يشمل العنف الجنسي طائفة واسعة من الأفعال التي تستهدف الإناث والذكور، غير أن النسبة الأكبر من ضحاياها هم من النساء والفتيات والأطفال. استخدم هذا النوع من العنف إمعانا في إذلال وترويع كل من يعارض الحكومة السورية  وبعض الجماعات المسلحة، الأمر الذي تسبب بنتائج كارثية خلَّفت آلاف الضحايا وسط تجاهل واضح من قبل الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي، وفي ظل غياب أي بارقة أمل في محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم وإنصاف ضحاياها. 

قبيل اندلاع الاحتجاجات الشعبية في درعا بداية عام 2011 قام العميد عاطف نجيب ابن خالة الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس فرع الأمن السياسي بدرعا بإهانة مجموعة من شيوخ العشائر ووجهاء المدينة الذين حاولوا التوسط لإطلاق سراح عدد من الأطفال تم احتجازهم وتعذيبهم بسبب كتابتهم عبارات مناهضة للنظام على جدران مدرستهم، تسببت هذه الإهانة المتعمدة التي استهدفت شخصيات لها احترام ودور مهم في محيطها الاجتماعي باحتجاجات شعبية في درعا لتصبح فيما بعد ثورة عارمة ضد نظام الأسد في كافة أنحاء سوريا.

مع توسع الاحتجاجات استخدم النظام العنف بشكل مفرط ضد المتظاهرين، حيث أمعنت قواته في ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان على الحواجز وخلال مداهمة المنازل للبحث عن المطلوبين، واعتقال النساء وخطف الفتيات لإجبار أزواجهن أو أقاربهن على تسليم أنفسهم، وغالباً ما كُنَّ يتعرضن لاعتداءات جنسية بهدف ترويع الحاضنة الشعبية للمنخرطين في الاحتجاجات الشعبية، غير أن هذه الانتهاكات تحولت لاحقاً إلى سياسة ممنهجة في مجتمع تحكمه أعراف وتقاليد متجذرة تربط هذه الجرائم بوصمة العار الاجتماعية التي قد تستمر لسنوات طوال.

وقد أشار تقرير "فقدت كرامتي" الصادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة الخاصة بسوريا في عام 2018 إلى أن القوات الحكومية والميليشيات التابعة لها ارتكبت جرائم اغتصاب وانتهاكات جنسية ضد النساء والفتيات والرجال أحياناً أثناء العمليات البرية، ومداهمة المنازل لإلقاء القبض على المحتجين ومن يعتقد أنهم من داعمي المعارضة، وفي نقاط التفتيش والاحتجاز تخضع النساء والفتيات للتفتيش المهين والاغتصاب، وأحياناً للاغتصاب الجماعي، في حين يكون اغتصاب المحتجزين الذكور في أعم الحالات باستخدام بعض الأجسام ويخضعون أحياناً لتشويه الأعضاء التناسلية. وقد وُثِّقَ اغتصاب النساء والفتيات في 20 فرعاً من فروع المخابرات السورية، واغتصاب الرجال والفتيان في 15 فرعاً. ويستخدم العنف الجنسي ضد الإناث والذكور لإرغامهم على الاعتراف ولانتزاع معلومات وكوسيلة للعقاب، والإذلال وبث الرعب في مجتمعات المعارضة. أشار تقرير اللجنة الصادر في 14 آب/أغسطس 2020 إلى تعرض العديد من النساء المحتجزات للاعتداء الجنسي من قبل موظفين في عدد من مواقع الاحتجاز غير الرسمية، بما في ذلك الفرع 227 التابع لشعبة المخابرات، وتعرض رجال للاعتداء الجنسي في سجن صيدنايا.

في موازاة ذلك، أشارت دراسة لمفوضية اللاجئين إلى أن الاغتصاب والتعذيب والاستغلال الجنسي الذي يستهدف الرجال والفتيان في السجون التابعة لقوات النظام وفي مراكز الاعتقال المؤقتة قد يكون أكثر شيوعاً داخل سوريا مما كان يُعتقد سابقاً. في حين وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أكثر من 8 آلاف حالة عنف جنسي ارتكبتها قوات النظام السوري بحق نساء سوريات، ومقتل أكثر من 28 ألف أنثى، و 29 ألف طفل على يد أطراف النزاع في سوريا منذ آذار 2011 وحتى 25 تشرين الثاني 2020، حوالي 83% منها على يد قوات النظام والمليشيات والقوى المتحالفة معه.

