أثارت الاعتداءات الأخيرة على عبير موسي وسامية عبوّ وأخريات جدلا واسعا في تونسلاسيما وأنّ تداعيات العنف على النساء تطرح تساؤلات حول مستقبل المشاركة السياسيّة للتونسيات وحقوقهنّ ومواطنيتهنّ. الخطاب السياسيّ شأنه في ذلك شأن الخطابات الدينيّة والمعرفيّة، كان ولا يزال خطابا ذكوريّا إقصائيّا لا يعترف بتاء التأنيث ولا بكفاءات النساء وقدرتهنّ على تولّي المناصب السياسيّة القياديّة. غير أنّ هذا التصوّر القائم على اعتبار السياسة حكرا على الرجال ب'الطبيعة والفطرة' سرعان مع اُربك بعد 'الثورات العربيّة" التي أفرزت مجموعة من الشابّات والنساء القياديات في مجالات متنوعّة. فما العمل حين تترشّح فئة من التونسيات لمنصب رئاسة الدولة ككلثوم كنّو وآمنة منصور وسلمى اللومي أو تتقلّد بعض النساء مناصب هامّة في مؤسسة الرئاسة كمديرة الديوان نادية عكاشة أو المستشارة رشيدة النيفر أو الناطقة الرسميّة سعيدة قراش أو أمينة الحزب كميّة الجريبي أو رئيسة الحزب كعبير موسي؟ فهل بمقدور الخطاب المتداول أن يعكس هذا التطوّر في مجال المشاركة السياسيّة للنساء فيتوخّى سياسة لغويّة ادماجيّة تقرّ بوجود السيِاسيّة والسياسيّات أم أنّ استراتيجيات المقاومة تقف حائلا أمام جندرة اللغة وتجسيد العدالة الجندرية اللغويّة؟

لئن شكّك أغلبهم في كفاءة المترشّحات لمنصب "رئيس/ة الجمهورية" وبعدهنّ عن المجال السياسيّ لاسيما بعد مشاركتهنّ في المناظرات والحوارات واللقاءات المباشرة فإنّ فاعلية عدد من النساء داخل مجلس الشعب سمحت لهنّ بانتزاع الاعتراف وكسب الأتباع والمعجبين والمعجبات. فمن النعوت والصفات والاستعارات ما يشير إلى تمكّن مجموعة من النساء من بناء علاقات قائمة على المحبّة وتعزيز الثقة مع الجمهور. فعبير موسي مثلا هي اللبؤة، والمخلّصة، وامرأة بألف رجل.

وبالرغم من اكتساب بعض النساء المهارات التواصليّة والقدرة على المحاججة والمناورة وابتكار الحلول وعقد الائتلافات  والمناصرة وغيرها ظلّ الحديث عن هذه الفئة الفاعلة في الخطاب الرسميّ مقتصرا على ذكر الأسماء: ميّة الجريبي، سامية عبوّ، عبير موسي دون الإقرار بأنّ من الفاعلات في المجال السياسيّ من هي جديرة بأن تلقّب بالفعل ب"السِياسيّة" بل وجدنا من يبرّر ضرورة استعمال صيغة التذكير بدل التأنيث بأنّ الاعتراف بالنساء الفاعلات في المجال السياسيّ يجردهنّ من الأنوثة لأنّهنّ يتماهين مع الأنموذج الذكوري في ممارسة السياسة فيتذكّرن ولذا كانت عبير موسي في نظر بعضهم، رجلا 2 بل هي أرجل من عدد من السياسيين.

لا تُخاض معارك الفاعلات في المجال السياسيّ في مستوى اللغة والخطاب الذي يصاغ حولهنّ في مختلف وسائل الإعلام فحسب بل يتعيّن عليهنّ أن يقاومن على أكثر من واجهة من ذلك أنّ على المشاركة في المجال السياسيّ أن تثبت وجودها وتدافع عن حقوقها وتدخل في مواجهة مع من يريد استبعادها من العمل والنشاط والفاعلية من خلال اعتماد استراتيجيات مختلفة لعلّ أبرزها استعمال كلّ أشكال العنف. فعبير موسي حسب الناطق الرسميّ لحزب النهضة عماد الخميري، هي "زغراطة نظام بن عليّ"، أي أنّها كانت تطلق الزغاريد في الحملات الانتخابيّة وتكتفي بالمساندة وتحفيز الجماهير3، وهي حسب آخرين "حرباء تونس".

