حافظت الثورة التونسية على مكسبين مهمين أولهما الديمقراطية، بعد تصنيفها من قبل منتدى دافوس الدولي على أنها البلد الديمقراطي الوحيد في العالم العربي، وثانيهما الحرية بعد التصنيف الأخير ل فريدوم هاوس الأمريكي والذي جاءت فيه تونس الدولة العربية الوحيدة المصنفة "حرة" بدرجة 70 بالمائة. لكن بموازاة ذلك تعاني تونس كثيراً من الخسائر التي تعتبر خطرا حقيقيا على الديمقراطية الناشئة. إضافة إلى الصراع السياسي الذي تعيش على وقعه منذ 2011، جاء العام 2020 الذي اعتبر استثنائيا على المستوى الاقتصادي، ليعمق الصراع خاصة بعد سقوط حكومة إلياس الفخفاخ ومنح الثقة إلى الحكومة الجديدة برئاسة هشام المشيشي. تبعات هذا التغيير ظلت تلقي بظلالها على مجلس النواب حتى جاء قانون المالية لسنة 2021 ليفتتح حلقة جديدة من حلقات الصراع بين الائتلاف الحاكم والمعارضة، وصلت إلى الاعتداء الجسدي المباشر تحت قبة البرلمان، وهو ما تسبب في بروز أصوات تنادي بحل البرلمان ونشر الجيش. دفعت الأزمة السياسية عددا من الأطراف إلى الدعوة إلى حوار وطني، لكن الأحزاب المتصارعة سارعت إلى إعلان شروطها قبل الدخول في أي حوار وهو ما يجعل عملية الحوار شيئا يصعب تحققه على أرض الواقع.

ما بعد انتخابات 2019: مرحلة جديدة من الصراعات

كانت انتخابات 2019 بمثابة جرعة من الأكسجين للديمقراطية التونسية، خاصة بعد "حالة الوعي 1 التي انتشرت عقب فوز الرئيس التونسي قيس سعيد. لكن هذه الجرعة سرعان ما خنقت الديمقراطية الناشئة، خاصة بعد ماراثون المشاورات الذي امتد من نوفمبر / تشرين الثاني 2019 إلى شهر فبراير/ شباط 2020، الوقت الذي عجز فيه رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي عن الفوز بثقة البرلمان في المرحلة الأولى، ومن ثم منح الثقة للحكومة الجديدة برئاسة إلياس الفخفاخ في مرحلة ثانية، غير أنها قدمت استقالتها في شهر يوليو/ أيلول 2020 عقب شبهات فساد حامت حول رئيسها. يرى النائب عن حركة النهضة (الائتلاف الحاكم) بالبرلمان محمد القوماني2 أن الصراع في البرلمان هو صراع سياسي وأيديولوجي مضيفا أن " هناك من يؤمن بالديمقراطية لكن بدون حركة النهضة، وهذا واضح بعد رفض حكومة الجملي، وعدم القبول بحكومة ترأسها حركة النهضة، مرورا بحكومة الفخفاخ التي شاركت فيها النهضة ولا تمتلك فيها موقع متقدم رغم فوزها في الانتخابات. والآن، ورغم أن الحكومة الجديدة ليس لها انتماء حزبي، تسعى بعض الأطراف إلى ربطها بالحركة". لكن عبد الرزاق عويدات نائب رئيس الكتلة الديمقراطية في البرلمان3، وهي الكتلة التي تحولت إلى المعارضة بعد سقوط حكومة إلياس الفخفاخ، يرى عكس ذلك. يرى عويدات أن ما يحدث هو استمرار لصراع، بدأ منذ الثورة، حول الخيارات والمقاربات الاقتصادية.  وأضاف أنه " في عام 2014 كان هناك استقطاب ثنائي بين النداء والنهضة وفي النهاية تمكنوا من التوافق لأن لديهم نفس التوجه الليبرالي، اليوم هناك استقطاب ثنائي بين النهضة وحزب الدستوري الحر الذي يحمل نفس التوجه الليبرالي، في المقابل يتم إقصاء أصحاب التصورات الاجتماعية للدولة مثل الكتلة الديمقراطية ". كما يؤكد عويدات أن قانون المالية ليس إلا فصلا من فصول هذا الصراع. صادق البرلمان التونسي في 10 ديسمبر/ كانون الأول 2020 على قانون المالية لسنة 2021. أشعل القانون جدلا واسعا وذلك للامتيازات الجبائية التي رصدها لطرف على حساب طرف آخر.

