بعد استلام حكومة ثورة ديسمبر الانتقالية مقاليد السلطة في السودان، نظّمت السودانيات وقفة احتجاجيّة في يوم المرأة العالمي في عام 2020 أمام وزارة العدل للمطالبة بتعديل قانون الأحوال الشخصيّة السوداني. القانون وضعته حكومة الجبهة الإسلاميّة القوميّة عام 1991 في بداية استلامها للسلطة، وإبان انشغالها بتطبيق ما أسمته المشروع الحضاري الإسلامي الذي تتمحور غالبية تصوراته لمجتمع الفضيلة، حول التحكم في حركيات الجسد الأنثوي، بالتقييد، والستر، والحراسة، تحت وصاية الذكور.

 رغم الأطروحات التقدميّة لشيخ الحركة الإسلامية الراحل حسن الترابي، قبل أن يصبح عراب نظام عمر البشير السابق، إلا أن القانون لم يحو في كثير من مواده ما بشر به الترابي في مجال حقوق المرأة. ومن ذلك، حَصَر القانون تعريف العلاقة الزوجيّة على المتعة الجنسيّة، وتزويج الطفلة وإن كانت في عمر العاشرة إذا رأى القاضي مصلحة راجحة. كما يحرم القانون المرأة من حقها في ولاية نفسها في الزواج ويجعل الولي شرطا لصحة الزواج مخالفا بذلك المذاهب الأربعة.  يمنح المذهب الحنفي المرأة حقها في ولاية نفسها في الزواج ويرى المالكية ان الولي شرط لزوم لا شرط صحة. كما تمنح المادّة المتعلقة بالكفاءة في الزواج الولي الحق في فسخ عقد الزواج.

توضع العراقيل أمام النساء عند طلب الطلاق في مطاولات قانونيّة شائكة، تساوم فيها النساء على حقوقهن في حضانة أطفالهن وحقوق أطفالهن في نفقة الزوج.  وقد تسبب هذا القانون في قهر وإذلال النساء، تحولت بعضها إلى قضايا رأي عام، كقضية السيدة عبير شايب التي ماتت، وتركت على صفحات التواصل الاجتماعي حسرتها على حرمانها من حقها في السفر مع أطفالها الى حيث تقيم خارج السودان مع أهلها بعد طلاقها. وقضايا الطفلات اللواتي تعرضن لجروح خطيرة بسبب تزويجهن في سن صغيرة، ثم تولّت بعض المنظمات السودانيّة كمنظمة (سيما) علاجهن والدفاع عن حقوقهن.

تجاوب وزير العدل السوداني نصرالدين عبدالباري، مع كل هذه التداعيات، بإصدار القرار رقم (47) لعام 2020 القاضي بتشكيل لجنة لتعديل القانون. غير ان القرار صحبته حملة إعلامية شرسة، استنكرت قرار التعديل واستهدفت أعضاء اللجنة بالتكفير والتشهير.  وقد صرّحت جماعة أنصار السنة المحمدية بأن" القانون الحالي جيد وشامل لكافة القضايا المتعلقة بالمواطن والمجتمع وليس في حاجة الى تعديل". ولم يكن هذا موقف الجماعة حين صدر القرار رقم (33) لسنة 2016 لتعديل قانون الأحوال الشخصية في ظل النظام السابق.  

الجدل حول القانون ليس جديدا، فقد أعدّت المنظمة السودانية للبحوث والتنمية (سورد) مسوّدة لقانون الأحوال الشخصيّة لم تقبلها الجهات الحكوميّة في 2016، غير أنها سرعان ما تراجعت عن موقفها عند صدور التقرير الدوري العالمي للأمم المتحدة المعني بمراجعة سجل حقوق الإنسان في 193 دولة من بينها السودان، والتي وجدت أوضاع النساء السودانيات بسبب الانتهاكات الكثيرة بحاجة ماسة لإصلاحات قانونية. ولما كان النظام السابق، في نهايات عهده، محاصراً بالعقوبات الأمريكية وتهمة الإرهاب، ورئيسه عمر البشير ملاحق هو وعدد من قادة نظامه، بواسطة المحكمة الجنائية الدولية، وفي حُمّى مسعاه لتحسين صورته أطلق كثيراً من الوعود؛ كتلويحه بإمكانية التوقيع على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، وتشكيل لجنة لتعديل قانون الأحوال الشخصية. لكن الوعود التي طبقت بجدية هي تلك التي تمس مسائل توافق هوى المجموعات التي يطلب رضاها، مثل إسقاط المادة (13) من قانون الطفل السوداني والتي تجرم الختان، أسقطت المادة طمعا في مناصرة الجماعات السلفية.

