ما بعد الانتخابات الكويتية

تتناول مناقشة (صدى) موضوعين يبحثان في المشهد السياسي الراهن في الكويت، يتعلق الأول باحتمالات نجاح مجلس الأمة المنتخب حديثا في ظل معارك سياسية محتدمة، بينما يتعلق الثاني بالتفريق بين الإسلاميين السنة والشيعة في المجلس وظهور انقسامات غير مذهبية بينهم.

بعد نحو شهرَين على الانتخابات التشريعية، استتبت الأجواء في الكويت، لكن آفاق نجاح مجلس الأمة الجديد لا تزال ملتبسة.

ياسمينة الملا

أحدثت عملية الاقتراع التي أُجريت في 29 أيلول/سبتمبر تبدّلًا كبيرًا في المشهد داخل مجلس الأمة الكويتي إذ خسر 54 في المئة من النواب الحاليين مقاعدهم. في المقابل، حقق عدد كبير من مرشّحي المعارضة – وهو تعبير فضفاض في السياسة الكويتية – مكاسب مهمة. على الرغم من حصول هؤلاء المرشحين على الأكثرية، لا يمكن إحراز تقدّم ملموس من دون تعاون بين السلطتَين التشريعية والتنفيذية لأن الحكومة تشكّل ثلث مجلس الأمة. تبدو العلاقة بين الطرفَين ودّية في الوقت الراهن، لكن هذه الأجواء الهادئة لم تتحقق بين ليلة وضحاها.

خلط الأوراق الحكومية

تشكّلت حكومة جديدة برئاسة أحمد النواف الصباح، نجل أمير الكويت، بعد الانتخابات. وبعيد الإعلان عن الحكومة، أبدى العديد من النواب، لا سيما من صفوف المعارضة، رفضهم لهذه الحكومة، مشيرين إلى أن بعض الوزراء المعيّنين "فقدوا ثقة الشعب، ... ولا يحترمون الدستور". وفي خطوةٍ فسّرها كثرٌ بأن الهدف منها هو تجنّب الخلافات مع مجلس الأمة في المستقبل، قدّم الوزراء استقالتهم، وحُلَّت الحكومة.

أُعيد تعيين أحمد النواف الصباح رئيسًا لمجلس الوزراء، ولكنه التقى جميع النواب الفائزين في الانتخابات الأخيرة قبل تشكيل حكومة جديدة – وذلك في أول بادرة من نوعها يقوم بها رئيس لمجلس الوزراء في الكويت، ما أشار إلى حرصه الشديد على إنهاء المأزق المستمر منذ عامَين بين الحكومة والبرلمان.

عملًا بأحكام الدستور الكويتي، يجب أن يعقد مجلس الأمة جلسته الافتتاحية خلال أسبوعين من انتهاء الانتخابات، بحضور النواب والحكومة الجديدة. لكن انقضت المهلة من دون أي بوادر بأن حكومة جديدة ستبصر النور. وفي نهاية مهلة الأسبوعَين، في 16 تشرين الأول/أكتوبر، حضر 40 نائبًا من أصل 50 إلى مبنى مجلس الأمة، مدّعين أنهم أقدموا على هذه الخطوة "حرصًا على سلامة الجوانب الدستورية والممارسة السليمة". وبعد بضع ساعات، أُعلِن عن تشكيل حكومة جديدة، ما يؤشّر إلى تلبية مطالب النواب، لاسيما وأن التشكيلة الحكومية لم تتضمن ثلاثة وزراء سابقين اعتبرهم مجلس الأمة "أشخاصًا غير مرغوب فيهم"، فضلًا عن إسناد حقيبتَين وزاريتَين إلى نائبَين في المجلس.

الجلسة الافتتاحية

بثّ ولي العهد، الأمير مشعل الأحمد الصباح، في الخطاب التاريخي الذي ألقاه خلال الجلسة الافتتاحية، أجواء من الأمل مؤكّدًا على وعده بإطلاق "العهد الجديد". وقد تطرّق في الخطاب الذي دام 26 دقيقة، إلى بعض النقاط المهمة، من قبيل أنه يجب على الحكومة أن تعطي الأولوية لاحتياجات المواطنين وتعمل من أجل تنفيذ خطتها الاستراتيجية؛ وأنه ينبغي للمجلس التركيز على إقرار قوانين جديدة بدلًا من مراكمة المكاسب الشخصية؛ وأنه يجب على المواطنين التمسك بالوحدة الوطنية.

