قبل الحرب بين إيران والعراق، كان العراق منافسًا ناشئًا على قيادة العالم العربي بينما نافست إيران على الهيمنة الإقليمية. ومع ذلك، فقد تكبدت الدولتان ملايين الضحايا وألحقت أضرارًا كارثية باقتصادهما خلال الحرب التي استمرت ثماني سنوات، والتي بدورها أفادت قوة إقليمية أخرى وهي إسرائيل، . في أعقاب الحرب، ضعف العراق بشدة  - الذي اعتبر التهديد الرئيسي لإسرائيل وإيران - كما شكلت الحرب، بالتأكيد، تهديدًا لدول الخليج. مكّن هذا التحول في ميزان القوى الإقليمي المملكة العربية السعودية وإسرائيل من أن تصبحا من أهم القوى العسكرية وأكبر الاقتصادات في المنطقة.

لكن، شهد الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة ظهور إيران متجددةَ وقادرةَ على ممارسة تأثير كبير على شؤون دول مثل العراق وسوريا واليمن ولبنان. يمثل هذا التطور بشكل أساسي العودة إلى دينامية ثلاث دول قوية في الشرق الأوسط. الآن، مع تكثيف الجهود الإسرائيلية لتشكيل تحالف عسكري مع السعودية والإمارات لمواجهة النفوذ الإيراني، من المهم تقييم مواقف هذه الدول تجاه مسألة حرب اقليمية.

من الواضح أن إسرائيل تعتبر إيران أكبر تهديد لها في الشرق الأوسط. كذلك تعرضت السعودية والإمارات للعدوان الإيراني عبر هجمات الحوثيين على منشآت نفطية سعودية وناقلات إماراتية. مع ذلك، وفي حين تتخذ إسرائيل موقفًا أكثر هجومية تجاه إيران (على سبيل المثال، من خلال الترويج للأفكار حول "تحالف الدفاع الجوي للشرق الأوسط"، ومهاجمة وكلاء إيرانيين في سوريا، والانفتاح بشكل متزايد بشأن مواجهة عسكرية مع إيران)، تنخرط دول الخليج في دبلوماسية نشطة لإصلاح العلاقات مع إيران، ونفت وجود أي خطط لتحالف عسكري مع إسرائيل.

في عام 2021، صرح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أن السعودية تطمح إلى تكوين علاقة "مميزة" مع إيران. وفي الآونة الأخيرة، أشار ابن سلمان أيضًا إلى إيران باعتبار "أنهم جيراننا، وسيبقون جيراننا للأبد، ليس بإمكاننا التخلص منهم، وليس بإمكانهم التخلص منا، لذا فإنه من الأفضل أن نحل الأمور، وأن نبحث عن سبل لنتمكن من التعايش". تتماشى النغمة الإيجابية لهذه التصريحات مع الجهود الدبلوماسية التي أطلقتها إيران والسعودية لبدء المفاوضات في العراق.

من الجانب الإماراتي أبدى أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لمحمد بن زايد عزم أبوظبي إرسال سفير جديد إلى إيران، وأكد أن الامارات ليست منفتحة على أي أوجه للتعاون تستهدف إضرار دول المنطقة وذكر "على وجه الخصوص إيران". إصدار هذا الإعلان، الذي جاء في يوم زيارة بايدن إلى السعودية - وهي زيارة تهدف جزئيًا إلى تشجيع تعاون أكبر من قبل دول الخليج العربية ودعوتها إلى التحالف مع إسرائيل - يكشف عن مدى عدم استعداد الإماراتيين للتنازل من أجل العلاقات الإيرانية. ورغم هذا فإن الدولتين، السعودية والإمارات، لا تسعيان لتحالف عسكري مع إسرائيل لمواجهة جارتهما، وهنا يظهر تساؤل جوهري، وهو لماذا لا تريد دول الخليج تحالفًا عسكريًا مع إسرائيل لمواجهة إيران.

أولاً، من المهم تأطير هذا الوضع المستمر في سياق الجهود الأمريكية للخروج من الشرق الأوسط والتحول إلى مواجهة التهديد الصيني للهيمنة الأمريكية العالمية. بهذا المعنى، أصبحت دول الخليج أكثر واعيًا بضرورة تدبير شؤونها وحل الخلافات مع إيران (خاصة بالنسبة للسعودية فيما يتعلق باليمن، والإمارات فيما يتعلق بأمنها). من ناحية أخرى، ستستفيد إيران اقتصاديًا من إنهاء عزلتها عن باقي دول الخليج. مع إرسال الكويت مؤخرًا سفيراً جديداً لأول مرة منذ ست سنوات، أشارت الإمارات العربية المتحدة إلى نيتها إرسال سفير، ومع سماح السعودية لإيران بإعادة فتح مكتبها التمثيلي لمنظمة التعاون الإسلامي في جدة، فإن هناك مؤشرات متفائلة بخصوص تعديل العلاقات وحل النزاعات مع إيران.

