وقّعت مصر طوعًا، خلال تاريخها الحديث، على معاهدات دولية وسعت إلى الانضمام إلى هيئات دولية، مبديةً التزامها بالمنظومة الدولية. ولكن التعديل الأخير لقوانين البلاد، في حال إقراره، قد يؤدّي إلى تجريد هذه الخطوات من مغزاها، وعزل مصر، وتعريض سلطتها القضائية العليا للتسييس.

أجرت الحكومة المصرية في حزيران/يونيو2021 تعديلات لقانون المحكمة الدستورية العليا ومن ثم أُرسِلت التعديلات إلى الجمعية العامة للمحكمة لمراجعتها، وهي تخضع حاليًا للنقاش بهدف التصويت عليها في مجلس النواب. تمنح التعديلات، في حال إقرارها في مجلس النواب وتَحوّلها إلى قانون نافذ، المحكمة الدستورية العليا إشرافًا قضائيًا على دستورية القرارات الصادرة عن المنظمات والهيئات الدولية، وعلى الأحكام التي تُصدرها المحاكم الأجنبية وتكون الدولة المصرية طرفًا فيها. وعلى وجه الخصوص، عند صدور قرار أو حكم خارجي يتعلق بمصر، تتيح التعديلات لرئيس مجلس الوزراء المصري تقديم التماسٍ أمام المحكمة الدستورية العليا لطلب عدم تنفيذ حيثيات الحكم أو القرار أو الموجبات المنبثقة عن الحكم القضائي الصادر عن مرجعية أجنبية.

لقد ادّعى نواب أن القانون يكتسي أهمية في الحالات المتعلقة بالأمن القومي. ووصف نائب سابق لرئيس المحكمة الدستورية العليا التعديلات بأنها ضرورية لـ"حماية البلاد من الأحكام الجائرة الصادرة في الخارج والتي لا تضع في اعتبارها وجهة النظر المصرية". ولكن هذه التبريرات هي مجرد ذريعة واهية. ففي جميع الإجراءات المتعلقة بالدولة المصرية، بدءًا من جلسات الاستماع أمام المحاكم الأجنبية وصولًا إلى مفوضية الاتحاد الأفريقي، تُوجَّه دعوةٌ إلى السلطات المصرية المختصة للمشاركة.

ماذا يعني ذلك عمليًا؟

المحكمة الدستورية العليا في مصر مكلَّفة، أسوةً بمعظم المحاكم الدستورية في العالم، النظر في دستورية القوانين والتنظيمات الداخلية بما ينسجم مع أحكام الدستور. من هذا المنطلق، وعلى الرغم من أن مراجعة القوانين المتعلقة بالعلاقات الدولية هي من صلاحية المحكمة التي قامت بذلك في السابق، فإنه لا دور للمحكمة في مراجعة أحكام محددة صادرة عن مرجعيات أجنبية ودولية، وليس منطقيًا أن تقوم المحكمة بمثل هذه المراجعات نظرًا إلى أن هذه الأحكام تصدر خارج مصر عن هيئات ومؤسسات لا تخضع للقانون المصري. ومن خلال هذه التعديلات، تُطلق مصر ممارسة أحادية في مجال المراجعة القضائية، وتمنح المحكمة الدستورية العليا سلطة وقف تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عن مرجعيات قضائية خارجية. صحيحٌ أن هذه التعديلات لن تُغيّر شيئًا فيما يتعلق بإلزامية الحكم أو القرار أو عدم إلزاميته لمصر، ولكنها تؤمّن غطاءً للسلطات المصرية يُمكّنها من استخدام القانون الداخلي لتجنّب التقيّد بالالتزامات الدولية.

