لم تكن العنود، الفتاة البالغة 19 عاما والتي ذاعت قصتها أخيرًا أول طفلة يمنية تتزوج بعمر 12 عاما. قبلها كانت نجود التي تزوجت في عمر 8 أعوام وطُلقت في العاشرة، ولاقت دعمًا دوليًا قويًا، هناك أيضا آمنة البالغة 11 عاما، زوّجها والدها مقابل تسديد دين عليه قدره 90 دولاراً، ريم كذلك كانت تبلغ 11 عاما عندما زوّجها والدها إلى ابن عمها الذي يكبرها بنحو21 عاما وحاولت بعدها الانتحار، غيرهن كُثر، والحالات التي لم تظهر للإعلام أكثر.

في قضية العنود، مثلما هو الحال في القضايا التي سبقتها، اقترن زواج الأطفال بالعنف. لكن، ولأنه لم يجد في السابق رادعًا قانونيًا، استفحل، وتدرّج من العنف المستتر الذي يخلّف بعض الكدمات على الجسد إلى العنف الصارخ. تعرّضت العنود للضرب على مدى 4 سنوات، ثم حصلت على الطلاق بصعوبة، وحين بدأت في التعافي وبناء حياتها من جديد، صَبّ طليقها مادة الأسيد فوق جسدها، ذاب وجهها وفقدت إحدى عينيها. وبهذا اجتمعت في قضيتها جريمتان، الأولى زواج الأطفال والثانية العنف القائم على النوع الاجتماعي، وهي جرائم ما كانت لترتكب في حقها لولا وجود مواد في القانون اليمني تحوي تشجيعًا ضمنيًا لارتكاب مثل تلك الانتهاكات. فالمادة 15 من قانون الأحوال الشخصية رقم 24 لعام 1999 تنص على أن” عقد ولي الصغيرة بها صحيح ولا يمكن المعقود له من الدخول بها ولا تزف إليه إلا بعد أن تكون صالحة للوطء.“ وفيها لم يحدد سنًا أدنى لصحة الزواج، وترك قرار تحديده للولي الذكر، الأمر الذي أدى إلى حالات زواج لفتيات بعمر 8 سنوات.

قبل توحيد شطري اليمن شمالًا وجنوبًا، حدد قانون الأحوال الشخصية في الشمال السن الأدنى للزواج عند 15 عامًا. كما حدد قانون الأسرة في الجنوب السن عند 16 عاما. وبعد إعلان الوحدة في 1990 حدد السن القانوني للزواج عند 15 عامًا. بحسب القانون رقم 20 لسنة 1992 الذي نصت مادته رقم15 على أنه” لا يصح تزويج الصغير ذكرًا كان أو أنثى دون بلوغه خمسة عشرة سنة“. ثم عُدّلت هذه المادة في 1999. وفي حين يكون تعديل المواد القانونية عادة في اتجاه مواكبة متغيّرات العصر وبما يتسق مع المواثيق الدولية، يأتي التعديل في اليمن متراجعًا إلى الوراء، فقد حذف شرط السن وشرّع زواج الفتيات دون سن ال15، نتيجة لسيطرة حزب الإصلاح ذو المرجعية الإسلامية على مقاعد البرلمان في انتخابات 1997، والذي كان أغلب ممثليه من رؤساء القبائل فجمعوا بين الفكر الديني المتشدد والفكر القبلي ما أدى إلى حذف قيد السن في المادة ووضع بدلًا منه شرطًا مبهمًا يصعب قياسه وهو أن تكون الفتاة” صالحة للوطء“.  أي صالحة للجماع، ولا نعلم حقيقة كيف يمكن تحديد مدى صلاحية أي فتاة للوطء. هذا عدا عن أن مشرّع المادة حصر الزواج في الممارسة الجنسية وفي هذا فهم قاصر لماهية الزواج.