موازنة 2021: وضع اقتصادي شديد الخطورة

تبلغ الموازنة العامة للدولة التونسية لسنة 2021 حوالي 52.6 مليار دينار ( 19.4 مليار دولار)  بنسبة عجز تقدر ب7.3 بالمائة، وهو ما يستدعي تعبئة موارد اقتراض لتمويل الميزانية بقيمة 19 مليار دينار (7 مليار دولار)،  وعلى هذا الأساس من المنتظر أن يبلغ حجم الدين العمومي 92.7 بالمائة  من الناتج المحلي الإجمالي نهاية سنة 2021 مقابل 90 بالمائة في عام 2020. يعتقد الخبير الاقتصادي محمد الصادق جبنون4 أن تونس تعيش وضعا شديد الخطورة ينبئ بفشلٍ على الصعيد الاقتصادي، ويجعلها دولة متعثرة. وحذر من أنه " إذا واصلنا هكذا، سنجد أنفسنا عاجزين عن سداد الدين الخارجي وندخل في إطار عملية إعادة جدولة الديون وتصبح تونس من الدول المتعثرة مثل زامبيا وهذا أمر خطير جدا ". ستواجه تونس مشكلة في طلب التمويل الخارجي بسبب كلفة الخروج للأسواق العالمية نظرا لتراجع الترقيم السيادي وهو"B" بالنسبة لمؤسسة فيتش رايتنغ و "B2 "بالنسبة لمؤسسة موديز مع أفق سلبي وهو ما سيرفع من نسب الفائدة. قال وزير المالية الأسبق حسين الديماسي5 إن شركاء تونس الدوليين يرفضون الإقراض في الوقت الحالي إضافة إلى أن نسب الفائدة تتجاوز 11 بالمائة.

لم يختلف قانون المالية عن سابقيه من ناحية الأحكام العامة والقوانين المنظمة للاقتصاد، بل واصل في نفس سياسة الاقتراض من أجل الاستهلاك. قال أمين بوزيان،6 الخبير في الجباية في منظمة "بوصلة"، إن الامتيازات الجبائية التي تمنحها تونس تكلف الدولة حسب تقرير البنك الدولي حوالي 2700 مليون دينار (مليار دولار) رغم أنها لا تحقق الأهداف المرجوة منها، ما يجعل هذه الأموال مهدورة دون فائدة. من جهة أخرى يصف وزير المالية الأسبق حسين الديماسي الوضع قائلا " ما يحدث اليوم في تونس هو وضع استثنائي بجميع المقاييس. منذ الاستقلال لم تعرف تونس ميزانية بهذه الأرقام، دائما كان هناك عجز في ميزانيات الدولة التونسية ولكنه عجز يمكن التحكم فيه، الآن هناك حاجة للتمويل تقدر ب8.5 مليار دينار وهو رقم مخيف ".

 فيما يتعلق بالامتيازات الجبائية، خَفَضّت الفصول 13و16و21 و24 ضرائب الشركات، بينما رَفَعَت الفصول 26 و27 و28 و29 و30 الضرائب على الأشخاص. في مقابل هذا، سقطت جميع المقترحات التي حملت صبغة اجتماعية أهمها فصل يهتم بإسقاط ديون صغار الفلاحين. يؤكد النائب محمد القوماني في خصوص سقوط الفصول ذات الصبغة الاجتماعية أن "المعارضة والائتلاف الحاكم قدموا 114 مقترحا، سقطت جميعها، إلا فصل وحيد يتعلق بتشغيل من طالت بطالتهم 10 سنوات. بصفة عامة، لم تصغ المقترحات بطريقة دقيقة وأغلبيتها شعبوية". من جانبه، يرى النائب عن الكتلة الديمقراطية عبد الرزاق عويدات أن أسباب سقوط هذه الفصول هو الاختلاف بين توجه قائم على مصالح الأشخاص وجماعات الضغط، وتوجه آخر قائم على منوال وطني اجتماعي. أشار عويدات أنه " كان لدينا مقترح فصل بإنشاء صندوق للإصلاح التربوي، توفرت في هذا الفصل جميع الشروط من الفكرة إلى مصادر تمويل الصندوق لكن لم تتم المصادقة عليه".

