مع بداية عام 2021، نجحت السعودية والولايات المتحدة والكويت في التوصل لمصالحة مع قطر في قمة العلا. مثلت مخاوف السعودية من إحياء اتفاق لوزان النووي، وجهود ترامب لزيادة الضغط على إيران، وإضافة المصالحة لإرث سياسات ترامب في الشرق الأوسط، مثلت هذه العوامل الدوافع الرئيسة لحل الأزمة الخليجية وتوحيد الصف لتعطيل عودة ايران الى النظام الدولي. وبالرغم من التوصل الى مصالحة، إلا ان المصالحات المدفوعة بالمخاوف هي حلول مؤقتة وستستمر فقط حتى يتلاشى الخوف من إيران مرة أخرى ومن ثم تعود الازمات بين الرباعية وقطر مرة أخرى لتتسيد المشهد الاقليمي.

المصالحة والعلاقات السعودية الإماراتية

منذ تولي محمد بن سلمان ولاية العهد في السعودية عام 2017، كتب المتخصصون والنقاد عن العلاقة التكافلية بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي والحاكم الفعلي للإمارات، لتشارك كلا الزعيمين الرؤي بخصوص النظام الاقليمي. ولكن التطورات الإقليمية منذ ٢٠١٧ تشير ان  كلا الزعيمين  قد يتشاركان التصورات عندما يتعلق الأمر  بالفرص لا بالتهديدات. يتجلى اختلاف الرؤي بين الدولتين في اليمن. تركز السعودية بشكل أكبر على شمال اليمن الذي يشكل تهديدات أمنية للسعودية، بينما تركز الإمارات على الفرص في جنوب اليمن، مثل السيطرة على الموانئ والجزر في محيط مضيق باب المندب. تشاركت السعودية والإمارات تصورات مماثلة للفرص التي قدمتها إدارة ترامب. ومع ذلك، فمن ناحية، يبدو أن السعودية أكثر قلقاً بشأن انتخاب بايدن من الإمارات. يتضح هذا القلق في محاولة السعودية التقارب مع تركيا، والمفاوضات النشطة لحل الازمة الخليجية من خلال الولايات المتحدة والكويت منذ انتخاب بايدن والتي تكللت بمصالحة العلا.1 تهدف هذه المحاولات السعودية إلى إحلال النظام في المنطقة قبل أن يتولى بايدن السلطة، وأن تصبح السعودية أكثر أهمية بالنسبة لبايدن من إيران. ومن ناحية أخرى، يبدو أن الإمارات لا تزال واثقة من نفوذها الدبلوماسي في واشنطن، والقوة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية التي بنتها الدولة على مدار الأعوام الخمسة عشر الماضية. هذه الثقة تدفع الإمارات إلى التمسك بمكاسبها الإقليمية على الرغم من انتخاب بايدن، الذي لديه نظرة سياسية خارجية مختلفة بشكل واضح عن سلفه.