بدا واضحًا التزام الشيخ مشعل بعدم تدخّل الحكومة في الشؤون البرلمانية، فقد غادر الوزراء القاعة، في خطوة غير مسبوقة، قبل بدء التصويت لانتخاب رئيس مجلس الأمة. وهذا يمثّل تغييرًا هائلًا  مقارنة بالجلسة الافتتاحية في عام 2020 حين أدّت الحكومة دورًا أساسيًا في فرض إعادة انتخاب مرزوق الغانم رئيسًا لمجلس الأمة. ليس مفاجئًا أن أحمد السعدون فاز بالتزكية برئاسة مجلس الأمة، والتي سبق له أن تولاّها ثلاث مرات. تشكّل المناورات للفوز بمنصب رئاسة مجلس الأمة معركة حيوية منذ سنوات، لأنه يُنظَر إليه بوصفه المنصب الأكثر محورية في المشهد السياسي.

التطلع إلى المستقبل

بعد الجلسة الافتتاحية، رُفِعت مشاريع قوانين عديدة حول مسائل عدة، ابتداءً من تغيير النظام الانتخابي القائم على الصوت الواحد وانتهاءً بمطالب شعبية عامة مثل زيادة المعاشات التقاعدية، واستخدام أموال صندوق الأجيال القادمة لحل أزمة الإسكان.

لا يزال من السابق لأوانه تحديد ما إذا كان مجلس الأمة سينجح في إقرار التشريعات اللازمة لمعالجة الكمّ الهائل من المشكلات التي تتخبط فيها البلاد. لكن إذا لم تُظهر السلطتان التشريعية والتنفيذية استعدادًا للتعاون، سيستمر التدهور نتيجةً للمعارك السياسية وللشخصانية الشديدة.

ياسمينة الملا صحفية مستقلة مقيمة في الكويت، تغطّي الشؤون الاجتماعية والسياسية في الخليج. لمتابعتها على تويتر: @Yasmenaalmulla.

 

الانقسامات الإسلامية في الانتخابات الكويتية

تتناول مناقشة (صدى) موضوعين يبحثان في المشهد السياسي الراهن في الكويت، يتعلق الأول باحتمالات نجاح مجلس الأمة المنتخب حديثا في ظل معارك سياسية محتدمة، بينما يتعلق الثاني بالتفريق بين الإسلاميين السنة والشيعة في المجلس وظهور انقسامات غير مذهبية بينهم.

يسلّط تداول "وثيقة القيم" المثيرة للجدل قبل انتخابات أيلول/سبتمبر، الضوء ضرورة النظر إلى أبعد من تحليل الإسلاميين المتمحور حول المذهب السُني، بالإضافة إلى بروز انقسامات غير مذهبية.

كورتني فرير ومورتن فالبيورن

قبيل انتخابات مجلس الأمة الكويتية في أيلول/سبتمبر، انتشرت وثيقة عُرِفت بـ"وثيقة القيم" في مختلف أنحاء البلاد. وقد دعت إلى منع الاختلاط بين الجنسين في التعليم، بالإضافة إلى تطبيق قواعد اللباس "المحتشم"، وتجريم الوشوم، وإعادة العمل بقانون يحظر "التشبه" بالجنس الآخر، وحظر ألعاب القمار. وُصفت الوثيقة التي نشرها الناشط الإسلامي عبد الرحمن النصار بأنها "ليست مشروعًا سياسيًا، بل وصاية أخلاقية ودينية على المجتمع"، ولكنها أثارت موجة سخط في أوساط الشريحة الليبرالية العلمانية في المجتمع. وقد دعا البعض إلى منع الموقّعين عليها من الترشح في الانتخابات، علمًا بأن 17 مرشحًا منهم فازوا بمقاعد في مجلس النواب.