ولا يتوّقف الأمر عند الشتم واللعن وتشويه السمعة، وهي وسائل معتمدة بكثرة أثناء الحملات الانتخابية للحيلولة دون نجاح المترشّحات في نيل ثقة الشعب، وكذلك داخل قبّة البرلمان وخارجه لاسيما حين تدافع السياسيّةُ عن الحرّيات الفرديّة مثلما فعلت بشرى بلحاج حميدة، أو تُظهر التجاوزات في عمل الوزراء أو تسيير مجلس الشعب مثلما فعلت سامية عبّو وعبير موسي، أو حين تدافع رئيسة البلديّة عن الشفافيّة والحوكمة الرشيدة. فقد ارتأى عدد من النواب داخل مجلس الشعب استعمال العنف الماديّ والنفسيّ من خلال ممارسة التهديد والترهيب والتهجّم. ولا غاية لهؤلاء إلاّ عرض التفوّق الذكوريّ على الركح السياسيّ بما أنّه فضاء للفرجة، والدفاع عن مواقعهم ولا يتسنّى لهم ذلك إلاّ من خلال إعادة المرأة إلى موقعها 'الطبيعيّ' فهي وفق ما تسنده لها الثقافة من صفات، ضعيفة، جبانة، خانعة، سريعة الانفعال، شديدة الخوف، ومثيرة للفتنة والفوضى. أمّا الرجل فهو القويّ والشجاع والجريء والمغامر والمواجه. وبناء على هذه المنمّطات لا يتوانى سيف الدين مخلوف النائب عن 'ائتلاف الكرامة" عن ردع كلّ من تسوّل لها نفسها التطاول على مقام ممثلّي الرجولة المهيمنة: راشد الغنوشي أو توظّف سلاطة اللسان لدحر الخصوم وفضح نفاقهم ومغالطتهم للرأي العامّ وعبثهم بالدستور والتشريعات.

وإذا علمنا أنّ التمثلات الاجتماعيّة والدينيّة والرمزيّة تعمل على إخراج النساء من دائرة الفعل السياسيّ ضمانا لامتيازات الرجال وترسيخا لسلطتهم أدركنا التمييز الممارس بين الجنسين على مستوى تقبّل حالات التعبير عن الأهواء (الغضب، الحزن، الفرح، الرغبة في الانتقام). فسَلطُ اللسان من الرجال يُعدّ فصيحا أو قويّا أو ذا نفوذ ومكانة وهيبة لأنّ سلاطة اللسان لها دور في بناء الرجولة بينما تكره المرأة سليطة اللسان لكلامها اللاذع والمقذع إذ يفترض من النساء أن يكنّ خجولات ومنكسرات وخاضعات للسلطة الذكوريّة التي تتكفّل بضبط سلوكهنّ ومراقبتهن وتحديد تصرفاتهنّ وطريقة تواصلهن مع الرجال.

وانطلاقا من هيمنة هذه التمثلات على النوّاب والقيادات الحزبيّة نفسّر حضور التضامن الذكوريّ الذي تجلّى في اتّخاذ هؤلاء موقف الصمت إزاء العنف الممارس على الفاعلات السياسيات أو في التواطؤ مع المعتدين. ولا يفهم هذا الموقف، في اعتقادنا، إلاّ في ظلّ رهانات السلطة ذلك أنّ دخول النساء بكثافة مجال النشاط السياسيّ بعد الثورة، قد أحدث أزمة تجلّت في مطالبة النسويّات بالتناصف العموديّ والأفقيّ في الانتخابات وفي كلّ مناصب صنع القرار، وضغط الجمعيّات النسويات من أجل تعيين الوزيرات في مختلف الحكومات تعيينا يتطابق مع مكانة التونسيات في الواقع، ويتلاءم مع ما جاء في الدستور من فصول تنصّ على المساواة وعدم التمييز. وأمام هذه المنافسة الحادّة كان اللجوء إلى العنف وسيلة ممنهجة لحفظ المواقع والامتيازات. والمجتمع البطريكيّ إذ يميل إلى ممارسة التحيّز الذكوريّ في تقييم أداء الفاعلين، والفاعلات نراه يعمل جاهدا على المحافظة على علاقات القوّة في المجتمع التي توضّح التداخل بين الجندر والطبقة والسنّ والدين والعرق والثقافة والقدرة الجسدية.

