أتـــت مـــبادرات تـــمكين المـــرأة فـــي الـــكويـــت، فـــي مـــعظمها، بـــقرار ســـياســـي أو مـــشاريـــع قـــوانـــين حـــكومـــية فــتحت لها بــاب المــشاركــة فــي كــثير مــن قــطاعــات الــعمل الــتي احــتكرهــا الــرجــل لــسنوات، فــنالــت حــقوقــها الــسياســية كــامــلة ودخــلت الــبرلمــان والــوزارة والمــجالــس الــبلديــة، وبــقرار ســياســي أخــير،  شــاركــت المــرأة فــي سلك الشرطة وعملت وكيلة للنيابة وأخيراً عُينت قاضية في محاكم الكويت.

لا تعاني المـرأة الخــليجية عــامــةً، والــكويــتية عــلى وجــه الــخصوص، فقط مــن مــتلازمــة "الــسقف الـزجـاجـي" الـذي تـعانـي مـنه جـميع نـساء الـعالـم والـذي يـحول دون وصـولهن إلـى المـراكـز الـقياديـة حــتى مــع تــوفــر الجــدارة والــكفاءة المــطلوبــتين لــدى المــرأة، وإنــما تــعانــي أيضا، مـن مـتلازمـة "الـصندوق الـزجـاجـي"  الـذي تـفصلها جـدرانـه وسـقفه عـن كـثير مـن الــــحقوق والاســــتحقاقــــات بوصفها مواطنا أولاً وعضوا مــــؤهــــلا وفاعلا فــــي المــــجتمع ثــــانــــياً.

يأتي في مقدمة جــــدران هــــذا الـــصندوق، الجـــدار الـــعائـــلي الـــذي يـــفصل بـــينها وبـــين إخـــوانـــها الـــذكـــور مـــمن تـــكون لـــهم فـــي الأغـــلب الأولـويـة فـي جـميع أمـور الـحياة الأسـريـة. أما الجـدار الـثانـي فهـو الاجـتماعـي وهو يـفصل بـينها وبـين كـثير مــن الامــتيازات الاجــتماعــية الــتي يــتمتع بــها أقــرانــها الــذكــور، كــالتجــمعات المــعروفــة فــي الــكويــت بــالــديــوانــيات وهي حكر على الذكور. الجدار الاجتماعي يمنع الكويتيات، فــي الــغالــب، مــن المــشاركــة فــي رحــلات الــصيد الــبريــة والبحــريــة والــتي تــقتصر عــادةً عــلى الــذكــور،  وغــيرهــا مــن المــناســبات الاجــتماعــية الــتي يحــظى الــرجــل مــن خــلالــها بــالــتواصــل والتشــبيك مع متخــذي الــقرار والجــماعــات المــؤثــرة فــي المــجتمع.

 تــــفصل بــــقية جــــدران الصندوق الزجاحي المرأة عــــن الانخــــراط فــــي الــــتنظيمات الــــسياســــية والــــنقابــــية الــــتي تــــكاد تخــــلو إداراتــــها وهـــياكـــلها مـــن الـــنساء، وخاصةً تـــلك الـــتنظيمات والـــنقابـــات ذات التوجـــهات المـــحافـــظة. وأخـــيراً هناك الـــسقف الـــزجـــاجـــي وهو أكـــثرهـــا وضـــوحـــاً وهـــو يـــمثل الـــعائـــق الأكـــبر لـــوصـــول المـــرأة إلـــى المـــناصـــب الـــقياديـــة ومراكز اتخاذ القرار سواء في المنظمات الحكومية أو الشركات العامة والخاصة.

