جوخة الحارثي: تعقد العلاقات وتشابكها يحفزني للكتابة

رفيعة الطالعي

صدرت مؤخرا للروائية العمانية جوخة الحارثي، الفائزة بجائزة مان بوكر الدولية 2019، رواية حرير الغزالة، وستصدر العام المقبل روايتها نارنجة مترجمة إلى اللغة الإنجليزية. في هذا الملف الأدبي الخاص تنشر "صدى" مقابلة لجوخة الحارثي أجرتها معها رئيسة تحرير "صدى" رفيعة الطالعي، ومقالا يقدم قراءة لأعمالها الأدبية كتبه كيفن بلانكينشيب، أستاذ الأدب العربي بجامعة بريغهام يونغ الأميركية. وفي هذا الملف الخاص تنشر مقاطع من أحدث إصدارين روائيين للحارثي، حرير الغزالة باللغة العربية، ونارنجة باللغتين العربية والإنجليزية. كما يقدم هذا الملف سيرة مختصرة لجوخة الحارثي: أعمالها الأدبية والبحثية والجوائز العربية والدولية التي حصلت عليها.

تُوجِد الكتابةُ الإبداعية مناخَها الخاص وبيئتَها المختلفة، وكلما تعمقت محليتها اكتسبت خصوصيتها المتميزة، ولكنها تفلح في تجاوز حدود البلدان واللغات، لتصبح لغة عالمية مشتركة. أدب جوخة الحارثي مثال آخر يثبت ذلك.

رواية حرير الغزالة أظهرت، كما رواية سيدات القمر مثلا، أن لديك ميلا إلى كتابة ما يشبه روايات الأجيال، وإبراز الاختلافات بينها في ظل تحولات اجتماعية كبرى، ما الذي يحفزك للكتابة وللتعبير عن هذه التحولات؟

- أظن أنني مشغولة بالتحولات لأني مهتمة بفكرة العلاقات، تعقد العلاقات الإنسانية وتشابكها، سواء داخل الأسرة الواحدة أو داخل المجتمع. تأمل المجتمع من خلال عدة أجيال يتيح لي هذه الفرصة للتعمق في دراسة تشابك العلاقات وتعقدها. وعندما أفكر في مجتمع مثل المجتمع العُماني في القرن الثامن عشر، والتاسع عشر، وبدايات القرن العشرين أجد أن الحياة في هذه القرون كانت إلى حد كبير متشابهة، تحدث تغيرات بطبيعة الحال، ولكنها في غاية البطء. أجد أجيالا بعد أجيال تعيش الحياة نفسها والتقاليد نفسها والعادات نفسها. شكل الملابس وشكل التعبير عن النفس تكاد تكون متناسخة عبر أجيال متعددة. فجأة يُكتشف النفط في عُمان، وتبدأ مرحلة جديدة من التاريخ، يواجه العمانيون أنفسهم بتغييرات هائلة حدثت مع شعوب أخرى تدريجيا على مدى قرون، وتحدث في عُمان على مدى سنوات قليلة جدا. الآن أصبحت فكرة الجيل نفسها متغيرة. مثلا جيلي أنا مختلف عن جيل أختي التي تصغرني بثماني سنوات فقط. على سبيل المثال القيم التي وجدت في محيطي وأنا طالبة هي غير القيم التي وجدت في محيط أختي وهي في الجامعة. التأمل في هذه المستجدات، وفي كيفية عيش الناس وتكيفهم مع تغيرات هائلة يشدني للكتابة. يثير انتباهي ككاتبة مثلا أن يحدث في أسرة واحدة في عُمان أن البنت الكبرى لا يُسمح لها بدخول الجامعة، لأن فكرة الجامعة المختلطة كانت وقتها جديدة تماما على المجتمع، بينما نجد البنت الصغرى في نفس العائلة، بعد عشر سنوات فقط تدرس في بعثة في الخارج. هذه التغيرات الهائلة في العالم عامة، وفي عمان خاصة هي التي تدفعني إلى تأمل فكرة الأجيال والعائلات الممتدة وتشابك العلاقات داخلها ولعبة تبادل الأدوار.

"تواجه العمانيين تغييرات هائلة حدثت لشعوب أخرى على مدى قرون."

 ذكرت أنك لست "نسوية" أو Feminist،  ورغم ذلك تعبر رواياتك بقوة عن نساء قويات وقادرات على تغيير مسارات حياتهن ومسارات حياة الآخرين، ماذا تعني النسوية أكثر من ذلك وترفضينه؟

