- قبل عام من الآن، أعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد عشيّة الاحتفال بعيد الجمهورية في 25 تمّوز/ يوليو 2021، تعليق عمل البرلمان والاستفراد بالسلطة، مستغلًا جائحة كورونا والوضع الاقتصادي الصعب الذي عاشته البلاد خلال السنوات الأخيرة. هل تظنّ أنّ قيس سعيّد قد نجح في تحقيق أهدافه؟

كل ما نجح فيه لحدّ الآن هو إدخال مزيد من التفرقة بين التونسيين، ومزيد من الاحتقان الاجتماعي وعدم الاستقرار السياسي، وهذا هو السبب الرئيس في توقف العجلة الاقتصادية استثمارًا واستهلاكًا، ومن ثم تزايد الفقر عند الفئات الهشة وانهيار الطبقة الوسطى. قريبًا سيفهم الناس أنّ من رأوا فيه الحلّ هو أكبر مشكلة.

- لجأ الرئيس سعيّد إلى حل البرلمان واعتقال بعض أعضائه وتعيين أعضاء موالين له في لجنة الانتخابات، الأمر الذي قد يَمُسّ بنزاهة ومصداقية العملية الانتخابية، بالإضافة إلى حلّ المجلس الأعلى للقضاء وتعيين مجلسًا مؤقتًا مكانه مقرّب من الرئيس. هل تعتقد أنّ مثل هذه القرارات قد تسرّع في فشل نظام قيس سعيّد أم ستعزز من سيطرته على جهاز الدولة؟

لقد قام المُنقلب سعيّد بتطبيق الوصفة التي يطبقها كل الانقلابيين في العالم، وهي كما علمتنا كل تجارب التاريخ، تنجح وقتيًا في سيطرة الانقلاب، لكنها لا تزيد الطين إلّا بلة. فكل هذه الإجراءات ستفرز نتائجها ''الإيجابية'' بالنسبة للمُنقلب على الأمد القصير، لكنها سترتدّ عليه بقوة على الأمد المتوسط. هذه المغامرة لن تطول، خاصةً في عصر يتسارع فيه التاريخ، حيث كان مستبد خمسينيات القرن الماضي يحسب عمر نظامه بالعقود، أما اليوم فالحساب بالسنين وأحيانا بالأشهر.

- كيف تُقيِّم تَفاعل النُخب السياسية والحزبية التونسية مع قرارات قيس سعيّد؟ وهل ساهم انقسام هذه النُخب في تأزيم الوضع والعودة إلى السلطوية؟

لا تُوجد اليوم معارضة وإنما معارضات. هناك من جهة أحزاب الوسط وجبهة الخلاص وحزب النظام القديم (حزب أيتام بن علي)، ناهيك عن الاتحاد التونسي للشغل وبعض جمعيات المجتمع المدني. لا شيء يجمع بين هذا الشتات سوى الخوف من عودة نظام الحكم الفردي. سيكون الخيار إمّا نسيان الخلافات العقائدية والتجنُد لعودة الديمقراطية التي تسمح لهم بالوجود، وإمّا مواصلة التشتت ليكونوا أصفارًا تجاور أصفاراً تحت دكتاتورية سيكونون بتشتتهم سبب استمرارها.  

- من المسؤول في رأيك عن تعثّر تشكيل المحكمة الدستورية في تونس قبل قيام الرئيس قيس سعيّد بالتخلي عن المنهجية الديمقراطية؟ إذ لو كانت المحكمة قائمة، لربما أقرّت بإسقاط القرارات الرئاسية التي لا تتوافق ودستور 2014، فالرئيس سعيّد لم يحترم فحوى المادة 80 من الدستور التي استند إليها هو نفسه لفرض الإجراءات الاستثنائية التي أدت إلى تجميد البرلمان وتعطيل باقي مؤسسات الدولة؟

تقع المسؤولية على كل الأطراف التي حكمت بعد الثورة. لا الرئيس الباجي قايد السبسي كان متحمسًا لوجود سلطة قد تعترض على مشروعه الوحيد المتعلق بتوريث السلطة لابنه، ولا أحزاب الحكم وحتى المعارضة كانت جدية في التمسك بضرورة وجود المحكمة الدستورية التي كانت في الواقع تخيف الجميع وكان كل طرف يريدها على هواه، ولأنّ الأمر كان شبيهًا بتربيع الدائرة توقف بناء أهم ركيزة للديمقراطية، وها نحن ندفع الثمن.