على سبيل المثال، لنفترض أن الدولة المصرية أصبحت طرفًا أمام مفوضية الاتحاد الأفريقي في قضية تتعلق بالحبس الانفرادي والتعذيب، وأن المفوضية أصدرت حكمًا ملزِمًا أثبتت بموجبه أن الدولة المصرية مذنبة وطالبتها بدفع تعويضات. تُجيز التعديلات لرئيس مجلس الوزراء المصري رفع شكوى أمام المحكمة الدستورية العليا لالتماس إعادة النظر في القضية. ويمكن أن تُقرر المحكمة الدستورية العليا أن الحكم يتنافى مع الدستور المصري، وأن تصدر قرارًا يُفيد بأن مصر ستمتنع عن تنفيذ الحكم. في المنظومة الأفريقية التي انضمت إليها مصر طوعًا، يُعتبَر الحكم ملزِمًا. ولكن السلطات المصرية ستوجّه بذلك رسالةً مفادها أن الحكم ليس ملزمًا.

في الواقع، تستخدم السطات المصرية المحكمة الدستورية العليا أداةً كي تُقرر أن القانون الدولي ليس مهمًا في بعض الأحيان؛ والمفارقة هي أن الدستور نفسه الذي يجب أن تحرص المحكمة الدستورية العليا على تنفيذه، يمنح الموجبات الدولية قوة القانون. تتمسك مصرّ بأن تكون جزءًا من المجتمع الدولي، ولكنها تحاول، من خلال هذه التعديلات، أن تفعل ذلك وفقًا لشروطها الخاصة.

ما هو السياق؟

 هذه التعديلات تنسجم، للأسف، مع الجهود التي تبذلها مصر في الآونة الأخيرة لإضعاف تنفيذ القانون الدولي على الساحة العالمية. في الوقت الذي تُناقَش فيه هذه التعديلات، ثمة نزعةٌ متنامية في المجتمع الدولي لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات أمام المحاكم الأجنبية. وتخضع مصر تحديدًا للتدقيق الدولي أمام الهيئات القضائية وغير القضائية: وفي هذا الإطار، يُحاكَم أربعة عناصر أمنيين مصريين غيابيًا في إيطاليا في قضية مقتل طالب الدكتوراه جيوليو ريجيني؛ وبُذِلت محاولة مؤخرًا لمساءلة رئيس الوزراء السابق بتهمة التعذيب أمام محكمة أميركية؛ وتواجِه مصر سلسلة من الإجراءات الخاصة أمام الأمم المتحدة، وكانت مؤخرًا موضوع إعلان مشترك للدول أمام مجلس حقوق الإنسان. ومن الوارد بشكل كبير أن تبادر السلطات المصرية استباقيًا إلى حماية نفسها وسط هذه الموجة.

قد لا تكون لهذه التعديلات قوة القانون خارج مصر، ولكنها توجّه رسالة واضحة. الرسالة إلى الأفرقاء في الداخل، ومنهم حلفاء النظام الذي أفادوا من ثقافة الإفلات من العقاب ومن الجهود التشريعية للمطالبة بالحصانة، وهي إشارة إلى أن مرتكبي الانتهاكات يمكنهم أن يستمروا في ممارساتهم فيما يتمتعون بالحماية داخليًا. أما الرسالة إلى المجتمع الدولي فهي أن السلطات المصرية تتحدى المنظومة الدولية. تُظهر هذه السلطات أنها لا تكترث للمنظومة الدولية وتعلن بخطابٍ واضح أنها قد تستمر في التملص من تنفيذ الأحكام التي لا تناسبها.

ولكن هذه المسألة لم تقتصر فقط على الحقوق والمساءلة، على الأقل في البداية. فالنسخة الأصلية للتعديلات، علمًا بأنها غُيِّرت لاحقًا، منحت أيضًا المحكمة الدستورية العليا صلاحية إجراء مراجعة قضائية للأحكام الصادرة عن "هيئات التحكيم الأجنبية".

في هذا السياق، وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها مصر لإقرار قانون التحكيم في عام 1994 والتي كانت موضع ترحيب واسع، لم يصب التحكيم دائمًا في مصلحة الدولة. ففي الأعوام الأخيرة ازدادت الشكاوى المرفوعة ضد الدولة المصرية بموجب اتفاقات الاستثمار؛ وتشير تقارير إلى أن مصر سددت تعويضات تفوق قيمتها 74 مليار جنيه مصري (4.7 مليارات دولار) لدول أجنبية في قضايا تحكيم دولية بين عامَي 2008 و2017. ربما أرادت السلطات المصرية استخدام التعديلات بنسختها الأصلية للالتفاف على قرارات التحكيم التي تُرتِّب عليها كلفة باهظة.