 الأهداف والأولويات القطرية

غيرت التطورات المحلية والإقليمية والدولية أولويات دول النزاع خلال السنوات الثلاث الماضية. فيما يتعلق بقطر، فإن دعم الإخوان المسلمين، على سبيل المثال، ليس على رأس أولويات النظام في الوقت  الراهن بالنظر إلى التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد بسبب الاستعدادات لكأس العالم 2022، وانخفاض أسعار الغاز، ووباء الكورونا. وهذا واضح في فشل العديد من الشركات القطرية في دفع رواتب عمالها وموظفيها لشهور. ليس هناك شك في أن الحصار المفروض على قطر قد زاد حدة هذه التحديات مع زيادة تكاليف النقل والشحن بشكل كبير. لذلك، كان المطلب الرئيس لقطر هو رفع الحصار على أمل أن يخفف ذلك من التحديات التي تواجه اقتصاد الدولة. ومن المهم الإشارة إلى أن قطر تطالب برفع الحصار دون الاضرار بالعلاقات التي أقامتها مع تركيا وإيران. المخاوف من تكرار الحصار، تتطلب من قطر الحفاظ على علاقاتها مع تركيا وإيران اللتان كانتا بمثابة شريان الحياة لقطر خلال الحصار. ومع ذلك، علينا ان نترقب كيف ستدير قطر قضية إيران خلال المفاوضات الثنائية مع باقي أطراف النزاع خلال الفترة القادمة. في حين قدمت إيران شريان الحياة لقطر خلال الأزمة، لا سيما أنها الممر الجوي الوحيد لقطر خارج المنطقة، لا تزال قطر تنظر إلى إيران على أنها تهديد إلى حد ما، وهو تهديد بسبب العقيدة الثورية للجمهورية الإسلامية ودعمها لنظام الأسد والانتفاضات البحرينية، والاستهداف المحتمل لقطر، التي تستضيف أكبر قاعدة جوية أمريكية، في حال اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإيران. وبالتالي، سيتعين على قطر إدارة ملف إيران بقدر كبير من الحكمة خلال الفترة القادمة.

الانتخابات الأمريكية والمصالحة

كان للانتخابات الأمريكية تأثيٌر كبيٌر على المصالحة بسبب الاختلافات بين تطلعات ترامب وبايدن تجاه المنطقة. من ناحية، يتبع ترامب عقيدة نيكسون، إلى حد ما، من خلال الاعتماد على حلفاء الولايات المتحدة لضبط مناطقهم، مثل مصر في شمال إفريقيا، والسعودية والإمارات في الخليج. ومن ناحية أخرى، من المتوقع أن يتبع بايدن خط باراك أوباما، إلى حد كبير، فيما يتعلق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه الخليج. هذا يعني أن بايدن سيسعى إلى توازن القوى في المنطقة بين الممالك العربية في الخليج وإيران من خلال الترحيب بإيران مرة أخرى في المجتمع الدولي عبر إحياء الاتفاق النووي الإيراني.

خلال رئاسة ترامب، تمكنت السعودية والإمارات من الصعود الى مكانة أعلى في النظامين الإقليمي والدولي، ووسعا نفوذهما في المنطقة بشكل لم يسبق له مثيل. ولهذا، فإن انتخاب بايدن يثير مخاوف القيادة السعودية بسبب إمكانية توقيع صفقة جديدة مع إيران وتصورات "خليج ما بعد أمريكا"، وتَبينَ الخوف السعودي من إيران في كلمة محمد بن سلمان خلال القمة، والتي طالب فيها المجتمع الدولي بالضغط لوقف الأنشطة المتعلقة ببرنامج إيران النووي "والمشاريع الهدامة التي ينفذّها وكلاء إيران".  قادت هذه المخاوف المفاوضات السعودية لإنهاء الحصار وإعادة الوحدة إلى الساحل العربي للخليج. كما أن ترامب كان مهتماً أيضاً بإنهاء الأزمة الخليجية قبل ترك منصبه، وتجلى هذا الاهتمام في الدور البارز الذي لعبه صهر الرئيس الأمريكي كوشنر في المصالحة، لسببين: الأول هو محاولة ترامب زيادة الضغط على إيران. اتضح هذا عند بداية المفاوضات حيث طلبت إدارة ترامب بشكل مباشر من السعوديين فتح مجالهم الجوي لقطر، والتي تدفع لإيران حوالي مائة وثلاثة وثلاثين مليون دولار سنوياً لاستخدام المجال الجوي الإيراني. السبب الثاني: يريد ترامب أن يضيف الحل الى إرثه الذي يشمل أيضاً نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس، والتوسط في السلام بين إسرائيل والإمارات والبحرين والسودان والمغرب، وإبقاء إيران تحت الضغط بعد الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة.