تُظهر هذه الواقعة أهمية إيلاء الاهتمام للانقسامات في صفوف الإسلاميين بدلًا من الانقسام التقليدي بين السلفيين والإخوان المسلمين، وكذلك إدراج الإسلاميين الشيعة في التحليل. في حين توافق الأكثرية على أنه لا يجب أن يُنظَر إلى الإسلاميين بأنهم كتلة متراصّة، ركّز جزءٌ كبير من الأدبيات على الانقسامات في صفوف السنّة. وأولي اهتمام أقل بكثير للمجموعة الواسعة والمتنوعة من الجماعات الإسلامية الشيعية، على الرغم من أنه أُطلِقت دعوات مؤخرًا لتذكّر "الإسلاميين الآخرين". في الوقت نفسه، يذكّر تداول وثيقة القيم كيف أن انقسامًا مذهبيًا في الظاهر ربما يُخفي انقسامات أخرى متجذّرة في التباعد الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي، وليس في الخلافات العقائدية أو الدينية.

تقدّم الكويت حالة مهمّة لدراسة التيارات الإسلامية الشيعية الناشطة سياسيًا. على الرغم من أن الأحزاب السياسية تبقى محظورة رسميًا، لطالما كان للإسلاميين حضورٌ قوي في السياسة الكويتية، ويحظى الإخوان المسلمون بالقبول، خلافًا لما هو الحال عليه في السعودية والإمارات المجاورتَين حيث وُضِعت الجماعة على قائمة التنظيمات الإرهابية. علاوةً على ذلك، لدى السلفيين في الكويت تقليدٌ طويل من المشاركة في السياسة الانتخابية منذ ثمانينيات القرن العشرين، حتى إنهم أصبحوا المجموعة السلفية الأولى في العالم التي تخوض الانتخابات في عام 1981. أخيرًا، لطالما انخرطت المجموعات الشيعية في السياسة الكويتية، حتى إنها شكّلت ائتلافات مع القوميين العرب تعود إلى السبعينيات، وفاز الشيعة بتسعة مقاعد من أصل 50 في انتخابات مجلس الأمة في عام 2022.

اللافت أن معظم الموقّعين على وثيقة القيم هم إسلاميون سنّة أوشخصيات قبلية. لذلك، وبدلًا من الانقسام الإخواني-السلفي، نرى تباعدًا بين الإسلاميين السنّة والشيعة في الكويت. يستدعي هذا السياق التفكير في طبيعة الانقسام الشيعي-السنّي في الكويت، وفي ما إذا كان يُخفي انقسامًا مجتمعيًا آخر. في الواقع، يُقيم معظم الموقّعين على وثيقة القيم في الدائرتَين الرابعة والخامسة اللتين تضمان أيضًا العدد الأكبر من المرشحين القبليين. تبعًا لذلك، وبدلًا من الانقسامات القائمة على أساس مذهبي، ربما تؤشر وثيقة القيم إلى انقسام مستمر ويزداد وضوحًا بين شرائح المجتمع المرتكزة تقليديًا على المناطق الحضرية وبين الإسلاميين القبليين – لا سيما السلفيين المستقلين – في المناطق النائية. يركّز الإسلاميون القبليون في حملاتهم على مسائل السياسة الاجتماعية من خلال ربط الدعوات لمنع الاختلاط بين الجنسين مثلًا بالحاجة إلى الحفاظ على القيم الكويتية التقليدية في مواجهة التركيبة السكانية التي تتألف بأكثريتها من وافدين أجانب. أما الشيعة، وعدد كبير منهم ينتمي إلى نخبة التجّار الحضريين، فقد يميلون إلى الترشح بناءً على جداول أعمال غير مرتبطة بالسياسات الاجتماعية المحافظة التي يتبنّاها عدد كبير من المرشحين الإسلاميين السنّة.

في نهاية المطاف، تُظهر وثيقة القيم وما أُثير حولها أنه من المهم الابتعاد عن التركيز على السنّة، وإدراج الإسلاميين الشيعة في النقاشات المتعلقة بالانقسامات في صفوف الإسلاميين في الكويت والمنطقة عمومًا. لكن هذه المسألة تسلّط الضوء أيضًا على أهمية النظر إلى الانقسام السنّي-الشيعي في سياقات سياسية واجتماعية واقتصادية محددة.

كورتني فرير أستاذة مساعدة زائرة لدراسات الشرق الأوسط في جامعة إيموري. لمتابعتها على تويتر: @courtneyfreer.

مورتن فالبيورن أستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية في جامعة أرهوس. لمتابعته على تويتر: @mortenvalbjorn.