ثانيًا، من الضروري إدراك الجوانب الأخرى للعلاقات الإيرانية مع دول الخليج. كما ذكرنا سابقاً، بذلت السعودية وإيران جهوداً مكثفة للدخول في مفاوضات في العراق. ومع ذلك، بينما يرى كلا الجانبين أهمية التوصل إلى تسوية تفاوضية، فإن العملية هشة. وليس من الصعب رؤية أن أي تحالف عسكري مع إسرائيل سيكون انتهاكاً صارخاً لروح المفاوضات، وقد يؤدي إلى انسحاب إيران وعودتها إلى الموقف العدائي من السعودية والإمارات. سيفسد الدخول في تحالف عسكري مع إسرائيل كل الجهود الدبلوماسية التي قامت بها الرياض وأبو ظبي حتى الآن. بالإضافة إلى ذلك، فإن السعودية والإمارات أكثر عرضة للهجمات الإيرانية من الناحية الجغرافية، وبالتالي لديهما أسباب كثيرة لمعارضة المواجهة العسكرية مع طهران.

أخيرًا، في إطار التطبيع المحتمل بين السعودية وإسرائيل، سيكون من الأفضل للمملكة استخدام المفاوضات (أو العلاقات مع إيران في المستقبل) كوسيلة ضغط على إسرائيل عند تحديد طبيعة العلاقات المحتملة مع تل أبيب. في الواقع، استعادة العلاقات الودية مع طهران قد يمكّن المملكة من أن يكون لها موقف أقوى في المفاوضات مع إسرائيل. في هذه الحال سيتعين على إسرائيل أن تعمل بجدية أكبر في المفاوضات لإقناع السعودية بتغيير سياساتها. قد يؤدي ذلك إلى تقديم تنازلات كبيرة لرياض، لا سيما فيما يتعلق بهدفها لحل القضية الفلسطينية قبل التطبيع مع إسرائيل. في النهاية، من الضروري الدخول في محادثات مع إسرائيل من موقع قوة - وهو مبدأ تدركه المملكة.

قد يؤدي التقارب الناجح مع إيران إلى إعادة تأكيد مكانة السعودية في ميزان القوى الإقليمي. ولكن، قد تستغل إسرائيل حالة العداء المتزايد بين البلدين للضغط على السعودية والإمارات لاتخاذ موقف أكثر انفتاحًا على المواجهة العسكرية ضد إيران. إذا تصاعد هذا الوضع  أكثر قد يشجع على اندلاع حرب، عندها، ستكون إيران والسعودية في قلب الصراع، وستطال أضرار ومخاطر هذه الحرب دول عربية أخرى، في حين أن تركيز إسرائيل سينصب على حلفاء ووكلاء إيران الأقل تهديدًا نسبيًا في جانب حدودها.

قد تشمل الآثار الأخرى لحرب إقليمية تعطيل إمدادات النفط في العالم، وتدفق أعداد كبيرة من اللاجئين باتجاه الغرب، إضافة إلى تفاقم التوترات الدولية. علاوة على ذلك، فإن الضرر الذي سيلحق بالقوة الإقليمية للسعودية وإيران قد يكون كارثياً بحلول الوقت الذي يمكن التوصل فيه إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وهذا سيسمح لإسرائيل بتعزيز موقعها بشكل كبير في ميزان القوى الإقليمي. في مثل هذا السيناريو، ستكون إسرائيل أكثر قدرة على تعزيز احتلالها للأراضي الفلسطينية ومتابعة مصالحها الإقليمية.

في نهاية المطاف، أي تحالف عسكري مناهض لإيران بين السعودية والإمارات وإسرائيل قد يمهد لحرب إقليمية - وهو وضع من شأنه أن يفيد تل أبيب على حساب مكانة الرياض وأبو ظبي الإقليمية. ولكن، إذا استمرت دول الخليج في مساعيها الدبلوماسية مع إيران، فيمكنهما صرف الضغط الإسرائيلي لتشكيل مثل هذا التحالف، الأمر الذي سيؤتي ثماره لمكانة أكثر تموضعا وقوة للسعودية في ميزان القوى الإقليمي.

 

علي الصايغ مرشح للدكتوراه في تخصص سياسات الشرق الأوسط بمعهد الدراسات العربية والاسلامية في جامعة إكستر، يركز عمله الأكاديمي على تطوير نظرية ريادة أعمال العواطف في سياسة الحراكات. يمكنكم متابعته على تويتر: @_AliAlsayegh