نظرة إلى المستقبل

لبحث فعالية المصالحة على المدى الطويل، يتعين الأخذ في الاعتبار مسألتين: جذور الأزمة الخليجية الأخيرة، والهيكل المعطوب لدول مجلس التعاون الخليجي. أولاً، الأزمة الخليجية التي بدأت في عام 2017 هي مجرد حلقة أخرى في ملحمة خلافات الرباعية وقطر والتي بدأت بمحاولة الرباعية الإطاحة بالشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وإعادة الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني للحكم في عام 1996، وسحب السعودية لسفيرها الى الدوحة من عام 2002 وحتى عام 2008، وبالأخص سحب سفراء الرباعية من قطر عام 2014. كانت الاختلافات في آفاق السياسة الخارجية بين الرباعية وقطر عام 2014 حاسمة للغاية في العلاقات بينهم. في حين لم يتم حل هذه الخلافات حقاً، دفعت مخاوف الإرهاب، والأهم من ذلك، الصفقة المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران حينها، السعودية والبحرين والإمارات لإعادة سفرائهم إلى قطر في نفس العام. لقد ذكّر الخوف من "خليج ما بعد أمريكا" واحتمال إحياء إيران مرة أخرى أطراف النزاع بالدافع الرئيس وراء نشأة مجلس التعاون الخليجي: الخوف من العراق وإيران. يتضح هنا ان الخلافات في الرؤي السياسية بين الرباعية وقطر متجذرة منذ 1996، ولكن دائماً ما تقرب المخاوف بين الرباعية وقطر بشكل مؤقت. ما أن تزول المخاوف، تعود الخلافات مرة أخرى وربما أعمق من أي وقت مضى.

ثانياً، منذ نشأته، يعتبر هيكل مجلس التعاون الخليجي عاجزاً عن الفاعلية نظرا لأن مجلس التعاون الخليجي تم تشكيله فقط كرد فعل على تهديد إيراني محتمل. لا شك أن استمرار المجلس لمدة أربعين عاماً والتعاون الناجح بين الدول الأعضاء في المجالين الاقتصادي والثقافي جعل المجلس، إلى حد ما، أكثر أهمية مما كان متوقعاً. ورغم ذلك، لا يزال مجلس التعاون الخليجي يفتقر إلى الآليات والهياكل لحل الخلافات بين الدول الأعضاء، ومتابعة تنفيذ القرارات والسياسات. وبرز هذا العجز الهيكلي لمجلس التعاون في تفاصيل المصالحة حيث أسندت أطراف النزاع مسؤولية حل المسائل العالقة بين أطراف النزاع الى لجان متابعة ولجان ثنائية مستقلة عن مجلس التعاون.  افتقار مجلس التعاون الخليجي إلى الآليات والهياكل لحل الخلافات بين الدول الأعضاء يتسبب بشكل رئيس في تجذر الخلافات بين السعودية والامارات والبحرين من جهة وقطر من جهة أخرى، وعودتها الي الساحة من آن الى آخر.

تشير الاختلافات المستمرة بين الرباعية والهيكل المعطوب لمجلس التعاون الخليجي إلى أن المصالحة ما هي الا مجرد رد فعل آخر تجاه المخاوف من إيران. وبالرغم من التوصل الى مصالحة، إلا أنها ستصبح والعدم سواء حين يتلاشى الخوف من إيران. سيشهد النظام الإقليمي في الشرق الأوسط تغييرات كبيرة خلال الأشهر المقبلة. وإذا كانت السعودية ستنجح في إبعاد بايدن عن إيران، أو ستنجح إيران في التوصل إلى اتفاق مع الإدارة الجديدة وتعود أقوى إلى الساحتين الإقليمية والدولية، هذا ما علينا ترقبه.

 

إسلام حسن، باحث مصري متخصص في شؤون دول الخليج

 

1يمثلان الوضع الاقتصادي التركي المتردي واحتدام المنافسة التركية الإيرانية في آسيا الوسطى دافعان رئيسان لتركيا للتقرب من المعسكر السعودي في الوقت الراهن، بالذات بعد نجاح جو بايدن في الانتخابات الامريكية.