يُطلب من الفاعلات في المجال السياسيّ أضعاف ما يطلب من الرجال ويُحشرن في زاوية التحديق الذكوريّ ليتمّ 'محاكمتهنّ' وتقييم أدوارهنّ وفق المنظومة المعيارية الذكورية. وتظلّ المرأة التي تقتحم مجالا ذكوريا بامتياز بحاجة إلى من يمنحها جواز العبور وشهادة الاعتراف. ولكن لابدّ من الإشارة إلى أنّ النساء لا يقيّمن على أساس أدائهنّ السياسيّ ومواقفهنّ وتصوّراتهن للسياسات التي بإمكانها أن تقود البلاد نحو برّ الأمان، ولا تناقش أفكارهنّ وخطاباتهنّ بعمق بل يُتعرّض لحياتهنّ الشخصية ويختزلن في أجسادهنّ وسلوكهن وطريقة لبسهنّ ومشيتهنّ وضحكهنّ. وهو أمر يؤثر قطعا في حيواتهن وأجسادهنّ وصحتهنّ النفسيّة على وجه الخصوص، وعلاقاتهنّ الأسريّة والاجتماعيّة بطرق تستدعي منّا التحليل لفهم المسار الذي تقطعه المرأة التي تروم خوض تجربة العمل السياسيّ بدءا من مراحل التدرّب وصولا إلى التمكين السياسيّ.

تبدو محنة المرأة التونسية التي تتخذ قرار دخول معترك السياسية في هذه المرحلة التاريخيّة المفصليّة، مركّبة إذ عليها أن تفهم مختلف الرهانات والتحديات وأن تتوصّل إلى تفكيك مختلف بنى الهيمنة وفق منظور تقاطعيّ حتّى تتمكّن من صياغة خطّة للتعامل والتفاوض مع مختلف القوى.

لم تنجح الدورات التدريبيّة التي عٌقدت من أجل تمكين النساء سياسيّا في تحصين النساء اللواتي انخرطن في العمل السياسيّ من العنف المسلّط عليهنّ. فالتمييز الممارس على النساء في القوانين وفي مستوى سياسات الدولة والتغطية الإعلامية، والعنف الممنهج ضدّ الفاعلات السياسيّات وغيرهنّ لا يمكن أن يحسم من خلال برامج التمكين بل يتطلّب الأمر الانكباب على تحليل البنى الذهنيّة والرمزيّة الحاضرة في المتخيّل الجمعيّ نراها في الكتب المدرسيّة وخطاب الأئمة حين يردّدون "لا يفلح قوم ولوّا أمرهم امرأة" ونلمسها في الإنتاج الثقافيّ من مسلسلات، وأغاني وأفلام ومنوّعات ترفيهيّة تحقّر من شأن النساء، وتُظهرهنّ في أسوأ صورة: صورة تكرّس البلادة الذهنية والجهل وتزييف الوعي، وهي صورة تتعارض مع ما حقّقته التونسيات من تطوّر وتألّق على جميع الأصعدة وتتطلّب بناء سياسات إصلاحيّة شموليّة لكلّ المجالات بدءا بالتنشئة الاجتماعيّة وصولا إلى تكريس المساواة أمام القانون وفي القانون. لا معنى لمجال سياسيّ يغيّب النساء: "إنّ المكان الذي لا يؤنّث لا يعوّل عليه."

 

آمال قرامي، أستاذة دراسات الجندر بالجامعة التونسية ورئيسة ماجستير النوع الاجتماعي والثقافة والمجتمع، لمتابعتها على تويتر @amelgrami

 

1 الاعتداء على النائبة عبير موسي تحت قبة البرلمان التونس، نشر (فيديو) بتاريخ27-1-2021، تاريخ الاطلاع 12-2-2021
 الاعتداء بالعنف على النائب أنور بالشاهد وسامية عبو تسقط أرضا، نشر (فيديو) بتاريخ 2020/12/07، تاريخ الاطلاع 15-2-2021

2 نحب عبير موسي خاطرها راجل، مصطفى الدلاجي: نحب عبير موسي خاطرها راجل - YouTubeبتاريخ 11 يونيو 2020 تاريخ المشاهدة 15-2-2020.

3 عماد الخميري: “عبير موسي لا تمت بأي صلة لبورقيبة وهي فقط زغراطة نظام بن علي” – Rassd Tunisia: أخبار تونس – كل اخبار تونس لحظة بلحظة‏، بتاريخ 7-7-2020، تاريخ الاطلاع: 15-2-2021