- ربما ذكرت مرة أنني لا أريد الانتماء إلى تصنيفات نسوية، كان ذلك في سياق معين، والسبب على ما أظن هو رغبتي في عدم التصنيف وهروبي من الأرشفة، وبالنسبة إلي يهمني ألا أصنَّف وألا يوضع عليَّ ملصق يحددني ضمن محددات قد لا أكون قادرة على الوفاء بها كلها في المستقبل. لا أفضّل أن تكون رواياتي داخل أي تصنيف أيا كان. ليس بسبب جوهر النسوية. بل ربما كان هذا الموقف قد تشكل لدي بعد قراءة أعمال بعض الكاتبات العربيات، خاصة في الشام والخليج. وهي أعمال لم تستسغها ذائقتي الشخصية لاتجاهها من وجهة نظري نحو الصراخ وحس المظلومية. لم أحب الصوت العالي في تلك الأعمال، وأقصد بالصوت العالي هو أن هناك منطقة في هذه الكتابة أحادية النظر إلى العالم، وفيها الأشياء والعلاقات إما باللون الأبيض أو الأسود، هذا الخطاب يقول إن النساء بالمجمل مظلومات مقهورات بالضرورة، والرجال متوحشون قاهرون سلطويون بالضرورة. قراءاتي لهذا الروايات منذ سن مبكرة أوجد لدي رفضا لهذا التسطيح للعالم الذي يُمارس باسم النسوية والدفاع عن المرأة، ولا أرى في هذا دفاعا عندما تصوّر المرأة مقهورة باستمرار وضعيفة لا تملك من أمرها شيئا. هذا يخالف طريقة نشأتي وتفكيري ونظرتي للعالم. ولذلك لم أحب هذا النوع من الكتابة. أما بالنسبة للوقوف مع المرأة وحقوقها التي هُضمت وماتزال تُهضم فلا يستطيع أي مثقف - فضلا عن المثقفة- إلا أن يكون مع الحرية ومع الإنسان المظلوم ذكرا كان أو أنثى، وأنا أعطيت لابنتي المراهقة كتاب النيجيرية تشمامامندا أديتشي We Should All Be Feminist   لتقرأه ونناقشه. بالنسبة لي من المهم للبنت منذ سن مبكرة أن تعي حقوقها وكل القضايا المتعلقة بها وموقعها في هذا العالم. النسوية مرَّت بتحولات كبيرة جدا، في رأيي لا يحق لنا أن نضع فيرجينيا وولف في سلة واحدة مع سيمون دي بوفوار ومع فاطمة المرنيسي ونوال السعداوي لأنهن لا يمثلن نفس الأفكار والتوجهات النسوية.  ذكرت اسم تشماماندا لأنه يعجبني إنها قالت إنها تحب الأحذية العالية والمكياج وتحب الرجال، وكل هذا لا يتعارض مع كونها نسوية.

"كل مثقف ينبغي أن يكون مع الحرية وضد الظلم."

  حرير الغزالة من وجهة نظري هي رواية نسوية بكل المقاييس، كيف تصنفينها أنت من حيث الموضوع؟

- هيمنغواي يقول إن هناك صعوبة كافية في كتابة الرواية ناهيك عن شرحها. ولكن نحن، أحيانا، للأسف، مضطرون للحديث عنها. رواية حرير الغزالة أرادت أن تقدم ثلاث فتيات معاصرات ينشأن في ظروف مختلفة ويواجهن اختيارات مختلفة، كيف يمكنهن أن يعشن ويقدمن أنفسهن في مجتمع مثل عُمان. في حرير الغزالة أردت أن أفكر داخل هذه الشخصيات: كيف ترى حرير العالم وكيف تراه غزالة، كيف تفهم هؤلاء الفتيات الحياة والبشر من حولهن. وكيف نفهم الحب والصداقة والحاجة للأمان وكيف نتعامل مع تأويل الماضي، الماضي منفتح على الاحتمالات مثلما هو المستقبل، فكيف نصنع إزاء احتمالات انفتحت لم نكن نعرفها عندما كنا نعيش الماضي؟ ألا يفتح هذا التأويلات المختلفة تجاه الحادثة نفسها؟ كذلك، سردت في سيدات القمر ملامح للمجتمع البطريركي أو الأبوي، ولا أغفل أن العلاقات فيه ليست أحادية، وليست نعيما لطرف وجحيما لآخر بالضرورة، فكثير من الناس ينتفعون من إحساسهم بالرعاية، ويتوقون للشعور بالأمان، في حين يعاني آخرون من المزايا التي وجدوا أنفسهم فيها دون أن يطلبوها. في الجامعة أرى كثيرا من الشباب يعانون بسبب هذا النظام الأبوي وليست الفتيات فقط. أحيانا أجد الشاب أكثر خوفاً في تحدي السلطة الواقعة عليه من الأب أو الجد من الفتاة التي هي في نفس عمره، ونتيجة لذلك تحدث أشياء كثيرة مؤسفة. الإنسان يُعاني حتى عندما يبدو ظاهريا أنه متمتع بالسلطة، مثل شخصية عبدالله في سيدات القمر، الذي لديه أسرة ومكانة اجتماعية فهو يبدو ظاهريا أنه رجل مكتمل، لكن في الحقيقة يعاني من أبيه المتسلط ومن المسؤولية الملقاة على عاتقه كرجل له أدوار محددة. قد تبدو الشخصيات النسائية غالبة على رواياتي، ولكني مع الإنسان كيفما كان.

"الذكور أيضا يعانون بسبب النظام الأبوي وليس الإناث فقط."

 هل تعتقدين بأن كتابة المرأة هي "حتما" مختلفة من حيث المعنى، والسياقات السردية، وزاوية الرؤية أم أنها تحتاج إلى اشتغال خاص لتعبر عن وجهة نظر معينة؟

-لن أقول "حتما" إنها مختلفة، لكن المرأة أحيانا تكتب بحساسية أكبر من حساسية الرجل في المواضيع التي تمسها أكثر، وأقول أحيانا لأن المرأة تكتب أحيانا بنظرة ذكورية. تنظر المرأة إلى المرأة بعين الرجل، ومن الطريف أن لدينا نصا في التراث العربي منسوبا إلى امرأة تصف فيه امرأة أخرى بأسلوب ذكوري تماما، أقصد النص الوارد في "العقد الفريد" لأم عصام وهي تصف أم إياس.1

تُوجِد الكتابةُ الإبداعية مناخَها الخاص وبيئتَها المختلفة، وكلما تعمقت محليتها اكتسبت خصوصيتها المتميزة، ولكنها تفلح في تجاوز حدود البلدان واللغات، لتصبح لغة عالمية مشتركة. أدب جوخة الحارثي مثال آخر يثبت ذلك.