لا يحتكر النظام السوري وحده هذا العنف، بل تمارسه أيضاً بعض المجموعات المتشددة التي ارتكبت جرائم تندرج ضمن العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي. وأشارت عدة تقارير دولية، منها تقرير "فقدت كرامتي" إلى أن هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) تسببت بأذى نفسي وبدني شديد للنساء والفتيات والرجال، بسبب فرضها القواعد الدينية للملبس، وحرمان النساء والفتيات من حريتهن في التنقل بدون أحد الأقرباء الذكور، كما أظهرت بعض الفتاوى الصادرة عن الهيئة معاملة تمييزية ضد النساء في المناطق التي تقع تحت سيطرتها.

كما مارس تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام في ذروة قوته التمييز ضد النساء والفتيات والأقليات كسياسة عامة. وتكرر رجم النساء والفتيات بتهمة الزنا وقتل بعض رجال الدين خاصة من اتباع الطريقة الصوفية ونبش قبورهم، ومحاكمة أشخاص أمام محاكم لا تتوافر فيها الضمانات القانونية، وإعدام المثليين والأشخاص الذين لديهم ميول جنسية في المناطق الواقعة تحت سيطرته، إضافة إلى الزواج القسري للنساء والفتيات بمقاتلي التنظيم وفرض قيود على حريتهن وإبعادهن عن الحياة العامة. كما وثقت دراسات أخرى حالات اغتصاب وعنف جنسي لفتيات وفتيان قاصرين في مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان والأردن على أيدي لاجئين آخرين أو من المجتمع المحلي، وفي مخيم الهول في محافظة الحسكة الذي تسيطر عليه قوات سوريا الديمقراطية.

بدورها ساهمت الحرب في تفاقم ظاهرة التزويج المبكر للفتيات، حيث تلجأ الكثير من الأسر السورية لتزويج بناتها قبل بلوغهن السن القانونية بسبب الصعوبات المعيشية والخوف والتهديدات الأمنية التي تواجههنَّ. وأعلنت المسؤولة عن برنامج مناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي في صندوق الأمم المتحدة للسكان عن ارتفاع نسبة الزواج المبكر في سورية من 13 إلى 46 بالمئة خلال فترة الحرب وتظهر هذه النسبة حجم المشكلة الحقيقية التي سترخي بنتائجها على المجتمع مستقبلاً. كما خلصت إحدى الدراسات التي تناولت انخراط الفتيات السوريات اللاجئات في المدارس في منطقة البقاع اللبنانية إلى نتائج تعكس تسربهن من التعليم بشكل واضح نتيجة الزواج المبكر، حيث اقتربت نسبة الالتحاق بالمدارس من 70٪ للفتيات في سن 9-12عاماً. ومع ذلك، تبدأ هذه النسبة في الانخفاض في سن 13، لتصل إلى 9٪ فقط من الفتيات المنخرطات في التعليم في سن 17، وهذه مؤشرات خطيرة من شأنها أن ترتب نتائج كارثية على مستقبل هؤلاء الفتيات ويُظهر أنهن يدفعن ثمناً باهظاً للحرب وحالة اللجوء التي وجدن فيها.

الاضطرابات الأمنية ترفع معدلات العنف المنزلي

لم يتوقف الأمر على الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز والمخيمات بل تعداه إلى المنازل حيث تنتشر ظاهرة العنف المنزلي والتفكك الأسري بشكل واسع نتيجة للاضطرابات الأمنية وصعوبة المعيشة والقلق النفسي واضطراب ما بعد الصدمة الذي تركته الحرب خاصة لدى الأطفال والنساء اللاتي فقدن أزواجهن، وارتفاع حالات الطلاق إلى أكثر من 31% بسبب غياب الأزواج نتيجة الاعتقال أو التصفية الجسدية، إضافة إلى العنف الاقتصادي والحرمان من الميراث والمهور والفرص في التوظيف، لا سيما تجاه النساء المطلقات والأرامل وإجبارهن على العمل بأجور متدنية مع استمرار تعرضهن بشكل متزايد للتحرش الجنسي. كما أثر الإغلاق التام بسبب فيروس كورونا حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي، وترافق ذلك مع صعوبة تمكن الناجيات من الإبلاغ عن الانتهاكات وطلب المساعدة.

