استفادت القوى المرتبطة بإيران، المتمثلة بتحالف الفتح، ومنها مجموعات مسلحة مثل عصائب أهل الحق وحزب الله، من نشوء تنظيم الدولة الإسلامية لتحصل على شرعية دينية، عبر فتوى الجهاد التي أطلقها المرجع السيستاني، وشرعية برلمانية جعلتها تحتل عددا أكبر من المقاعد في انتخابات 2018 من تلك التي حصلت عليها في 2013، حيث حصلت كتلة الفتح التي كانت تسمى بقائمة بدر والتي يرأسها هادي العامري على 46 مقعدا برلمانيا في حين كان لها 20 مقعدا، وكذلك مليشيا عصائب أهل الحق برئاسة قيس الخزعلي التي حصلت على مقعدين تحت مسمى صادقون، وأصبح لها 15 مقعدا

فازت كتلة الفتح ومعها القوى المسلحة التي تطلق على نفسها اسم (المقاومة) في 2018 باعتبارها ثاني قوة سياسية بعد التيار الصدري، وساهمت قوى المقاومة هذه بإصدار قرار في 5 كانون الثاني/ يناير2020 يطالب بخروج القوات الأمريكية، وقامت أجنحتها المسلحة بعمليات قصف للبعثات الدبلوماسية والمصالح الدولية في العراق تحت حجة مقاومة الاحتلال، وأدى ذلك إلى مقتل مدنيين وأضرار عامة.  رغم ذلك فقدت هذه القوى شعبيتها الجماهيرية بعد انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر 2019 والتي قتل فيها أكثر من 700 محتج، اتهمت بقتلهم، خاصة بعد رفع المحتجين شعارات ضد الفساد وتدخل إيران.

 في المقابل ، يسعى التيار الصدري بوصفه أكبر قوة سياسية حاليا إلى الفوز، و هو المنافس الشيعي للقوى المسماة المقاومة أو كتلة الفتح، مستغلا انحسار شعبيتها، نتيجة انتفاضة تشرين، لترشيح رئيس وزراء صدري، ورغم أن للتيار الصدري جماعة مسلحة يطلق عليها مليشيا المهدي، وله علاقة وطيدة مع ايران، إلا إنه يختلف عن قائمة الفتح  في أنه تيار شيعي أسس داخل العراق وجذوره اجتماعية دينية تعود إلى السيد محمد باقر الصدر العراقي المنشأ،  أما كتلة الفتح (بدر سابقا) فجذورها عسكرية أيدلوجية مرتبطة بالحرس الثوري وأسست في إيران وحاربت مع الجيش الإيراني ضد العراق أثناء الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينيات.

غير أن طموحات التيار الصدري صعبة المنال، لأن قائمة الفتح وقوى المقاومة قامت بعدد من الخطوات لتعقيد فكرة نجاح التيار الصدري، تتمثل هذه الخطوات في:

 قمع حركة تشرين

عبرت مظاهرات تشرين عن وعي اجتماعي جماهيري يبحث عن تحول سياسي، ويرفض القوى الموالية لإيران، وجدت قوى المقاومة وكتلة الفتح أن هذا التحرك الجماهيري يشكل خطرا يهدد كيانها، خاصة عندما رُفعت شعارات الوحدة الوطنية، وطالبت بإسقاط النظام، لذا اتبعت هذه القوى أساليب الاغتيال الجماعي في ساحات التظاهر، وعمليات الاغتيال النوعية طالت ناشطين أصبحوا يشكلون خطرا محتملا، في حال شاركوا في الانتخابات مثل هشام الهاشمي وإيهاب الوزني.

دعم العشائرية السنية

لم يكن لمحمد الحلبوسي رئيس البرلمان العراقي، ولخميس الخنجر رئيس تحالف العزم دورا سياسيا بارزا قبل 2018، كلاهما يمثل خطا عشائريا يبتعد عن الاتجاه الوطني الذي كان سائدا في الساحة السنية، وأصبحا الآن أبرز شخصيتين سُنيتين تحاولان الحصول على الأصوات في المحافظات السُنية المُسيطر عليها عسكريا من قبل الحشد الشعبي وجماعات المقاومة الموالية لإيران.

رغم التنافس بين الحلبوسي والخنجر إلا أنهما الأبرز في تحالفاتهما السياسية مع قوى المقاومة الموالية لإيران، إذ أنهما يتنافسان لإرضائها، وبالتالي فإن الفتح وقوى المقاومة الموالية لإيران تسعى لدعم الحلبوسي والخنجر. ووفقا لوزارة الخزانة الأمريكية، فإن خميس الخنجر معاقب أمريكيا، أما محمد الحلبوسي فهو أحد الأطراف التي التقت الجنرال قاسم سليماني سرا عدة مرات قبل تنصيبه لتقديم الولاء لإيران وفقا لما أدلى به النائب مشعان الجبوري. 