تذكرين في رواية حرير الغزالة أماكن محددة ومدنا معروفة في عمان: مسقط، والخوير، وصحار، ولكن بقيت "شعرات باط" مكانا غير محدد في جغرافية عمان، وكذلك كانت بلدة "العوافي" في سيدات القمر، لماذا تكون نقطة انطلاقك المكانية متخيلة؟

- أظن أن مدن مسقط وصحار بتكوينها العمراني والحضري هي مسقط وصحار بالضرورة، ولكن قرية مثل العوافي وشعرات باط قد تكون أي قرية في عمان. على أن التكوين الجغرافي لشعرات باط مختلف عن التكوين الجغرافي لبلدة العوافي، ربما هذا يحيل إلى نوع من التعميم في كونها يمكن أن تكون أي قرية في عمان. وبالمناسبة شعرات باط موجودة في الخريطة.

 هل توافقين على أن للأدب دورا في خلق هوية مشتركة لمجتمع ما أو بلد ما؟ 

-لا اظن أنني مسرفة في التفاؤل لهذا الدرجة فيما يتعلق بقدرة الأدب على خلق هوية مشتركة لشعب ما، بالنظر إلى المجتمعات العربية: من يقرأ الأدب؟ الأدب ليس جماهيريا في مجتمعاتنا لدرجة أنه يمكنه أن يخلق هوية مشتركة. لا يزال الأدب نخبويا وقراؤه كذلك، حتى مع الروايات الناجحة. أتحدث عن آلاف النسخ باللغة العربية من "سيدات القمر" ومن "نارنجة"، ومن "حرير الغزالة"، ولكنها لا تصل حتى إلى ربع ما وُزّع من سيدات القمر وحدها في اللغة الإنجليزية. إذن المقروئية -حتى مع الكتاب الفائزين بجوائز- تعتبر قليلة مقارنة بعدد سكان العالم العربي، يظل التساؤل في كل البلدان الناطقة بالعربية واحدا: هل يصنع الأدب هوية مشتركة؟ لا أعرف. لا أظن أن أحدا يمكنه الجزم بهذا.

هل يساهم الأدب في تشكيل صورة أكثر وضوحا لمجتمع ما نحو معرفته عميقا؟

-عندما أقرأ المراجعات reviews عن سيدات القمر، أجد هذه الفكرة بالضبط التي تتحدثين عنها. معظم الناس يقولون بأنهم لم يعرفوا أو لم يتوقعوا شيئا مما قرأوه في الرواية، بعضهم أصلا لا يعرفون أن هناك بلدا اسمه عُمان. فكرة التعريف موجودة بغض النظر عن مقصد الكاتب. أنا لم أتصور أثناء كتابة روايتي أنها ستترجم وستعرّف أناسا من أقصى العالم بعُمان، ولكن هذا ما حدث. أظن أننا لن نستطيع أن نتفادى فكرة التعريف ببلد ما عندما نقرأ. مثلما عرفنا عن اليابان من كواباتا وميشيما وتانيزاكي وتعلمنا عن كولومبيا عندما قرأنا ماركيز، وعن روسيا من دستويفسكي وتولستوي، لكن لا تنسي أن يابان ميشيما هي غير يابان ماروكامي مثلا. قاهرة نجيب محفوظ هي غير قاهرة وجيه غالي، رأيي هو أن فكرة التعريف ببلد ما أو مجتمع ما في الأدب يجب مقاربتها بكثير من الحذر، لأنها تفترض التماهي بين الرواية وبين الواقع. هذا يلغي الجانب الجمالي والتخييلي للأدب. لاينبغي النظر للرواية بوصفها مرآة للواقع، بل بوصفها تخلق واقعا موازيا.

 فالكتابةُ، بما هي حلم، تغير الواقعَ، إن اللعبة في الكتابة تكمن في أن" كل شيء يتغير قليلا بمجرد أن يتم قوله". كما يذكرنا هيرمان هسه. كلما أخلصتُ للواقع ازدادت خيانتي له. كل شيء يتغير بمجرد تحوله إلى كلمات.

ثم ما هي الغاية من تحويل الواقع إلى قصص إذا لم نملك الحرية للعب على الواقع والتدخل فيه عبر التخيل؟

على الأدب في تصوري أن يكشف لنا أجزاء غامضة من وجودنا، لا أن يؤكد ما قيل أو ما يجب قوله، على الأدب أن يطرح الأسئلة لا أن يجيب عنها. عليه أن يضيء وجودنا الإنساني. نريد الأدب الذي لا يعظنا، بل يعلمنا. ومن أهم ما يعلمنا إياه أن نتجنب السطحية والأحكام المباشرة، وأن نعرف أن الأمور أشد تعقيدا مما تبدو عليه. لهذا فإن النظر للروايات العربية باعتبارها وثائق إثنوغرافية عن هذه الدول أمر خطير، لأن الروايات ليست "سجلات" اجتماعية. أتفهم طبعا فكرة الفضول الطبيعي للإنسان وفكرة التلصص من خلال الأدب وهي فكرة تحدث عنها أكثر من كاتب، ولكني لا أعتقد أن ما كتبه ميلان كونديرا عن التشيك هو صورة مطابقة عما كانت عليه التشيك في ذلك الوقت. فكرة مطابقة الأدب بالواقع والبحث، بالضرورة، عن الواقع داخل الأدب هو الذي يؤدي إلى القراءات المغلوطة أو المضخمة.

 هل تشعرين أنك تعبرين بحرية كاملة عندما تكتبين رواياتك؟ هل هناك مناطق حذر؟ 

- عماد الدين الأصفهاني، من القرن السادس الهجري، يعطينا درسا مهما جدا في هذا الموضوع ويقول إن من ألفَ فقد استهدف2. يعني أصبح هدفا. لذلك لابد أن يكون الكاتب شجاعا إذا كان يريد أن يكتب وأن ينشر، وبدون هذه الشجاعة ستغدو الكتابة بلاستيكية منزوعة الروح، لأن الكاتب الخائف ينتج نصا فاقدا لروحه التي تغذيه، فهل يعني هذا أن الكاتب مثلي يستطيع أن يكتب بحرية كاملة؟ بالنسبة لي إذا فقدت هذه الحرية الداخلية لا أستطيع أن أكتب، أو ستكون الكتابة صعبة. الآن بعد أن فازت سيدات القمر وبعدما اتسع جمهور القراء بهذا الشكل أصبح هذا عبئاً على حريتي. عبءٌ كبير جدا على الكاتب أن يكون له جمهور كبير جدا ومتنوع جدا ومختلف جدا، واللعبة هي ألا تفكر في القارئ عندما تكتب، لأنه لو للحظة واحدة أثناء كتابة حرير الغزالة فكرت ماذا لو قُصت هذه الجملة، كما قُصت جملٌ من سيدات القمر، وألصقت في مواقع التواصل الاجتماعي، ما الهجوم الذي أتوقعه؟ لو فكرت هكذا سأتوقف عن الكتابة.