 فريقان يناوآن تعديل القانون؛ الأول، يضم أعوان النظام السابق والجماعات السلفية المتحالفة معه، والثاني، يضم القوى اليمينية السياسيّة وبعض القوى التقليديّة بما في ذلك بعض المواطنين من الرجال والنساء، لكلٍ رؤيته وتحفظاته، وإن كانوا يشتركون جميعا في الخوف من قضايا ومفاهيم تتعلق بحريّة المرأة والمساواة وحقوق الإنسان وتعديل قانون الأحوال الشخصيّة بوصفها إرث الحداثة والثقافة الغربية، في مواجهة ما درجوا عليه من عادات وتقاليد وإرث ديني. خوف يمكن فهمه، وهو ليس حكرا على السودان، فقد تحفظت كل الدول العربية على المادة (16) في (سيداو) المتعلقة بالزواج والأسرة، وحتى الدول التي تتمتع بحركة نسوية راسخة كالمغرب نجحت في رفع بعض التحفظات ولم تتمكن من المساس بهذه المادّة. غير أن أعوان النظام السابق وحلفاءهم لديهم مخاوف من نوع آخر، تتمحور حول فقدان السلطة والاعتبار وكل كسب سياسي ربحوه من توظيف الدين. تظل معارك التغيير مقابل الدين بمثابة حصان طروادة الذي يعيدُ هذين الفريقين الى ساحة الفعل والتأثير السياسي وينهي حالة العزلة والهزيمة النفسية ويمنح المعنى لوجودهم.

بعد ثلاثين عاما من حكم الإسلام السياسي، الذي انتهى الى النقيض من كل القيم الدينية التي بشّر بها، يحاول أعوان النظام السابق وحلفاؤهم تنظيم أنفسهم حول فكرة فشل التطبيق وسلامة نظرية الإخوان المسلمين العقدية. ويعملون على وصل العلاقة الوجدانية التي انقطعت مع أهل السودان عبر دمغ القوى الثورية بالعداوة للدين الإسلامي وعادات المجتمع السوداني وتقاليده. ويقتات أعوان النظام السابق على التكسب من معارك التغيير اليومية التي تواجه سودان ما بعد الثورة الذي يتخلق في واقع سياسي معقّد، حكومته تقوم على تحالف هش بين المدنيين والعسكر يتصف بانعدام الثقة، في ظل احتقانات عرقية، ووجود أكثر من فصيل مسلّح بالخرطوم، وأزمة اقتصادية طاحنة، ومعارضة منقسمة على نفسها، وغارقة في الضغائن ما يجعل الحكومة مرتبكة إزاء أولوياتها ومشغولة بمعارك البقاء اليومية المتعلقة بالخبز والوقود والأمن. هذه المعارك لا تستهلك الحكومة فحسب ولكن القوى الثورية أيضا.

بعد ثورة ديسمبر، وقعت معارك سياسية كثيرة تراجعت فيها القوى الثورية عن مكتسباتها وأظهرت ارتباكها، مثل الجدل الذي صاحب نصب تمثال الشهيد (عظمة)، أحد شهداء ثورة ديسمبر 2018، الذي لم يتم نصبه في شارع (الأربعين) كما قرر الثوار وانتهى الى معركة فقهية حول ما إذا كان نصب التماثيل حرام ام حلال.   

   قانون الأحوال الشخصية ليس استثناء، فالمعركة لا تتعلق بالدين وإن كان الدين حاضرا فيها. هي معركة سياسية بالأساس، وهي تظهر انتصار النظام السابق، لأن القطيعة المعرفية مع   قيمه ومبادئه لم تتم أو أنها تؤجل بسبب تجاهل القوى الثورية لمدى تأثيرها.  معركة تعديل قانون الأحوال الشخصية ستستمر حتى صدور مسودة التعديل، وسيواجهها النظام السابق وحلفاؤه بالمصاحف على أسنّة الرماح. ومن المرجح أن تخوض المعركة نخبةٌ حقوقيّة، في الغالب، ستقف وحيدة، فالأحزاب السياسية أثبتت أنها غير جادّة تجاه قضايا النساء. ومن ذلك تنصلها في أكثر من واقعة من تمثيل النساء بنسبة 40 في المئة في الحكومة، وأكثر من ذلك، تجذب الحركة السياسية النساء غير الملتزمات بقضايا النساء ليساعدنها في التملّص من التزاماتها، ومن ذلك، بيان النساء السياسيات الداعي لعدم تمثيل النساء في منصب "الوالية" بأعذار مختلفة. هذه الطريقة في النظر لقضايا النساء باعتبارها معارك هامشية يمكن ان تؤجل لصالح قضايا تعتبر أكثر إلحاحا لكنها لا تخلو من انتهازية، ترفع فيها قضايا الخبز، الأمن والفقر والأجندة الحزبية أيضا على أسنة الرماح.

 رغم هذا، هنالك فرصة في أن تعمل الحركة النسوية على جذب القسم الكبير من السودانيين الذين يحركهم الخوف التقليدي على الدين، عبر التوعية ووضع الجدل بخصوص مواد قانون الأحوال الشخصية في إطاره الصحيح الذي يضع الدين والحقوق والعادات والتقاليد الحميدة في جانب، والانتهازية والكسب السياسي والذكوريّة والتقاليد البالية في جانب آخر. وهذه قضايا تدربت عليها الحركة النسوية في السودان وتمتلك أدواتها. آن الأوان لتتوحد الحركة النسوية خلف تعديل القانون (فلا حريّة بدون تضامن).

 

ناهد محمد الحسن، أستاذة وكاتبة، حاصلة على الدكتوراه في تخصص الطب النفسي والعصبي، لمتابعتها على تويتر @NahidElhas