لــن تــتمكن المرأة مــن كســر هــذا الــصندوق أو الخــروج مــنه بــجهود مــنفردة أو بــمساعــدة مجــموعــات صــغيرة تــؤيــد حــقوقــها. فــي أغــلب الأحــيان لابــد مــن الــلجوء إلــى الــقرار الــسياســي الــداعــم مــن أعــلى ســـلطة فـــي الـــدولـــة لكســـره ولـــتمكين المـــرأة. هـــذا مـــا يحـــدث فـــي الـــكويـــت، عـــلى الـــرغـــم مـــما يـــتميز بـــه مـجتمع الكويت مـن انـفتاح نسـبي عـن كـثير مـن مـجتمعات الخليج، ولـكنها تـلك الـثقافـة الـذكـوريـة المتجـذرة فـي المجتمع والتي يصعب تجاوزها خلال عقود قليلة.

نـاضـلت المـرأة الـكويـتية ثـلاثـين عـامـاً لـنيل حـقوقـها الـسياسـية، وقـدم المـتعاطـفون والمـؤمـنون بـحقها مــن نــواب الــشعب الــعديــد مــن مقترحات القوانين لمــنحها هــذا الــحق فــي الأعوام 1973 و 1985 و 1986 و 1999، ولـكن، جـميع هـذه المـحاولات رفـضها الـبرلمـان، الذي يـمثل جـميع فـــئات الـــشعب، نـــساءً ورجـــالاً، لـــذا أضـــربـــت خـــمسمئـــة امـــرأة عـــن الـــعمل فـــي عـــام 1996 لمـــدة ســـاعـــة دعــــماً لــــحقوق المــــرأة. كما تــــوجهــــت أفــــواج مــــن الــــنساء فــــي بــــدايــــة فــــبرايــــر عــــام 2003 إلــــى إدارات الـتسجيل فـي مـراكـز الشـرطـة فـي المـناطـق الانـتخابـية  في محاولـة لإظـهار الـتضامـن، ولـكن كـــل هـــذه الـــضغوط والمـــحاولات لـــم تـــحقق هدفها، ولـــم تُـــقر الـــحقوق الـــسياســـية الـــكامـــلة لــلمرأة انــتخابــاً وتــرشــحاً إلاّ فــي 16 مــايــو / أيار 2005 بــتدخــل مــباشــر مــن أمــير الــبلاد آنــذاك الــشيخ جــابــر الأحــمد الــصباح،  حــيث قــدمــت الــحكومــة مشــروعَ قانــون لتــغيير المــادة الأولــى مــن قــانــون الانـتخاب. وبـضغوط سـياسـية وتحـرك فـعال مـن قـبل رئـيس الـوزراء آنـذاك الـشيخ صـباح الأحـمد الـصباح - أُقر مقترح القانون، وعينت أول وزيـــرة فـــي الـــدولـــة.

دخلت المـــرأة الـــبرلمـــان لأول مرة في عـــام 2009 بــانــتخاب أربــع نــائــبات، ولــكن هــذا الــعدد أخــذ فــي الــتناقــص حــتى وصــل إلــى نــائــبة واحــدة فــي مجــلس 2016، ويخلو المجلس الحالي، بعد 16 عاماً من إقرار القانون، من أي تمثيل للنساء. كـما تـناقـص عـدد الـوزيـرات إلـى واحـدة فـي الـحكومـة الـحالـية، وهـو تـمثيل رمـزي أو هو "ديـــكور ســـياســـي" لـــرفـــع الـــعتب عـــن الـــحكومـــة.

