع أن يدخل المواطن العراقي في أزمة جديدة مع الرواتب مطلع العام القادم.

وكانت الحكومة العراقية قد حصلت على موافقة السلطة التشريعية لاقتراض 18.7 مليار دولار لتغطية العجز المالي ودفع رواتب الموظفين حتى نهاية 2020، ليضاف إلى القرض السابق الذي أقره البرلمان في حزيران الماضي بقيمة 17.5 مليار دولار (5 مليار منها قروض خارجية). ويمثل تأخر رواتب القطاع العام، في بلد يشكل القطاع الحكومي 90% من فرص العمل فيه بسبب ضعف القطاع الخاص، شللا شبه كامل في عجلة الاقتصاد المحلي والقطاعات الاستهلاكية المعتمدة بالدرجة الأساس على جيب الموظف الحكومي.

وقد لا تكون الإجراءات التي اتخذها العراق لمواجهة الوباء مختلفة عن الدول الأخرى، لكن ما حدث هو قدرة تلك الدول على القيام مبكراً، والبدء بالأنشطة الاقتصادية التي توفر بالضرورة الوظائف لمواطنيها، وهو ما بدا صعباً لدى الحكومة العراقية، التي لم تجد مشروعات استثمارية، يمكن التعويل عليها في إعادة تنشيط الاقتصاد.1

الضربات تصل عمق الأسرة العراقية

ارتبطت إجراءات مواجهة كورونا بالعزل المنزلي، وإغلاق كافة الجامعات ودور السينما، والملاعب، والمتنزهات، وغيرها من المرافق العامة، وهو ما دفع سريعاً إلى بروز آثار مجتمعية كبيرة، في ظل غياب إجراءات أخرى، مضادة مثل حماية الأطفال والنساء والشرائح الضعيفة من العنف المنزلي، وتسهيل حالات الإبلاغ عن تلك الحالات، وتحديث المنظومة الأمنية بشكل سريع، كاستجابة حتمية، لتفشي الفيروس.

فعلى الرغم من ضعف القاعدة المعلوماتية وندرة البيانات التي توثق حالات العنف، غير أن عددا من التقارير أفاد بتصاعد العنف الأسري في العراق خلال أزمة كورونا، إذ أشار مركز المعلومات العراقي (IIC)، الذي يديره مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع إلى زيادة بلغت نسبتها 44% في عدد البلاغات الخاصة بالحوادث التي وقعت على أساس النوع الاجتماعي.

وتشير بينات صادرة من القضاء العراقي، إلى أن الحجر المنزلي ضاعف قضايا العنف الأسري، وذلك من خلال ملاحظة كثافة الدعاوى الواردة منذ بدء حظر التجول. وتؤشر الإحصاءات إلى ارتفاع كبير في حالات العنف ضد النساء وطال العنف حتى الأطفال وكبار السن، حيث ألقى الإغلاق التام وتردي الوضع الاقتصادي بسبب الجائحة ظلالاً قاتمة على الاوضاع الاجتماعية في البلاد. وتشير إحصاءات رسمية لوزارة الداخلية العراقية، توثيق أكثر من 5 آلاف و229 حالة عنف أسري في عموم البلاد خلال النصف الأول من العام الحالي 2020.

وفي إبريل/ نيسان 2020، طالبت ممثلات المرأة العراقية في البرلمان والحكومة، في بيان مشترك، بالإسراع بسن قانون يجرم العنف الأسري، بعد استشراء الظاهرة مع فرض قيود في البلاد لاحتواء فيروس كورونا. لكن ما يقلق في ذلك أكثر هو عدم إفصاح غالبية النساء اللاتي تعرضن إلى التعنيف على يد الأزواج أو الأخوة، لعدم وضوح إجراءات السلطات المختصة،2 فليس هناك مؤسسات رعاية خاصة بهذه الحالات تلجأ إليها المرأة المعنفة، فضلا عن أن غالب هذه الحالات تكون في مجتمعات عشائرية لا تقبل فكرة مبيت المرأة خارج بيت الأسرة، الأمر الذي ولَدَ ضغطا اجتماعيا مضاعفا على المرأة لعدم الإفصاح عما تعانيه.

ضربت جائحة كوفيد-19 جميع مستويات الشعب العراقي في أكثر من جانب، ورافقها اضطراب سياسي كبير تمثل بإسقاط حكومة عادل عبد المهدي وتشكيل حكومة جديدة في ظل استياء شعبي عارم وصراعات داخلية وإقليمية، ومع إعلان الحكومة الحالية يونيو/حزيران 2021 موعدا لإجراء انتخابات مبكرة فهذا يعني أن التوتر السياسي سيستمر لفترة ليست بالقليلة.

 

عمر المشهداني، كاتب وباحث عراقي، لمتابعته على تويتر   O_Mashhadani@

 

1  مقابلة مع عضو لجنة الاقتصاد والاستثمار في البرلمان العراقي، ندى شاكر جودت، بتاريخ (17/11/ 2020)

2 مقابلة مع قاضٍ في محكمة أحوال الكرخ، رفض الإفصاح عن اسمه لعدم السماح له بالتصريح، (17/ 11/2020).