مادة أخرى مساندة للنص السابق وهي المادة رقم 20 من القانون نفسه التي تنص على أنه” يصح أن يتولى عقد الزواج عن طرفيه شخص واحد ينطق بصيغة الإيجاب والقبول في مجلس العقد“. وتعني أنه لا يلزم حضور الفتاة لعقد الزواج ويمكن للولي الذكر تزويجها دون علمها. وهذا ما حدث مع الطفلة نجود التي عادت من المدرسة لتجد أن والدها عقد زواجها في غيابها. 

زواج الأطفال في اليمن قضية لا يتوقف الحديث فيها لكن دون جدوى حقيقية، رغم أن اليمن صادق في العام 1991 على اتفاقية حقوق الطفل التي تعرّف زواج الأطفال بأنه الزواج الذي يكون أحد طرفيه أو كليهما دون سن 18 عام. يعد زواج الأطفال من التقاليد التي تشكّل النسيج المجتمعي القبلي للبلاد، عادات زادتها الحرب فظاعة وإمعانا في البشاعة. كما تسبب النزوح في رفع معدل حالات زواج الأطفال واعتبر تزويج الفتيات تخفيفًا من العبء الاقتصادي على الأسر النازحة.  بحسب تقرير لمنظمة اليونيسيف 2017 فإن أكثر من ثلثي الفتيات في اليمن متزوجات قبل سن 18 عام مقابل 50 في المئة قبل بداية الصراع.

وكشفت دراسة حديثة عن تأثير النزوح في معدلات زواج الأطفال في اليمن أن الفتيات النازحات اللاتي عايشن الحرب لمدة أطول هن أكثر عرضة لخطر زواج الأطفال مقارنة بغيرهن. وأن الفتيات النازحات من محافظة صعدة تزيد بأربعة أضعاف احتمالات الزواج المبكر لديهن مقارنة بالفتيات النازحات من المناطق الأخرى، حيث أن صعدة كانت من المحافظات التي شهدت أول أحداث الصراع. ما يعني أنه كلما طال أمد الحرب ارتفع معدل زواج الأطفال.

وتزيد نسبة زواج الأطفال في المناطق الريفية حيث الجهل والفقر أكثر انتشارًا. الفقر المقترن في حالات كثيرة بالجشع واعتبار بعض الأسر إنجاب البنات مشروعا استثماريا قد يدر على الأسرة مبلغًا جيدًا من المال مستقبلًا، أو اعتبار الفتاة عارا وفضيحةً يتوجب مداراتها بالزواج، وفي أحسن الأحوال يحدث زواج الصغيرات بداعي الخوف على الفتاة. العنود قالت أن أمها قررت تزويجها في تلك السن الصغيرة بهدف حمايتها. ولا توجد احصائيات موثقة لمثل هذه الزيجات، غير أن تقريراً من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أفاد بأن 52 في المئة من الفتيات والنساء اليمنيات تزوجن قبل سن 18 عاما في العام 2017، وأن عدد الحالات تضاعف ثلاث مرات بحلول العام 2018.

وبعد قضية نجود في2008، ظهرت تحركات لإقرار مشروع قانون قدمته اللجنة الوطنية للمرأة التي أنشئت في 1996 وكانت مكلّفة بمراقبة تنفيذ اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) التي وقّعت عليها اليمن في 1984. ففي فبراير 2009 عُرض مشروع قانون على البرلمان لتحديد السن الأدنى للزواج 17 عام. وصوّتت الأغلبية لصالحه ولكن الأحزاب والتيارات الدينية عارضت وضع حد أدنى لسن الزواج بحجة أن ذلك يخالف تعاليم الشريعة الإسلامية، ما أضاع فرصة كانت سانحة لتجنيب كثير من الفتيات مآسٍ مروّعة حدثت منذ ذلك الحين حتى يومنا هذا.

مساران متوازيان

 يرتبط زواج الأطفال غالبًا بالعنف الجسدي، فالعنود ونجود وغيرهن تعرضن للضرب منذ ليلة الزواج لإجبارهن على الممارسة الجنسية. والعنف القائم على النوع الاجتماعي، الذي يعد في المواثيق الدولية خرقًا لحقوق الإنسان، هو في اليمن أمر شائع مجتمعيًا. ولا توجد مواد في القانون اليمني تحمي النساء من العنف، بل نجد أن هناك من النصوص ما تسهّل للرجل المعتدي الإفلات من العقاب حتى وإن وصل الاعتداء إلى جريمة قتل.