" أشعر أن الجمهور الكبير عبء على الكاتب."

 الجمهور الكبير بكل صراحة يحاصر الكاتب، وهذا حدث لغيري من الكُتاب وأنا ألاحظه عند بعضهم دون أن يصرحوا بذلك. الكاتب ليس نجما سينمائيا أو لاعبا لامعا أو سياسيا شهيرا، على أولئك أن يتحدثوا بكل دبلوماسية، ولكن ما على الكاتب أن يفعله هو العكس من ذلك. عليه أن يفتح الجراح. وأن يكون حرا في قول ما يريد قوله، وإلا فما قيمة الكتابة؟  الوعي بوجود جمهور هائل عبء فعلا. هناك كاتبة مشهورة ومحبوبة جدا، عندما كتبت الرواية في بداياتها كانت الكتابة بلغتها الأم وموجهة فقط لشعبها وكانت الرواية في منتهى الحرية. وهناك شخصيات في روايتها تتفوه بكلام عنصري، ولكن ذلك كان منسجما مع طبيعة تلك الشخصيات، وبدا لي طبيعيا في سياقه. هذه الكاتبة أصبحت اليوم تبيع ملايين النسخ في جميع اللغات وأصبح من المستحيل أن تجدي في رواياتها أي تعليق عن أي دين أو أي عرق على لسان أي شخصية. لماذا؟ لأنها تعرف أن هناك قراء من مختلف الأديان والأعراق قد يجرحون من كلام كهذا. أصبح هذا قيداً في رأيي، وأصبحت رواياتها الجديدة غير مغرية لأنها تروج لما يسمى بالقيم العالمية. وأنا لا أرغب أن أكون في هذا التيار. لا أريد أن تروج رواياتي لقيم معينة لمجرد أنها القيم الرائجة عالميا. هذا ينهي الخصوصية.

 في رأيي الآن، أهم تحدي يواجه الكاتب العربي عامة، والعماني خصوصا، هو وسائل التواصل الاجتماعي لأنها تفلح بشكل مخيف في توجيه الرأي، وتوجد حالة من الاستسهال النقدي. أي شخص يمكنه أن يقص أي مقطع ويلصقه في تويتر مثلا ويصبح مخولا لمحاكمة الكاتب أو الكاتبة. ولذلك أتفهم خوف كثير من الكاتبات عندما يكتبن روايات تخلو من الحميمية لأنهن خائفات من التبعات الاجتماعية. هذا شيء مفهوم في ظل الضغط المجتمعي الهائل الذي يمارس في وسائل التواصل.

ولكن في هذه الحالة لا نشعر بوصفنا قراء تجاه الرواية بالحميمية لأنها خائفة من الحميمية.

"القيم العالمية تمحو الخصوصية في الأدب."

 فوزك بجائزة مان بوكر  الدولية في2019 أدى ليس فقط إلى تكريسك شخصيا كروائية (عمانية – عالمية) بل أيضا لفت الأنظار إلى الأدب العماني، والعربي عموما، هل توافقين؟

- نعم أوافق. اكتشفت من خلال الترجمات والمراجعات والمؤتمرات، التي حضرتها حول العالم قبل كوفيد 19 والافتراضية بعد ذلك، أن هناك شعوبا لا تعرف شيئا عن الأدب العماني أو الأدب العربي وفوزي بالجائزة زاد الفضول تجاه الأدب العربي والعماني. كثير من طلبة الجامعات حول العالم مهتمون الآن ليس بروايتي فقط وإنما بروايات عمانية وعربية أخرى. ويطلبون مني باستمرار ترشيح عناوين لهم. كما رشحت كُتابا عمانيين للترجمة. لكن أثر الفوز قد لا يُلاحظ فورا، ربما يستغرق سنوات لنرى ثمارا ملموسة.

هل تعتقدين أن حصولك على الجائزة لفت الأنظار، بشكل أخص، إلى أدب المرأة العربية؟

أظن أنني قدمت صوتا مغايرا لأدب المرأة في العالم العربي، وكرس الفوز بالجائزة أدب المرأة. في السنوات العشرين الأخيرة برزت الكاتبة العربية بشكل كبير ولافت جدا، والتعثر الذي رافق كاتبات أخريات في بداياتهن والصوت العالي وتبسيط العالم وأحادية النظرة، تم التخلص منها لصالح الفن في الكتابات الجديدة للمرأة العربية، وأصبح هناك نوع من التنوع، فنجد المرأة البدوية والريفية والمدينية، ونجد النساء في بيئات وأشكال مختلفة من الحضور لم تكن موجودة قبلا في أدب المرأة، في رأيي كل هذا شيء إيجابي ويدعو للتفاؤل بالنسبة لكتابة المرأة في العالم العربي.

رفيعة الطالعي هي رئيسة تحرير "صدى" بالإنابة، برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. لمتابعتها على تويتر @ralatalei

كتابات جوخة الحارثي: خصوصيات جريحة

تعيد الروائية العمانية جوخة الحارثي، في رواياتها، صياغة التغيرات السياسية والاجتماعية السريعة التي حدثت في وطنها خلال الأعوام الخمسين الماضية. وبنفس القدر من الاهتمام، تستخدم جوخة شكل الرواية نفسها لاستكشاف ردود فعل الأفراد على تلك التغييرات، هذا يمنح القراء مدخلا إلى الحياة الداخلية للشخصيات، وهو مدخل لا يوفره إلا الأدب التخييلي.