القانون الانتخابي

يختلف قانون الانتخابات الجديد عن قانون سانت ليغو الذي سبقه في انتخابات 2018، ويتيح هذا القانون الفرصة لفوز المرشحين المحليين الذين يستطيعون الحصول على أصوات من السكان المحليين والذي يعتبر الأقضية (القرى والمدن الصغيرة) دوائر انتخابية، بينما اعتمد القانون السابق كل محافظة دائرةً انتخابية، وسمح بتعويض المرشحين المحليين، الذين لا يحصلون على أصوات محلية كافية للفوز، بأصوات من رئيس الكتلة في المحافظة، أي أن قادة الكتل كانوا يستفيدون من القانون القديم، أما القانون الجديد يستفيد منه المرشحون المحليون. مثال على ذلك، عند حصول مرشح على خمسمائة صوت ويحصل رئيس الكتلة على مئات الآلاف من الأصوات، يمكن لرئيس الكتلة أن يعوض/يعطي المرشح عددا من أصواته ليحقق الفوز رغم خسارته.  رغم ذلك، لن ينجح قانون سانت ليغو الجديد في إحداث تغيير حقيقي، لأن نجاح التمثيل المحلي يعتمد على نسبة المشاركة العالية، في حين تواجه الانتخابات القادمة تحديا يتمثل في انخفاض المشاركة نتيجة لانعدام الثقة في السياسيين. وفقا لأحدث استطلاع رأي أجراه المعهد الديمقراطي في شباط/ فبراير 2020، فإن 68 في المئة من العراقيين يؤيدون الاحتجاجات، وهذا يثبت إيمان العراقيين بأن الاحتجاج يشكل وسيلة للتغيير بديلا عن الانتخابات. تُعد نسبة المشاركة المنخفضة فرصة للجماعات المسلحة لتنظيم الانتخابات وبالتالي فوز قياداتها المحلية، من خلال دفع مؤيديها لانتخاب مرشحيها المفضلين، فهي تمتلك السلاح والمال والهياكل التنظيمية الإدارية المحلية، التي تسعى من خلالها إلى إقناع أو إخافة الناخبين ودفعهم للتصويت لمرشحيها.  

التزوير والتصويت الخاص والنازحون

ذكر عضو مجلس النواب هوشيار عبدالله "أن الانتخابات القادمة سوف تتفوق على الانتخابات السابقة من حيث التزوير، وستنهب أصوات الناخبين بعد أن قام البعض باختراع أساليب عبقرية".  في المقابل سيكون للتصويت الخاص للحشد الشعبي والقوى المسلحة تأثيرا فعالاً، إضافة إلى استغلال وضع النازحين العراقيين الذين لن يتمكنوا من التصويت، ووفقا لمنظمة العفو الدولية، فإن آلاف النازحين العراقيين الذي يتم اتهامهم لمجرد الاشتباه في صِلاتهم مع "الدولة الإسلامية". تسعى القوى الموالية لإيران إلى استغلال آلاف الأصوات من النازحين من أجل التصويت لصالح جهة معينة أو مرشح معين مقابل إعادتهم إلى ديارهم، وقد باشر خميس الخنجر بإعطاء وعود  لبعض نازحي جرف الصخر وكذلك الحلبوسي في الموصل.

من جانب آخر، أدت أساليب الاستعراض العسكري والاغتيالات، الذي مارسته قوى مسلحة، إلى دفع أحزاب وكتل عديدة للانسحاب من الانتخابات، مثل جبهة الحوار، والحزب الشيوعي، والمنبر العراقي، وهي كتل سياسية مدنية وليبرالية إلا أنها فقدت الثقة بالعملية الانتخابية وقررت المغادرة.

 التحالف الأكثر ترجيحا  

سيكون تحالف الفتح المتمثل بالحشد الشعبي، وقوى ما يسمى بالمقاومة الذي يقوده هادي العامري مع حزب الدعوة برئاسة نوري المالكي جناحا رئيسا في الانتخابات يقابله جناح التيار الصدري الذي قد يحصد أصواتا كثيرة لكنها لن تكون حاسمة، وبالتالي يمكن ترشيح رئيس وزراء صدري إلا أن هذا الترشيح لن يمر دون قبول تحالف الفتح. هذا توازن هش بين الطرفين وسيجلب رئيس وزراء ضعيفا، أما انقسامات السنة والأكراد وعدم تبنيهم استراتيجية موحدة فلن تفضي إلى أي تغيير في المعادلة السياسية.

هناك دعوات تسعى لتحويل العراق لنظام رئاسي. هذا يعني أنها مرحلة سعي لتحويل العراق إلى جمهورية مليشيا. يسعى رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي للعودة الى الحكم من خلال تولية الرئاسة والاستفادة من قوى المقاومة والمليشيات الموالية له كبدر وغيرها لتكون الذراع المسلح في تنفيذ أجندته السياسية، مع فرصة لغياب منافس من القوى الليبرالية والمدنية والوطنية. لذا يبدو أن الانتخابات القادمة تتميز  بنوعين من القوى، أولاها تمتلك أجنحة مسلحة في الجانب الشيعي، وثانيها تمثل العشائرية في الجانب السني، وهذا سيؤدي إلى وصول المليشيا والعشائر لحكم العراق، وربطه بإيران باعتباره محميةً عسكرية ايرانيةً، الأمر الذي يمكن أن يسمح بسيطرتها على 14 في المئة من واردات النفط العالمي. هذا يعني أن العراق متجه نحو حكومة هشة قابلة للسقوط السريع أمام الأزمات الكبرى. تتمثل هذه الهشاشة تتمثل في اتجاهين للتصادم: الأول تصادم شيعي – شيعي بين التيار الصدري بالفتح والمالكي، والتصادم الثاني المحتمل بين النظام السياسي مع الجماهير التشرينية والوطنية الغاضبة التي كانت تنتظر بديلا يلبي مطالبها، وهو بديل من غير المتوقع أن تسفر عنه نتائج الانتخابات.

 

هيثم نعمان، هو أستاذ العلاقات العامة بجامعة الخليج في البحرين، وهو مصمم استطلاعات رأي منهجية، يتمتع بخبرة طويلة في الرأي العام والإعلام السياسي، حاصل على الدكتوراة في الاتصال الجماهيري من جامعة بغداد. لمتابعته على تويتر @Haithamhnuman