دعوات لحل البرلمان

لم يكن الصراع الدائر في البرلمان مقتصرا فقط على فصول سقطت وفصول تمت المصادقة عليها، بل إن الأمر تطور إلى حد الاعتداء الجسدي المباشر تحت قبة البرلمان ضد النائب عن التيار الديمقراطي أنور بالشاهد إثر اجتماع للجنة المرأة بموازاة الجلسات العامة لمناقشة قانون المالية. وقد انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صورا ومشاهد لنقاش حاد سرعان ما تحول إلى اعتداء جسدي، حيث ظهر النائب أنور بالشاهد وعلى جبينه دماء اتُهم نواب ائتلاف الكرامة بالوقوف وراءها. لا يجد عويدات، النائب عن الكتلة الديمقراطية، أي سبب للاعتداء الذي مورس داخل أروقة البرلمان إلا محاولة لإدارة الرقاب عن القضايا الحقيقية التي تهم التونسيين " في الوقت الذي سنناقش فيه رؤى وخيارات اقتصادية، يصبح الحديث عن عنف كتلة ضد أخرى".

نتيجة لهذا،  أطلق نواب وسياسيون معارضون دعوات لحل البرلمان التونسي، معتبرين أن المجلس الحالي عمق الأزمة التي تعيشها البلاد وزاد الصعوبات حدة، إلا أن خبراء القانون الدستوري يجمعون على عدم توفر إمكانية قانونية لحل مجلس النواب فيما ذهب آخرون لاستحالة ذلك في الوضع الراهن.

منذ نهاية 2019، تعيش تونس مرحلة جديدة من الارتباك السياسي والصراع أثر بشكل كبير في التعامل مع جائحة كورونا من جهة والأزمة الاقتصادية من جهة أخرى. هذا الانسداد وعدم الانسجام بين الأطراف السياسية جعل المالية العمومية في وضع خطير، زاد حدتها المطالب الاجتماعية التي تمثلت في إغلاق مواقع إنتاج البترول في محافظة القصرين ومصانع الغاز في محافظة قابس واعتصامات ومظاهرات في مناطق أخرى، إلى جانب خطر الإرهاب الذي لايزال قائما.  في ظل هذا الوضع المتأزم، يحيي التونسيون الذكرى العاشرة للثورة والأمل في حلحلة الأزمات السياسية والاقتصادية يتضاءل كل يوم بسبب صعوبة الوصول إلى نقطة توافق بين الفرقاء السياسيين.

 

عبد السلام هرشي، صحفي حاصل على الأستاذية في المالية، وباحث في تجربة تونس مع الفساد منذ الاستقلال، لمتابعته على تويتر: @abdslemher

 

 

1 هي حالة من الوعي ترجمت إلى حملة أطلقها شباب لتنظيف البلاد وتزيينها بهدف رفع قيمة الدينار ودعم الاقتصاد، وهي حملة وحالة من الوعي تشبه تلك التي ظهرت في أعقاب ثورة 2011

2 أجريت المقابلة مع محمد القوماني، النائب عن حركة النهضة في 20ديسمبر2020

3 أجريت المقابلة مع عبد الرزاق عويدات، نائب رئيس الكتلة الديمقراطية في 20 ديسمبر 2020  

4 أجريت المقابلة مع محمد الصادق جبنون، الخبير في استراتيجيات الاستثمار في 30 نوفمبر 2020

5 أجريت المقابلة مع حسين الديماسي، وزير المالية الأسبق في 30 نوفمبر 2020

6 أجريت المقابلة مع أمين بوزيان، مدير مشروع مرصد بمنظمة بوصلة في 28 نوفمبر 2020