كيفن بلانكينشيب

عندما كتب روبرت فروست إلى لويس انترمير في 1916 كلماته التاريخية عن ماهية الشِعر قائلاً إن " القصيدة تبدأ بِغُصَّةٍ في الحلق يصاحبها إحساس بالذنب وحنين للوطن وولع للحب" كان فيما يبدو يعرض رؤية أدبية استلهمتها كتابات الأديبة العمانية جوخة الحارثي التي حصلت على جائزة البوكر الدولية في عام 2019 بالشراكة مع مترجمتها ماريلين بوث عن ثاني أعمالها الروائية سيدات القمر.

وجوخة الحارثي التي تحمل درجة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة أدنبرة وتعمل كأستاذة في جامعة السلطان قابوس بمسقط، في سلطنة عمان، تحملنا عبر رواياتها منامات وسيدات القمر ونارنجة" – التي ستصدر بالإنجليزية في العام القادم- في رحلة سردية تستحضر الماضي بِلُغةٍ ثرية وسلاسة لا تُبارى.

تُوجِد الكتابةُ الإبداعية مناخَها الخاص وبيئتَها المختلفة، وكلما تعمقت محليتها اكتسبت خصوصيتها المتميزة، ولكنها تفلح في تجاوز حدود البلدان واللغات، لتصبح لغة عالمية مشتركة. أدب جوخة الحارثي مثال آخر يثبت ذلك.

وعلى الرغم من أن الروايات الثلاث تخرج من رحم الوطن العماني بكل ما شهده من تغييرات متلاحقة منذ ستينيات القرن الماضي، إلا أن الأعمال الأدبية لا يمكن كبحها في مسارات مصمتة، بل يجب تركها لتسيل في دروب متعرجة تتحدى القارئ ليجد خيطاً ناظماً يصل به ما بين تحليق الخيال وصلابة الواقع.

ويدفعنا هذا الخط الضبابي الواصل بين الفن والحياة في روايات جوخة الحارثي للتساؤل عن شكل الحياة في الشِعاب العمانية ومدى ارتباط جوخة الذاتي بها، حيث تكشف الروايات في سياقها العام دواخلَ غايةً في الخصوصية، أغلبها لنساءٍ عمانيات يعشن بين جنبات مجتمع عربي إسلامي تقليدي، بطريقة تسبر أعماق الشخصيات بدون أن تخضع لقوانين التحليل العلمي الجافة والمقيدة.

تُوجِد الكتابةُ الإبداعية مناخَها الخاص وبيئتَها المختلفة، وكلما تعمقت محليتها اكتسبت خصوصيتها المتميزة، ولكنها تفلح في تجاوز حدود البلدان واللغات، لتصبح لغة عالمية مشتركة. أدب جوخة الحارثي مثال آخر يثبت ذلك.

على الرغم من الرخاء الذي طالما تمتعت به عمان بسبب علاقاتها التجارية مع الدول المطلة على المحيط الهندي إلا أن نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين شهدت ترديا كبيرا في حال البلاد بسبب التدهور الاقتصادي والمشاحنات الداخلية والانقسامات التي أججها المحتل البريطاني ما جعلها واحدة من أكثر الأماكن المعدمة على وجه الأرض. وفي سبعينيات القرن الماضي لم يكن في عُمان سوى ستةُ أميالٍ من الطرق المعبدة ولم يكن بها صحف أو إذاعات، وكان متوسط عمر المواطن العماني لا يزيد عن 47 عاماً.

وفي خضم هذا البؤس،  جاء اكتشاف النفط في 1964 ليسري كما الحياة في مجرى الدم العماني. ولكن السلطان سعيد بن تيمور لم يسارع للاستفادة من هذا الثراء المفاجئ في تحسين حال البلاد، وقد أدى تردده هذا إلى التعجيل بسقوطه، حيث خلعه ولده قابوس في انقلاب أبيض في عام 1970 بعد اندلاع تمرد مسلح في محافظة ظفار.

وتحت الحكم الهادئ لقابوس خرجت عمان من شرنقتها وارتفعت نواتج إجمالي الدخل المحلي من 256 مليون دولار لتصل إلى 80 مليار دولار، وليقفز متوسط عمر المواطن العماني من 50 إلى 77 عاماً. أما الرق الذي كان دعامة من دعامات الدخل الوطني فقد حظره السلطان في 1970، وفي 2002 أصدر قراراً بمنح حق التصويت لكل مواطن عماني من عمر 21 عاما فما فوق، وكذلك سعى جاهداً لتحسين علاقات عُمان مع المجتمع الدولي.

وعلى الرغم من تمسك قابوس بالسلطة المطلقة واستمراره في تقييد حرية التعبير والسماح باستمرار نظام الكفالة، إلا أن العمانيين كانوا يُثَمّنون حاكمهم الهادئ لأنهم وجدوا فيه " مُجَدِّداً محبوباً ذا قبضة حديدية". وعندما وافته المنية في عام 2020 كانت البلاد تخطو أولى خطواتها نحو مستقبلٍ مفعم بالأمل.

وتلتقط العين الإبداعية لجوخة الحارثي هذه الطفرات الاجتماعية المؤثرة في أعمالها الأدبية، حيث نراها جلية في رواية سيدات القمر التي ترصد الحياة الزوجية والأسرية التعيسة لثلاث أخوات هن ميا وأسماءء وخولة. حيث تستسلم ميا لزواج بلا حب من تاجر ثري إرضاءً لعائلتها، بينما تتزوج أسماء من خالد الفنان المهووس بذاته والذي يضطرها بعده النفسي عنها للانعزال في فلكها الخاص بعد أن تكرس حياتها لأطفالها الأربعة عشرة. أما خولة فتتزوج من حبيب طفولتها ناصر الذي يخونها وتنتهي الأمور بينهما بالطلاق.