بعض الجرائم التي تندرج ضمن العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي خلال النزاعات تعتبر جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية يعاقب عليها القانون الدولي، مثل جريمة الاغتصاب، وانتهاك الكرامة والمعاملة المهينة للإنسان. وقد تصدت العديد من الاتفاقيات الدولية لهذه الجرائم مثل مدونة "ليبر" الشهيرة لعام 1863، واتفاقيات جنيف الأربعة وبروتوكولاها الإضافيان، واتفاقية "سيداو"، ونظام روما الأساسي، ومعاهدة تجارة الأسلحة لعام 2014 التي نصت بشكل واضح على ضرورة مراعاة الدول المصدرة للأسلحة خطر استخدامها لارتكاب أعمال عنف لاعتبارات جنسانية أو أعمال خطيرة ضد النساء والأطفال. ومع ذلك ما تزال هذه الاتفاقيات تواجه الكثير من الانتقادات لعدم تعاملها بقوة كافية مع هذ النوع من الجرائم.

تواصل ظاهرة العنف القائم على النوع الاجتماعي التفشي في سوريا في مسارين متوازيين، الأول: ممنهج حيث يتم اللجوء إلى هذا العنف من قبل أطراف النزاع وسلطات أمر الواقع كل في منطقة سيطرته بهدف الترويع والإذلال ومعاقبة معارضيه. أما المسار الثاني: فهو تلقائي متراكم نتيجة طول الأزمة والعادات والهياكل والموروثات عميقة الجذور التي يقوم عليها المجتمع السوري والتي تعمل على تطبيع هذا العنف. أشارت دراسة لتجمع الحماية العالمية شملت مختلف المحافظات السورية إلى تدني مستوى الإبلاغ عن حالات العنف أو التحرش الجنسي والزواج المبكر في محافظة دير الزور مقارنة بالمحافظات الأخرى، ويمكن تفسير ذلك بالطابع القبلي المحافظ الذي يسيطر على المجتمعات المحلية هناك، والتقاليد التي تمنع الإبلاغ عن مثل هذه الانتهاكات والتكتم عليها لأنها تخدش الوجدان العام للجماعة.

يرغب المجتمع الدولي عموماً بإنهاء المأساة السورية لكن الخلافات والتجاذبات السياسية تعوق أي حل سياسي. مع ذلك لا يمكن الانتظار حتى التوصل إلى تسوية دائمة قد تطول لسنوات. لذا لا بد من خارطة طريق لحشد جهود الأطراف الفاعلة الدولية والإقليمية والمحلية للتصدي لظاهرة العنف في سوريا والحد منها والتقليل من تداعياتها، وأن يُدرج هذا الموضوع على أجندة جهود تنسيق الإغاثة الإنسانية والاستجابة على كافة المستويات.

معالجة المعوقات وتحسين آليات الوصول لضحايا العنف الجنسي ينبغي أن تشمل كافة مناطق سوريا والمخيمات في دول الجوار أيضا، وتشجيع الضحايا على الإبلاغ وتقديم بيانات عن المسؤولين عنه، وعقد شراكات مع المنظمات والمجالس المحلية لتنظيم دورات تعليمية وحملات توعية بمخاطره وسلبياته وتداعياته المستقبلية، ودمج استراتيجيات التعامل مع العنف القائم على النوع الاجتماعي  ضمن سياسات وخطط التنمية الوطنية والمحلية، واعتماد القوانين والسياسات التي تعزز حقوق النساء والفتيات وإشراكهن في مفاوضات السلام وفي كافة مراحل وجوانب العملية الانتقالية. إضافة إلى تعزيز ثقافة السلم الاجتماعي واحترام حقوق الإنسان وتمكين المرأة وإشراكها في الحياة العامة. لكن لتتحقق هذه الخطوات لابد من اتفاق من قبل الأطراف السورية والإقليمية الفاعلة على التصدي لهذه الظاهرة ومحاسبة المسؤولين عنها، وعدم الانتظار حتى التوصل إلى تسويات سياسية.

وسام الدين العكلة، أستاذ في جامعة ماردين التركية، متخصص في القانون الدولي والعلاقات الدولية