شهدت العاصمة العراقية أكثر أعمال العنف دمويةً لم تشهد مثلها بغداد منذ سنوات، جاءت إثر إعلان رجل الدين النافذ مقتدى الصدر انسحابه من جميع الأنشطة السياسية في البلاد وشروعه في إضراب عن الطعام "حتى يتوقف العنف واستعمال السلاح". غير أن إنهاء الأزمة الاقتصادية في العراق قد يكون أصعب مما يُتوقع خاصة في ظل تصاعد الصراع السياسي بين أنصار الصدر والأحزاب الشيعية المتناحرة، ما أدى إلى تصاعد كلفة الإصلاح الاقتصادي.

أدى رفض كِلا المعسكرين للاصطفاف خلف حكومة ائتلافية إلى إضعاف احتمالات اعتماد موازنة عملية وفعالة، وإلى إعاقة ما تم إحرازه من تقدم ضروري في مجالات الإنفاق على البنية التحتية وتأخير المساعي العراقية لتحقيق إصلاحات اقتصادية عاجلة.

تسببت الأزمة السياسية التي أعقبت الانتخابات الأخيرة في العراق إلى تهاوي الدعم الشعبي الذي كانت تحتاجه البلاد لمعالجة أهم المشكلات التي تواجه الاقتصاد العراقي، والتي تتمثل في تردي الخدمات العامة وانتشار البطالة. تم تناول هاتين المشكلتين بشكل وجيز أثناء مناقشة قانون "الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية" الذي تم تمريره في حزيران/ يونيو والذي حددت نفقاته ب 17 مليار دولار. ولكن التعقيدات البيروقراطية أثارت تساؤلات كثيرة بشأن إمكانية تنفيذ هذا القانون بشفافية كونه "مقتضباّ بشكل كبير وفيه شيء من التناقض".

في الوقت الذي تسعى فيه الكتل الشيعية المتنافسة للسيطرة على موارد البلاد – بما فيها عائدات النفط التي حطمت الأرقام القياسية- أصبح توجيه الإنفاق العام نحو خلق فرص عمل وتحسين الرعاية الصحية مهمة شبه مستحيلة خاصة في ظل الارتفاع المضطرد لنسب البطالة، حيث تظهر الأرقام الرسمية ان أكثر من ثلث الشباب ليسوا في مقاعد الدراسة ولا في العمل ولا في التدريب.

كان الدعم الدولي، في الماضي، عاملاً رئيساً في دفع العراق لتحقيق الإصلاحات الاقتصادية والإدارية. فعلى سبيل المثال في عام 2017، دخل مسؤولون حكوميون وأكاديميون عراقيون في شراكة مع متخصصين دوليين لصياغة ما أسموه "الرؤية الاقتصادية 2030". وكانت هذه الرؤية تهدف لمعالجة الفجوة في توزيع الثروات والدخول وتمهيد الطريق للإنفاق على احتياجات البنية التحتية، ولكن ظروف عدم الاستقرار السياسي أدت إلى إخماد زخم تلك الرؤية في نهاية المطاف. والآن أصبح المانحون الدوليون، الذين تتحقق مصالحهم بوجود خطة استراتيجية قوية للبلاد، صامتين أمام استمرار الأزمة السياسية في البلاد، ورفض الكتل المتنافسة حل النزاعات الحادة المتعلقة بتقاسم الإيرادات.

لكن، وعلى الرغم من كل ما تقدم، أظهر الاقتصاد العراقي بعض العلامات الإيجابية في الأشهر الأخيرة. ومن المتوقع أن يعود النمو النفطي وغير النفطي إلى مستويات ما قبل جائحة كوفيد-19 وأن يسجل الاقتصاد متوسط معدل نمو قدره 5.4 في المئة سنوياً بين عامي 2022 و2024.  

مع ذلك فإن آفاق الاقتصاد العراقي تبدو ضبابية بسبب تأخر تشكيل حكومة جديدة، حيث يخلق غياب حكومة فعالة تحديات كبيرة أمام الاستخدام الشفاف لما يزيد عن 60 مليار دولار من عائدات النفط تم تسجيلها خلال النصف الأول من هذا العام، بالإضافة إلى ذلك فإن الصدر ومنافسيه لا يهتمون بطرح التشريعات التي من شأنها أن تساعد على تنويع موارد الإنفاق بما يحقق تحسين الخدمات العامة.

قد يكون في مصلحة الكتلتين الشيعيتين المتنافستين أن تُنحيا جانباً اقتتالهما السياسي الداخلي وأن تتحول المنافسة بينهما إلى منافسة نحو تحقيق إصلاحات اقتصادية عاجلة. وهو ما طالب به الصدر نفسه في مرحلة ما بعد الانتخابات حين شدد على الحاجة إلى إصلاح تدريجي يقضي على الفقر والفساد المتفشي، وطالب بتمثيل جميع الطوائف في مؤسسات الدولة. وبالتالي فإن الحركة التي يشهدها الشارع العراقي حالياً على خلفية الإحباط الاقتصادي تحمل بين طياتها عوامل تراجعها خاصة لأن القاعدة الشعبية التي يستند إليها التيار الصدري تتكون من ملايين الأشحاص الأكثر فقراً في المجتمع العراقي.

كما أن الخلافات الداخلية حول آليات تشكيل الحكومة لم تؤتِ ثمارها بالنسبة للجماعات الشيعية المتنافسة، بل ساهمت هذه الخلافات في دخول العراق في أطول فترة جمود بعد انتخابات منذ ما يقرب من عقدين من الزمن إذ يَحول التناحر الداخلي بين التكتلات الشيعية دون تشكيل حكومة ويمنح مزيداَ من التمكين لمؤيدي التيار الصدري.

أثّر هذ الشلل السياسي على ما يقرب من 370.000 أسرة تعيش بلا نقود في ظل مخاوف من اضطرابات تلوح في الأفق في بعض الدوائر الانتخابية لتلك التكتلات الشيعية. وبينما تبدو آفاق المصالحة بين الصدر وبين قوى الإطار التنسيقي ضبابية حتى الآن سيستمر العراقيون في تحمل أعباء الإهمال الاقتصادي مرة أخرى.

 

حنّان حسين هو معلق شئون دولية ومؤلف حاصل على منحة فولبرايت من جامعة ميريلاند. وتشمل اهتماماته البحثية مكافحة الإرهاب وحل النزاعات والعلاقات الدولية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.