لـــم يـــكن حـــظ الـــكويـــتية فـــي تـــقلد المـــناصـــب الــقياديــة ومــراكــز اتــخاذ الــقرار الأخرى بــأفــضل مــن حــظها فــي الــبرلمــان والــحكومــة، فــلا يزال تــمثيل المــرأة فــي هــذه المــراكــز يــقل إلــى الحــد الأدنــى، ســواء فــي المــنظمات الــحكومــية أو الشــركــات الــعامــة أو حــتى فــي الــقطاع الــخاص، حــيث لــم تــتعدَ هــذه النســبة فــي المــتوســط 13 في المئة فــي أحــسن الأحــوال، عــلى الــرغــم مــما تــمثله المـــرأة مـــن أغـــلبية عـــدديـــة مـــشهودة فـــي الـــجامـــعات والمـــعاهـــد الـــعليا بنســـب تـــصل إلـــى 75 في المئة مـــن الـــتعداد الـــطلابـــي، كـــما تـــرتـــفع نســـبة مـــساهـــمتها فـــي ســـوق الـــعمل إلـــى 63 في المئة مـــن إجـــمالـــي الــعاملين فــي الــقطاع الــحكومــي و50 في المئة مــن الــكويــتيين الــعامــلين فــي الــقطاع الــخاص. وعــلى الــرغــم مــن مـصادقـات الـكويـت كـدولـة عـلى مـعظم الاتـفاقـيات الـدولـية الـتي تـنص عـلى تـمكين المـرأة كـاتـفاقـية الأمم المتحدة (سـيداو) في عام 1979، وكـــــذلـــــك تـــــبني الـــــدولـــــة الهـــــدف الـــــخامـــــس مـــــن وثـــــيقة الأمـــــم المتحـــــدة لـــــلتنمية المســـــتدامـــــة والـــــقاضـــــي بـــــرفـــــع نســـــب مـــــشاركـــــة المـــــرأة فـــــي المـــــناصـــــب الـــــقياديـــــة إلـــــى 30 في المئة، إضافة إلى  تـــــبني اســتراتــيجية الــكويــت لــلعام 2035 هــدفا واضــحا بــاعــتماد تــمكين المــرأة إلــى جــانــب الــرجــل لــلوفــاء بخــطط التنمية الطموحة.

كــل ذلــك كــان لــه أثــر بــسيط فــي تــحقيق تــمكين المــرأة، فالــواقــع يـــبّين أن الـــتغيير الاجـــتماعـــي لإحـــداث هـــذا الأثـــر يـــتسم بـــالـــبطء خـــاصـــة مـــع زيـــادة التحـــديـــات والمـــعيقـــات لـتقدم المـرأة، لـذا يبدو أن القرار السياسي هو الذي يترك الأثر الجوهري المطلوب لتمكين المرأة. تدخل الـقرار الـسياسـي، على سبيل المثال، إيـجابـياً لـفتح المـجال لـلمرأة لـلانخـراط فـي سـلك الشــرطــة فــي نــوفـمبر/ تشرين الثاني 2008، والانــضمام إلــى ســلك الــقضاء كــوكــيلة نــيابــة عــام 2014، ثــم تــوج الــقرارالـسياسـي الأخـير فـي يـولـيو/ تموز 2020 مـسيرة المـرأة بـتعيين ثـمانِ سـيدات قاضـيات فـي مـحاكـم الـكويـت لأول مــرة، لا شــك أنــها خــطوة جــبارة حــطمت عــددا مــن جــدران ذلــك الــصندوق الــذي أحــاط بــالمــرأة وعــطل تقدمها على الرغم مما تمتلكه من الكفاءة والقدرة.

وأخــيراً، ينبغي التأكيد على أن دســتور الكويت لــعام 1962 نــص صــراحــةً فــي مــادتــه رقــم (29) عــلى أن "الـناس مـتساوون فـي الـكرامـة الإنـسانـية، وهـم مـتساوون فـي الـقانـون والـحقوق والـواجـبات الـعامـة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو اللغة أو الدين". لا يزال الـدرب طـويـلاً والـتغيير فـي الـوعـي والـثقافـة المـجتمعية بـطيئاً، ولـكن عـزيـمة الـنساء قـويـة، ودعـم الـقرار الــسياســي مــطلوب لــتغيير هــذا الــواقــع فــي مــجتمعاتــنا الــتي لــن تــحقق تــنمية حــقيقية إلاّ بــمشاركــة المرأة المؤهلة في بناء مجتمعاتها إلى جانب الرجل.

 

موضي عبد العزيز الحمود، أستاذة جامعية، وكاتبة، ووزيرة كويتية سابقة، حاصلة على الدكتوراه في إدارة الأعمال من جامعة مدينة لندن، لمتابعتها على تويتر @moudi_alhumoud