وعلى الرغم من أن تلك النساء يختنقن تحت ضغط النظام الأبوي الصارم والتوقعات الأسرية، غير أنهن لسن قليلات حيلة.  حيث انتقلن جميعاً من قرية أجدادهن إلى العاصمة مسقط، وجاهدن، كلهن، بكفاءة حتى يواكبن نظم التعليم والتكنولوجيا الحديثة.

ولكن ما يميز رواية سيدات القمر بحق هو تركيبها الروائي وتقنية السرد الذي تتناوبه الشخصيات المختلفة وتنتقل به بسلاسة عبر الأزمنة أحياناً في نفس الفقرة. وكما يشير جيمس وود فإن سيولة النقلات هي إسقاط مباشر للتغييرات السريعة التي اقتحمت المجتمع العماني وهي أيضاً خاصية تتميز بها الروايات عن غيرها من صنوف الأدب لما تمنحه للقارئ من "قدرة النفاذ إلى الخَلوات الجريحة للعديد من الشخصيات".

وتأخذنا هذه النقلات السلسة إلى باكورة كتابات جوخة وهي رواية منامات، التي ترويها امرأة بأسلوب شعري منغم تحكي به حكايات عمرها وقصة حبها. وتلتف في ثنايا الحبكة الذكريات مع السحر في لغة شعرية معبرة ووصف بليغ يخترق الحوادث اليومية البليدة، ويرتقي بها إلى عوالم يتصادم فيها المألوف مع العجائب. وتأخذنا الراوية في مقاطعها الافتتاحية إلى عالم رمزي حيث تتابع الراوية والدها المحتضر على سلم حلزوني عبر غابة يسكنها كائنات اسطورية " تنانين تنفث دخاناً أسود، حمر بآذان أرانب وردية وصقور بأقدام بشرية، زرافات بلا رقاب" بينما تتعالي صرخاتها " أنا لست أنا.. وبيتي ليس ذلك البيت".

أما رواية نارنجة، وهي أحدث  أعمال جوخة المترجمة، فلا تحفل بهذه الرؤى المستلهمة من قصيدة جابرووكي التي كتبها لويس كارول، وبدلاً من عالم الخيال تهبط بنا الرواية إلى أرض الواقع بكل ما فيه من قسوة وخشونة. ينظر القارئ في هذه الرواية من خلال عيون زهور، الطالبة العمانية التي تدرس في المملكة المتحدة، التي تسترجع معاناة جدتها التي نشأت في عمان في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي الفترة التي كانت عمان فيها تُدعى "رجل الخليج المريض"، عندما كان الناس يفرون من البلاد بالآلاف بحثاً عن حياة أفضل في مكان آخر. أما الذين اضطروا للبقاء مثل جدة زهور فلم يبق لهم إلا الأفلاج الجافة، والمرض، والفقر، واليأس.

وتتجسد محنة العيش في ذاك الزمان في الجدة التي فقدت النظر في إحدى عينيها بعد أن استقرت بها عشبة أثناء طفولتها. وبدلاً من أن تترك العشبة عين الجدة، تستقر فيها وتسرق بصرها. تحصل الجدة على توصيلة تأخذها لمسقط حيث تذهب لرؤية الطبيب الذي يخبرها "بأن ضرر أعشاب الطفولة نافذ، وأن نورا لن ينبثق من عينها أبدا. أرادت الممرضة أن تقودها إلى الخارج، ولكنها رفضت المغادرة، تعاطف معها الطبيب فأعطاها بطاقة كتب عليها اسمها والتشخيص والوصفة: محلول مطهر."

تقول زهور: "تسيل الدموع من عينيَّ الاثنتين، السليمتين، على عينها الوحيدة، المعطوبة، على أعشاب الجهل".

والرواية لا تكتفي بمتابعة الصراعات الشخصية التي تمر بها زهور، ولكنه ترسم صورة فسيفسائية حية للمجتمع العماني ربما أكثر مما فعلت جميع رواياتها.

ولكن لا ينبغي لهذه التواصيف المتقنة أن تدفعنا للبحث عن الواقع فيما نقرأه من أدب، تقول ماريلين بوث مترجمة جوخة الحارثي" في كثير من الأحيان يُنظَر للأدب العربي على أنه خارطة للعالم العربي بدلاً من اعتباره فناً تستوحي كتاباته الخيال وتخترق به حواجز المسموح في الفكر والقول". على سبيل المثال، جميع شخصيات رواية سيدات القمر من قرية تسمى العوافي ولكن هذه القرية لا وجود لها في عمان في الحقيقة. وتقول الحارثي ضاحكة في مقابلة أُجريت معها " أخبرني بعض الناس أنهم حاولوا أن يجدوها على الخريطة، ولكن القرية في الواقع من نسج خيالي".

والحقيقة أن الحياة قد تكون أقرب للخيال منها للواقع، وربما يكون هذا هو ما تريد جوخة الحارثي أن تخبرنا به في كتاباتها. في رواية منامات يقول محبوب الراوية "أشعر بأني أؤدي في هذه الحياة دوراً مزدوجاً: أعيش الحياة وأراقب عيشي"، وفي رواية سيدات القمر، كلما استدعت ميا معجزة النوم لتستعين بها على قحط المشاعر في زواجها البارد "بدت لها الحياة منشطرة شطرين كالليل والنهار: ما نعيشه وما يعيش بداخلنا".