لقد حذّر النواب، في النقاش داخل البرلمان، من الآثار السلبية التي يمكن أن تسفر التعديلات عن نتائج تؤدي إلى إحباط الاستثمارات الخارجية، ونتيجةً لاعتراضاتهم، حُذِفت عبارة "هيئات التحكيم الأجنبية" من النص. ولكن إدراجها في البداية له دلالاته؛ وقد أُبقي على اللغة الملتبسة في النص القانوني، لا سيما الإشارة إلى "المنظمات والهيئات الدولية"، وربما كان الهدف من ذلك هو استخدام هذا الالتباس لغايات مماثلة، أي التملص من قرارات التحكيم.

لماذا هذه المسألة مهمة؟

قد تترتب على هذه التعديلات تداعيات سياسية واقتصادية وقضائية مهمّة. فعلى الصعيد السياسي، تشكّل هذه التعديلات، من خلال تبريرها للاعتراضات على القرارات الدولية والأجنبية، انتهاكًا للدستور المصري والالتزامات الدولية، بما في ذلك اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات التي تنص على أنه لا يجوز للدول اللجوء إلى القانون الداخلي واستخدامه مبرِّرًا للامتناع عن تنفيذ مواد المعاهدات. وعلى نطاق أوسع، تجعل التعديلات تجاهُل المنظومة الدولية أمرًا عاديًا وطبيعيًا، بدءًا من القرارات الدولية بشأن العلاقات الخارجية وصولًا إلى الأحكام الدولية حول المساءلة في مجال حقوق الإنسان. وتُحوِّل هذا التجاهل إلى جزء من الثقافة القانونية المصرية، ومن الممكن جدًا أن تتسبب بعزل مصر. وهذه العزلة قد تدفع بالأفرقاء الخارجيين إلى السأم من محاولة مساءلة مصر دوليًا، ولكنها قد تُلحق في نهاية المطاف ضررًا بمصالح البلاد.

على الصعيد الاقتصادي، من شأن الامتناع عن تنفيذ الأحكام الدولية، سواء كانت أحكامًا مالية أم غير مالية، أن يوجّه رسالةً مفادها أن مصر لا تلتزم بقواعد اللعبة في المنظومة الدولية، وقد يثير ترددًا لدى المستثمرين الأجانب، وربما يؤدّي إلى انسحاب الفرص من البلاد.

أما قضائيًا، تُعرِّض هذه التعديلات المحكمة العليا في مصر للتسييس وتتسبب بتقويض استقلالها. فهي تحوِّل المحكمة إلى هيئة توجّه رسائل علنية حول ما إذا كانت مصر ستلتزم بالأحكام الدولية أم لا، وتضع بذلك هذه الهيئةَ القضائيةَ في صلب بعض المسائل الأكثر خلافية في مجالَي العلاقات الخارجية والشؤون الدبلوماسية. إضافةً إلى ذلك، ونظرًا إلى دور رئيس الوزراء في رفع الطلبات إلى المحكمة، تُلقي التعديلات ضغوطاً على قضاة المحكمة وتُخضِع المنظومة القضائية لاعتبارات ملتبسة في الأمن القومي لا يُكشَف عنها أمام الرأي العام.

 

 

مي السعدني محامية متخصصة في حقوق الإنسان. وهي عضو منتدبة ومديرة الشؤون القانونية والقضائية في معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط. لمتابعتها عبر تويتر @maitelsadany.

ياسمين عمر محامية متخصصة في حقوق الإنسان. وهي المعاِونة القانونية المتخصصة بالشؤون المصرية في معهد تحرير لسياسة الشرق الأوسط. لمتابعتها على تويتر@Yasminoviech.