- كُنتَ قد أعلنتَ في نهاية العام الماضي عن مقترح خارطة طريق للخروج من هذه الأزمة. هل يمكنك أن تلخص لنا أبرز خطوطها العامة؟

أقترح أن تقوم كلّ من مؤسسة الجيش والأمن بفك أيّ ارتباط بالمنقلب صاحب اللاشرعيتين (لا شرعية الانقلاب ولا شرعية الاستفتاء المزيف المقرر النتائج سلفًا)، الأمر الذي سيسمح بإيقاف المنقلب ثمّ محاكمته في وقت لاحق وانطلاق سيناريو الإنقاذ، أي: 

- عودة البرلمان؛

- استقالة راشد الغنوشي من رئاسة البرلمان، إذ أنّ الدستور يسمّي رئيس البرلمان في منصب رئيس الجمهورية في حالة استقالة أو اعفاء الرئيس المنتخب، ولا أحد يمكن أن يقبل بالغنوشي رئيسًا للجمهورية؛

- تسمية الرئيسة الجديدة للبرلمان سميرة الشواشي رئيسة مؤقتة للجمهورية؛

- تغيير البرلمان للقانون الانتخابي حتى تضمن الانتخابات إفراز أغلبية قادرة على الحكم بدل النظام الحالي الذي يخلق برلمان فسيفسائي عاجز كرَّهَ الشعب في الديمقراطية؛

- إقامة انتخابات تشريعية ورئاسية في الآجال التي يحددها الدستور؛

- تسمية حكومة وحدة وطنية تمزج بين الخبرات السياسية في الوزارات السيادية والكفاءات التقنية في الوزارات الخدمية تدوم خمس سنوات وتبدأ في الإصلاحات الجذرية التي طال تأخرها وخاصة إعادة الحياة للمكنة الاقتصادية. وإلّا فإنّه الجحيم للجميع.

-اتسمت بعض خطابات الرئيس قيس سعيّد التي تُوصف بالشعبوية بمناهضة قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والترويج لنظريات المؤامرة كما تقول أغلب منظمات حقوق الإنسان، إذ استعمل الرئيس سعيّد نفس المفردات والمفاهيم الرائجة في أوساط اليمين المتطرّف، ومع ذلك نجد بعض القوى اليسارية – في تونس والعالم العربي – تؤيّد حركته وتدعم قراراته. كيف تفسّر هذا الأمر الذي يبدو متناقضًا بعض الشيء؟

من فوائد هذه المرحلة من تطور وعي شعوبنا أنها كشفت المتسلقين والانتهازيين في كل الفضاءات السياسية. وفي هذا تساوى إسلاميون وديمقراطيون ويساريون. جازى الله المحن خيرًا، هي وحدها التي تكشف النوايا الحقيقية وتفضح معدن الرجال والنساء.

- هل تظن أنّ عودة السلطوية إلى تونس ستؤثر على آمال شعوب المنطقة في إقامة أنظمة ديمقراطية؟ خصوصًا وأنّ مختلف وسائل الإعلام الموالية للأنظمة السلطوية كتلك التي تنشط في مصر والإمارات والمغرب تتباهى بفشل الديمقراطية في تونس مهد الربيع العربي، في محاولة منها للترويج لفكرة أنّ الديمقراطية لا تناسب الشعوب العربية.

طبعًا ضرب الربيع العربي في مهده له رمزية كبرى ودور أكبر في ضرب معنويات الشعوب العربية. إنّهم يرغبون في تمرير هذه الرسالة: انظروا لما حدث حتى في تونس. لكنّ الربيع العربي سيتجدد في تونس ومن تونس. أنا اعتقد هذا بكل صدق. المسألة الوحيدة التي لست متأكدا منها: متى سينفجر هذا البركان المتصاعد.

- مِن المعلوم أنّ لك خبرة طويلة في العمل السياسي ضد السلطوية، فقبل أن تُصبح رئيسًا للجمهورية في نهاية عام 2011 عقب الثورة، واجهتَ نظام الديكتاتور زين العابدين بن علي رغم الظروف الصعبة، إذ تعرّضتَ جرّاء ذلك للاعتقال بتهم ملفقة والتشهير والمراقبة اللصيقة ثمّ المنفى. ماذا تريد أن تقول للمعارضة التي تتصدّى اليوم لنظام قيس سعيّد؟

اتحدوا أو اختفوا.

أخيرًا، كيف تنظر إلى مستقبل البلاد؟

بالنظر إلى تاريخ تونس –وتاريخ كلّ شعوبنا – فإنّه يمكن القول إنّ المسار التحرري صعب ومتقطع ومكلف ومليء بالعثرات، لكنّ هذا المسار لم يتوقف لحظة منذ محطاته الكبرى: 1846 تحرير العبيد؛ 1861 صدور أول دستور في العالم العربي؛ 1929 صدور كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع للطاهر الحداد؛ 1956 الاستقلال الأوّل؛ 1977 ولادة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان ومن ورائها طفرة المجتمع المدني؛ 2010 ثورة الياسمين؛ 23 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2011 أوّل انتخابات حقيقية في تاريخ الشعب والدولة؛ 2014 صدور أول دستور تشاركي لشعب من المواطنين. كما لم يتوقف مسار التحرر عند الانقلاب الأول يوم 7 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1987 فلن يتوقف أيضًا عند الانقلاب الثاني يوم 25 تمّوز/ يوليو 2021. كم من عثرات أخرى عرف وتجاوز وكم من عثرات قادمة سيقفز فوقها.

عبد اللطيف الحماموشي، باحث في العلوم السياسية وصحفي استقصائي مغربي. وهو مؤلف كتاب "منصف المرزوقي: حياته وفكره" (بالاشتراك مع معطي منجب) الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة. لمتابعته على تويتر @AHamamouchi.