وأنّى لأي كلمات أخرى أن تصف إبداع الكتابة بكل ما فيه من تقاطع مع الذات وانعكاس لرقابتها؟

في عالم الواقع المنقلب رأساً على عقب تنسلخ الراوية من نفسها، وفي عالم الرواية تسترد تلك النفس عندما تكتب قصتها. ومن هنا نتلمس بعض الراحة من تصريح سيجيسموندو الذي قاله في مسرحية " الحياة حلم" التي كتبها بيدرو كالديرون دي لا باركا في القرن السابع عشر:

 

ما هي الحياة؟ رواية تُروى

ماهي الحياة؟ جنون يَغشى

أطياف رُؤَى

نعيمٌ غيرُ مقيم

ما الحياة كلها  إلا حلم

وما الأحلام نفسها إلا حلم

 

كيفن بلانكنشيب استاذ مساعد بجامعة بريغهام يونغ حيث يدرّس اللغة العربية وآدابها. نشرت كتاباته في العديد من الصحف والدوريات الأدبية الهامة مثل The Atlantic, Foreign Policy, The Los Angeles Review of Books, The Spectator, The Times Literary Supplement، لمتابعته على تويتر@AmericanMaghreb

مقطع من حرير الغزالة، دار الآداب، 2021

"خطَّطت العمة مليحة لموتها بكل دقة. قدَّرت أن أيام عزائها ستكون أيام الانتصار الحقيقية لها حيث يكتمل عقابها لعائلتها وانتقامها منها. رغبت مليحة أن تسجن عائلتها داخل موتها، وأن تُذوِّب أجسادهم اللاهية داخل جسدها العاجز المتضخّم المهمَل، الجسد الذي تقصَّد موته لمعاقبة الحياة في أجسادهم. ستموت وسيُجبرون على التفكير فيها، سيجتمعون كلهم من أجلها، سيتركون انشغالاتهم العظيمة وأعمالهم وأولادهم وأصدقاءهم وسيأتون صاغرين للعزاء. لن يتمكن أحد من الإفلات من قبضة موتها المحكمة، سيضطرون للبكاء وللحديث عنها هي مع المعزّين، ليس بوسعهم تجاهلها، إنها مركز الحدث، ليس بالإمكان تفاديها، إنها ماثلة أمامهم في كل لحظة، هي القطب وسيدورون حولها كما لم يفعلوا قطّ في حياتهم."

ستنتزع بالموت كلَّ السلطة التي لم تمنحها إياها الحياة. لن يوجد على وجه الأرض جثَّة أسعد منها؛ حين يلتفُّ حولها الناس الذين لم يلتفوا حول جسدها الحي، ولو كانت الجثث تضحك لما توقفت جثتها عن القهقهة سخريةً منهم."

مقطع من نارنجة، دار الآداب، 2016

تُوجِد الكتابةُ الإبداعية مناخَها الخاص وبيئتَها المختلفة، وكلما تعمقت محليتها اكتسبت خصوصيتها المتميزة، ولكنها تفلح في تجاوز حدود البلدان واللغات، لتصبح لغة عالمية مشتركة. أدب جوخة الحارثي مثال آخر يثبت ذلك.

"أسرع الفلاحون لبيع محاصيلهم من التمر المجفف والليمون اليابس إلى كبار التجار تمهيدا لتصديرها إلى الهند، وأسرع أصحاب الدكاكين إلى سوق مطرح لتزويد دكاكينهم في القرى البعيدة بالأرز والبن والبهارات وصناديق الأناناس المعلب، ومنكهات النعناع، والأقمشة الملونة، والخرز، وأسرع الفتيان في محاولاتهم المستميتة للسفر إلى البحرين للعمل، أو العراق للدراسة، ولكن كان لا بد من الحصول على الجوهرة النادرة أولا: جواز سفر، يسمَّى بالجواز السعيدي، لأن السلطان شخصيا لا بد أن يوافق على إصداره، وأسرع المرضى والمريضات إلى مستشفى الإرسالية في مطرح، الذي عُرف بعد أكثر من عشر سنين بمستشفى الرحمة.

كان الدكتور ويلز توماس يعالج حوالي ثمانين مريضا كل يوم، وقفت جدتي بقامتها الفارعة، بسنينها التسع والثلاثين، بينهم، تنتظر أن يُنادى اسمها. قالوا لها بأنها سترى الخاتون أولا، فأدخلت على امرأة شقراء بزي أبيض، فسألتها جدتي: "أنت الخاتون؟"، فابتسمت المرأة الأمريكية وقالت بلطف: "اسمي بث توماس"، فشعرت جدتي باقتراب المعجزة، إنها زوجة طومس. ناولتها بث كراسة مطبوعة، أمسكتها جدتي بكلتا يديها كمن يتلقى الهبة الإلهية، لم تقل للسيدة الشقراء إنها لا تقرأ ولا تكتب، وإن هذا الكتاب، الذي ستعرف لاحقا إنه الإنجيل وستضعه في صرتها ذكرى لقائها بطومس، كان ثاني كتاب تمسكه في حياتها بعد القرآن.

التقت جدتي بطومس كما يلتقي المرء القديسين والأولياء ومحققي أحلام البشر، لكن لقاؤهما كان قصيرا، إذ أن طبيب الإرسالية الشهير، مجري العملية الناجحة لعين الإمام قبل بضع سنين فقط، لم يستغرق سوى دقيقتين في فحص عين جدتي العوراء ليبلغها بأن ضرر أعشاب الطفولة نافذ، وأن نورا لن ينبثق من عينها أبدا. أرادت الممرضة أن تقودها إلى الخارج ولكنها رفضت المغادرة، تعاطف معها الطبيب فأعطاها بطاقة كتب عليها اسمها والتشخيص والوصفة: محلول مطهر.

حين أصبحتُ على عتبة العشرين، على سفر، وعلى عجل، وعلى ثقة بالحياة، وعلى رغاب جمة، حين كانت جدتي تحتضر، وكنت ألملم ثيابها وحاجياتها البسيطة، لأخذها إلى المستشفى، عثرتُ على هذه البطاقة، وقرأت في ظهرها العبارة من الإنجيل: "مخافة الرب بداية الحكمة".

