داخل عريش متواضع، مبني من الخشب والقماش، في حوش كبير بمنطقة "تفرغ زينة" الراقية بالعاصمة نواكشوط، يبدو ضوء المصباح باهتا، لكن الهاتف الذكي الذي تداعبه أنامل زينب يظهر تفاصيل الهم الذي تحمله على عاتقها، و جعل سنين عمرها الأربعين تبدو أكبر بكثير.

الأرملة زينب تعيل طفلين وفتاتين، وهي تواجه أياما صعبة، حيث تسبب تداعيات كوفيد 19 وحظر التجول الليلي في تقليص مدخولها بنحو 70 في المئة، ولم تستفد في ذات الوقت من الميزانيات التي خصصتها الدولة لمساعدة الفقراء، فقد حرمها ضعف شفافية المعلومات، وتحيز بعض الجهات الرسمية لتحديد قوائم المستفيدين من المساعدة.

تعمل زينب حارسةَ حوش في منطقة تفرغ زينة أغنى مناطق العاصمة نواكشوط، وهي مهمة غير مدفوعة الأجر، تقوم بموجبها أسرة فقيرة في نواكشوط، بالعيش في حوش كبير مملوك من طرف أسرة غنية، بهدف ضمان عدم استغلاله من طرف غير مالكيه، وعادة تبقى الأسرة في الحوش لحد قيام أصحابه ببناء منزل كبير فيه وبعدها يغادرون لحراسة حوش آخر.

توفر زينب بذلك سكنا لها ولأبنائها، وتقوم بتحضير وجبة الكسكس لبيعها قرب ملتقى طرق "سيتي سمار" الشهير في نواكشوط، قبل العودة الى البيت في حدود منتصف الليل. وعلى الرغم من هشاشة وضع زينب، غير أنه يوفر لها نوعا من الاستقرار، لأنها غير مضطرة لدفع إيجار المنزل وفواتير الماء والكهرباء، وتحافظ على دخل يومي في حدود 15 دولارا.

منذ آذار/ مارس 2020 عندما سجلت موريتانيا أول حالة إصابة بكوفيد 19، تغير الكثير، فقد تم فرض حظر تجول جزئي يتم تغيير توقيته ورفعه باستمرار. ومنذ 18 تموز/ يوليو 2020 قررت الحكومة الموريتانية زيادة ساعات حظر التجوال لمنع تفشي الموجة الثالثة من كوفيد 19. يعني هذا أن زينب ستغير مواعيد عرض بضاعتها، من الثامنة ليلا، إلى الرابعة مساء.

هذا الوضع تسبب في تراجع دخلها إلى 5 دولارات في اليوم، حيث إن الزبائن لا يريدون الحصول على وجبة كسكس أعدت ظهرا، وهي في الأساس وجبة ليلية، والبعض بات يعزف عن شراء الوجبات الشعبية عموما، ويفضل إعدادها في البيت تفاديا للاتصال المباشر مع بائعات الكسكس. فضلا عن ذلك تواجه البائعات صعوبات عند عرض بضاعتهن على الأرصفة، في أشهر الصيف، تحت أشعة شمس حارقة.

تعتبر بائعات الكسكس أكثر العاملات في القطاع غير المصنف، الذي لا يخضع للضرائب ولا يراقب من قبل الحكومة، وهو بالتالي نشاط لا يدخل في الناتج القومي الإجمالي وهو يمثل نحو 80 في المئة من الاقتصاد الموريتاني.

ينعكس هذا الوضع على القوى العاملة التي تعمل في ظروف لا تخضع لرقابة إدارة الشغل في اقتصاد يعاني من اضطراب أسعار المواد الأولية، والظروف المناخية، والأزمات السياسية ويعتمد على المساعدات الدولية.

يطرح زعيمان موريتانيان أفكارا يمكن ان تجعل زينب وآلاف النساء معيلات الأسر أكثر تحملا لتداعيات كوفيد 19. يعتقد مسعود ولد بلخير رئيس حزب التحالف الشعبي التقدمي والحقوقي بيرام الداه اعبيد أن مساعدات الدولة الموجهة للفقراء تفتقد لبعض الشفافية، وأنه يجب رفع مستوى الرقابة تحديدا على صرف المال مباشرة للفقراء.

نقص الشفافية وعدم مراعاة أوضاع النساء العاملات بالقطاع غير المصنف أثناء اتخاذ إجراءات الحظر وتضييق الحركة، وضعف معلومات الجهات الرسمية التي لا توجد لديها إحصاءات ومعلومات محدثة بشأن أحوال مئات النساء، يجعل الحمل ثقيلا على معيلات الأسر. ومن شأن تطوير استراتيجية أكثر شفافية، بالتزامن مع التدخل الحكومي المقنن لحماية هؤلاء النساء في هذا الوضع، أن يزيد ثروة البلاد الاقتصادية وليس فقط إنقاذ معيلات الأسر في ظل الجائحة. 

في حال أتيحت فرص أفضل لزينب وآلاف الموريتانيات للعمل وفق معايير قانونية تحفظ كرامة الإنسان، فسوف يمكنهن ذلك من زيادة ثروة موريتانيا بنسبة 19 في المئة، تحديدا في حال تم تعزيز المساواة بين الجنسين. بحسب التقرير الاقتصادي الرابع لموريتانيا، الصادر عن البنك الدولي في حزيران/ يونيو الماضي.

بالنسبة لزينب فإن الأرقام موضوع معقد، وما تعرفه جيدا هو أن عليها أن تبحث عن وسيلة لتوفير قوت عيالها، وقد علمتها التجربة، ألا تنتظر إجراءً حكوميا، عليها فقط أن تقاتل كل يوم مهما كانت العوائق.

 

الربيع إدوم  روائي وصحفي موريتاني ينشر تقاريره ومقالاته الصحفية في منصة الرؤية - La Vision. لمتابعته على تويتر Rabyidoumou5@.