لم يهزمني غير الوباء، فمع وفاة والدي عرفت للمرة الأولى معنى فقدان الإرادة، وعرفت معنى غياب السند، وتعمق الجرح حين اضطرتني ظروف الوباء إلى دفنه دون معزين. وقد كنت أنتظر أن يأتي الناس من كل الطوائف، المسيحية والمسلمة، من المنيا إلى القاهرة، لتعزيتي ولألملم بقايا قوتي، لكن القدر لم يمنحني ذلك، فقد أصبت أنا نفسي بفيروس كوفيد-19 عقب وفاة والدي مباشرة.

قبل وفاة والدي، كنت قد اخترت بيتي الجديد في مجمع سكني أنيق على أطراف القاهرة، اسمه "الجنة"، وكان كذلك بالنسبة لي؛ شقة تدخلها الشمس والهواء، وأشعر فيها بالأمان، وحي أستطيع أن أمشي فيه مع ابنتي ذات السنوات الخمس دون خوف أو تهديد من "بلطجية" الشوارع الذين لا يتركون أي أنثى في شأنها. لقد عانيت من التحرش في مدينتي الأصلية مغاغة، حيث تربى داخلي، منذ سنوات بعيدة، رعب من المتحرشين الذين لا يفرقون بين طفلة وجدة، أو بين مسلمة ومسيحية.

قبل الوباء، كانت "الجنة" بالنسبة لي شوارع أستطيع المشي فيها بأمان، دون حماية الأقارب من الرجال، هذا ما حققه لي موقع بيتي الذي استأجرته بعد الانفصال عن زوجي، بسبب قدرتي المادية على دفع الإيجار نتيجة لاتساع ونجاح عملي الخاص. بدأت في التخطيط للحصول على منحة لدراسة الماجستير في الخارج؛ الحلم الذي أردت تحقيقه قبل أن تهبط عليَّ صاعقة الوباء وتخطف مني عناصر قوتي الأمان المادي، والأهم الأمان المعنوي المتمثل في والدي القس عادل حكيم.

بعد أن ذقت طعم النجاح، وبينما كنت أسعى لترتيب حياتي والاستمرار في اتخاذ قراراتي بعد وصول زواجي إلى طريق مسدود، ضربتني جائحة كورونا. عشت 32 عامًا أحارب من أجل مكاني وحرية اختياري، لأكون أنا، نادية، الأنثى التي تواجه هجمات الذكور، لكنها تسير في الشارع بثقة. ولهذا عندما لم أشعر بالسعادة في زواجي، لم أتردد في إنهائه، رغم أن الطلاق يعتبر من المستحيلات في المسيحية. فعلت كل ذلك لأنني ابنة عادل حكيم.

لكن الوباء لم يترك لي القسيس عادل حكيم، الإنجيلي البروتستانتي،1الأب الذي علمني الثقة والقوة "من يضربك تضربيه"، ومنه تعلمت الكفاح من أجل الوجود. تمكن والدي من حفر مكانة له بين المسلمين قبل المسيحيين، وعند المختلفين عنه من الطوائف المسيحية الأخرى قبل أبناء طائفتنا. كان شخصية عامة لها احترامها ونفوذها في مدينتنا، وهو ما صنع لي التوازن وغرس فيَّ المحبة للمدينة التي عشت فيها حتى ثورة ٢٥ يناير. كانت هذه التربية سر سعادتي وشقائي، لقد جعلتني في حرب لا تتوقف. ودفعتني إلى الانحياز دائمًا إلى مصير مختلف عن حالة الامتثال الضعف. ولكنها أيضا علمتني الصمود، وعدم قبول الهزيمة، والاستمرار في تحقيق الأحلام.

حاليا، أسعى إلى إكمال دراستي العليا، وإلى توفير حياة أفضل لابنتي، كما فعل والدي من أجلي من قبل، ورغم أنني لا أعرف أين ستأخذني رحلتي دون مؤازرة أبي القسيس، إلا أنني أثق أن ما غرسه داخلي سيثمر يانعا وقويا، قادرا على مواجهة آثار الوباء، وتداعياته النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية. 

 

منتج الفيلم يسرد قصة الفيلم على لسان نادية بنت القسيس، وهي الشخصية التي تظهر في وثائقي "صدى" المرفق مع المقال، الذي  يعرض التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها حياة نادية في ظل وباء كوفيد 19.

 

ملاحظات

1- طائفة يبلغ تعدادها 2 مليون من بين ما يزيد على 12 مليون مسيحي في مصر.