فالمادة رقم 42 من قانون العقوبات رقم 12 لسنة 1994 التي تنص على أن "دية المرأة القتيلة نصف دية الرجل القتيل“، تحمل معنى ضمني بأن المرأة كائن أدنى درجة من الرجل، وأقل من إنسان كامل، وفي هذا تمييز فاضح ضد المرأة وفيه كذلك تعارض مع الدستور الذي يقول في المادة رقم 41 لعام 1991 ”المواطنون جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة“. وفي القانون كذلك نصوصٌ تخفيفية على من يرتكبون جرائم قتل تحت ذريعة الدفاع عن الشرف. فالمادة رقم 232 تنص على أنه ”إذا قتل الزوج زوجته هي ومن يزني بها حال تلبسهما بالزنا أو اعتدى عليهما اعتداء أفضى إلى موت أو عاهة، فلا قصاص في ذلك وإنما يعزر الزوج بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة، ويسري ذات الحكم على من فاجأ إحدى أصوله أو فروعه أو أخواته متلبسة بجريمة الزنا.“

تقدم هذه المادة رخصة للقتل، مع توفير المسوّغ القانوني تحت غطاء جرائم الشرف التي كثيرًا ما تكون مجرد ذريعة للقتل ويتضح بعد الكشف على الفتاة القتيلة أنها ما تزال عذراء. كما في حالة "إصباح" البالغة 16 عاما التي قتلها إخوتها بعد تعذيبها وإجبارها على تناول السم بحجة أنها أقامت علاقة مع شاب، ثم أثبتت التقارير الطبية عذرية الفتاة.  لا توجد إحصاءات دقيقة لعدد حالات العنف ضد المرأة. ففي مجتمع محافظ مثل اليمن من المعيب أن تذهب امرأة للمحكمة لرفع دعوى على فرد من أسرتها. لكن في تقرير لصندوق الأمم المتحدة للسكان ذكر أن العنف ضد المرأة ارتفع بنسبة 63 في المئة منذ بداية الصراع في اليمن، وأن 2.6 مليون امرأة معرضة لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وأن جائحة كورونا أدت إلى تفاقم المشكلة وارتفاع عدد حالات العنف. وليست هذه المواد هي الوحيدة في القوانين اليمنية التي تحوي تمييزًا ضد المرأة، فقد حددت اللجنة الوطنية للمرأة 27 مادة تتضمن تمييزا ضد المرأة. وفي مؤتمر الحوار الوطني في 2014 وُضعت مسودةُ دستورٍ جديد تكفلُ مساواةَ المرأة بالرجل أمام القانون، كما حددت السن القانونية للزواج عند 18  عاما، لكن توقف التصديق عليها بسبب الحرب.

لن تكون العنود آخر ضحية. دون تعديل جذري لتلك المواد التمييزية ستتابع سلسلة الضحايا، ويزداد عبء التعامل مع تبعات تلك الزيجات من حالات وفاة ومحاولات انتحار، وتشوهات نفسية وأطفال يولدون من أطفال. ولا تكفي الفورات المؤيدة لجمهور مواقع التواصل، فهي ليست حلا دائما، وتفيد في قضايا دون غيرها، ولا تؤسس لحقوق مواطنة حقيقية، يحتاج الأمر إلى قوانين راسخة تضمن العدالة للجميع، وقبلها إلى تغيير الفكر الجمعي للمجتمع، فأغلب القوانين التمييزية في اليمن تستمد مرجعيتها وقوتها من فكر وموروث ثقافي لا يؤمن بأن للمرأة حقوقًا مساوية للرجل، وبموازاة ذلك تحتاج النساء إلى التوعية بحقوقهن فلا يمكن أن ننتظر منهن أن يطالبن بحق يجهلن أنهن يملكنه.

 

صفا ناصر، باحثة وصحفية من اليمن، وهي أستاذة الصحافة الاستقصائية في قسم الإعلام، جامعة عدن. (facebook)