عشرون عاما من الإبداع وأكثر

تُوجِد الكتابةُ الإبداعية مناخَها الخاص وبيئتَها المختلفة، وكلما تعمقت محليتها اكتسبت خصوصيتها المتميزة، ولكنها تفلح في تجاوز حدود البلدان واللغات، لتصبح لغة عالمية مشتركة. أدب جوخة الحارثي مثال آخر يثبت ذلك.

رغم أن رواية سيدات القمر التي نشرت في 2010 نالت شهرة عالمية أوسع بسبب ترجمتها إلى الإنجليزية وفوزها بجائزة مان بوكر الدولية، ألا أن جوخة الحارثي نشرت أعمالا أدبية لاقت انتشارا وفوزا على المستويين العماني والعربي.

أصدرت جوخة الحارثي عملها الإبداعي الأول في عام 2001، وكان مجموعة قصصية بعنوان مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل، ثم توالت أعمالها الأدبية في الصدور سواء كانت مجموعات قصصية أم روايات أو نصوصا أدبية. ومن هذه الأعمال: صبي على السطح، وفي مديح الحب، كما كتبت الحارثي قصصا للأطفال مثل: عش للعصافير، والسحابة تتمنى.

 أما بالنسبة للروايات، وهي التي وضعت جوخة في دائرة الأدب العالمي، فقد صدرت أولى رواياتها، منامات، في عام 2004، وبعدها بست سنوات نشرت سيدات القمر، وهي أولى رواياتها المترجمة، وحاليا يتم إعداد روايتها الثالثة نارنجة التي صدرت بالعربية في عام 2016، للنشر باللغة الإنجليزية في العام المقبل، (تنشر صدى مقطعا من الترجمة الإنجليزية3 في هذا الإصدار). كما صدرت أحدث رواياتها بالعربية حرير الغزالة خلال العام 2021 (تنشر صدى مقطعا من هذه الرواية في هذا الإصدار أيضا)4.

نشرت جوخة الحارثي بالإضافة إلى الأعمال الإبداعية كتبا أكاديمية مثل كتابها الجسد في شعر الحب العربي: التراث العذري، الذي نشر في أيار/مايو 2021 ضمن منشورات جامعة أدنبرة. وكانت في عام 2014 قد نشرت كتابها ديوان أبي الحكم الشيخ أحمد بن عبدالله الحارثي: جمع وتحقيق، ضمن منشورات مركز الدراسات العمانية بجامعة السلطان قابوس. وفي 2010 نشرت كتاب ملاحقة الشموس: منهج التأليف الأدبي في كتاب خريدة القصر للعماد الأصفهاني.

تُوجِد الكتابةُ الإبداعية مناخَها الخاص وبيئتَها المختلفة، وكلما تعمقت محليتها اكتسبت خصوصيتها المتميزة، ولكنها تفلح في تجاوز حدود البلدان واللغات، لتصبح لغة عالمية مشتركة. أدب جوخة الحارثي مثال آخر يثبت ذلك.

من جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون إلى مان بوكر الدولية

حصلت جوخة الحارثي على عدد من الجوائز العربية والدولية، أبرزها جائزة مان بوكر العالمية للرواية، في 2019. وعلى إثرها تمت استضافتها في العديد من المؤتمرات العالمية والمهرجانات الأدبية في أوروبا وآسيا وأستراليا ونيوزلندا، إضافة إلى دول الخليج العربي، كما عقدت اتفاقات لترجمة أعمالها الروائية إلى إحدى وعشرين لغة عالمية كالألمانية، والفرنسية، والروسية، والصينية، والسويدية، والنرويجية، والتركية.

 

وسابقا، فازت الحارثي بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، فرع الآداب في 2016، وكانت ضمن اللائحة القصيرة لجائزة الشيخ زايد لعام 2011، فرع المؤلف الشاب. وإضافة إلى ذلك حصلت الروائية العمانية على جائزة أفضل إصدار عماني في مجال أدب الطفل لعام 2010، وجائزة أفضل إصدار عماني في مجال الرواية لعام 2010. وكانت قد حصلت، في عام 2001 على المركز الثاني في مجال المجموعة القصصية، لجائزة الشارقة للإبداع العربي-الإصدار الأول، عن مجموعتها القصصية مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل.

وفي الوقت الذي تمنحنا فيه الروائية المتميزة جوخة الحارثي هذا الإبداع، وهذه المتعة، تعمل أيضا أستاذة مشاركة في قسم اللغة العربية بجامعة السلطان قابوس، لتقدم لطلابها هذا المزيج البديع من الفن والبحث المتعمق في الأدب والحياة كما يشكلها تخييلها وتؤلفها كلماتها.

ملاحظات

1السياق الذي وصفت فيه أم عصام أم إياس بعين ذكورية هو من أجل تقديمها لخاطب أراد أن يتزوجها فطلب معرفة صفاتها، فوصفتها أم عصام بهذه الطريقة لتجملها في عين الخاطب  

2 مما قاله الأصفهاني في هذا السياق أيضا: (لا يَزَال المرءُ في فُسْحةٍ من عقلِه ما لم يَضَعْ كتابًا يَعْرِضُ على النَّاسِ مَكْنُونَ جهلِه، ويتصفَّحُ به إن أخطَأَ مَبْلغَ عقلِ)

3 جوخة الحارثي قدمت لصدى مقطعا من الترجمة الإنجليزية لرواية نارنجة التي ستنشر العام المقبل تحت عنوان

 The Bitter Orange Tree

4 اختارت الروائية العمانية هذين المقطعين من حرير الغزالة ونارنجة من الأصل باللغة العربية للنشر في صدى