يصعب تحديد عدد سكان شعب الطوارق نظراً لغياب الإحصاءات الدقيقة الموثقة وإن كانت بعض التقديرات تشير إلى أن إجمالي تعداد قبائل الطوارق الموزعة بين ليبيا ومالي والنيجر والجزائر وبوركينا فاسو يقارب 1.2 مليون نسمة. وتعيش أقلية تتراوح ما بين 60 ألف- 250 ألف إنسان من شعب الطوارق في ليبيا وهي تتميز ثقافياَ وحضارياَ عن نظيراتها في البلدان الأخرى.

تفنن الرحالة والمستشرقون والمؤرخون في تسمية هذه القبائل، حيث أطلق بعضهم على الطوارق اسم "الرجال الزرق" بسبب ارتدائهم الملابس الزرقاء التي يستخدمون في صباغتها تقنية خاصة تؤدي لاصطباغ جلودهم باللون الأزرق. ويفضل الطوارق تسميتهم ب(إيموهاغ) وهي تعني بالعربية " الرجال الشرفاء الأحرار".

يتحدث الطوارق اللغة الطارقية وهي لغة خاصة بهم تندرج تحتها عدة لهجات مثل التماشق والتماجق والتماهق وهي لهجات يتباين استخدامها من قبيلة إلى أخرى. وكانت قبائل الطوارق القديمة تستخدم أبجدية خاصة بها تسمى "تيفيناغ"، وقد أسهمت الاكتشافات الأثرية في جبال أكاكوس في ليبيا في استخدام تلك الأبجدية لكشف كثير من الحقائق عن تاريخ الطوارق. وبالرغم من أن الأجيال الأكبر سناً لا تزال تستخدم حروف هذه اللغة الأصيلة والنادرة إلا أن الأجيال الحديثة تجد صعوبة كبيرة في حفظ هذا الحرف وتميل لاستخدام الكتابة العربية في تسيير احتياجات الحياة اليومية.

يعتمد تراث الطوارق الأدبي الزاخر – كما هو الحال في معظم المجتمعات البدوية – اعتماداَ كبيراَ على توريث القصص والأشعار وغيرها من فنون الآداب شفهياً من جيل إلى آخر. ويستقي أدب الطوارق ثراءه من مصادر متنوعة تعتمد على الأمثال والأشعار والأحاجي والحكايات والأساطير الشعبية. وتلعب النساء دوراَ هاما في إثراء هذا الأدب المحكي بما يؤلفنه من قصائد تحتفي بالمناسبات الاجتماعية الهامة مثل الأفراح والولادات وتغير الفصول.

تقدم هذه المقالة ترجمة1لحكاية شعبية يحتويها أحد فروع الأدب الطارقي يسمى "إيماين"، وهو نوع من الأدب المنطوق يُعنى بتناول الحياة الأسرية أو سِيَر الأجداد أو حكايات عن الحيوانات. وبحسب التقاليد تلعب الأمهات والجدات دوراً رئيساً في نقل حكايات ال"إماين" لأطفالهن وأحفادهن لتعليمهم وتسليتهم.

 

رحلة الأميرة- قصة مترجمة من قصص الطوارق

تشير مفردة الطوارق إلى قبائل البربر والبدو الرُحّل الذين يتحدثون لغة التماهق، وهم يعيشون في منطقة تارجة في جنوبي غرب ليبيا التي كانت تعرف سابقاً بوادي الآجال وتغير اسمها مؤخراً ليصبح وادي الحياة.

يحكى أنه في سالف الزمان كان يعيش طفلان صغيران فقدا أمَّهما الحنون المُحِبة. ولم يكد يمضي وقت قصير على وفاة الأم حتى تزوج والدهما بامرأة أخرى أصبحت زوجة أبيهما.

وكانت الأم قبل وفاتها قد أعطت ولديها ماعزاً، وكان الولدان يعتنيان بها كل يوم. وفي يوم من الأيام حدثت معجزة أمام أعينهما، حيث شاءت قدرة الله عز وجل أن تتحول فضلات الماعز إلى تمر وبولها إلى حليب! واستمر هذا الأمر العجيب في الحدوث مرات ومرات.

وكان لزوجة الأب أطفالاً تحبهم وتعتني بهم وتطعمهم أرغفة الخبز الشهية، أما الغلام والفتاة أبناء زوجها فكانت تطعمهما الفتات والماء. ومع ذلك لاحظت زوجة الأب بدهشة وريبة أن ربيبها وأخته يكبران ويتمتعان بصحة أفضل وقوة أكبر من أطفالها. ولما تمكن منها الفضول والحيرة طلبت من أبنائها أن يراقبا أبناء زوجها أثناء رعيهما للماعز ليعرفا سر ما يحدث. وعندما حل المساء تحول بول الماعز إلى حليب وفضلاتها إلى تمر أمام أعين أبناء الزوجة الذين أخذتهم المفاجأة وسارعوا إلى نقل السر إلى أمهم.

وما أن عرفت زوجة الأب بهذا الأمر حتى بدأت تحيك الخطط لقتل الماعز مستغلة سفر الأب في رحلة طويلة. وبعد تفكير أوصت زوجة الأب أطفالها أن يخبرا الأب فور عودته بأنها مريضة. وبالفعل عندما عاد الأب من رحلته استقبله الأطفال بالترحاب وعندما سألهم: "هل كل شئ على ما يرام؟"

قالوا: "نعم. كل شيء على ما يرام، ولكن أمنا مريضة."

ولأن التقاليد تقتضي ذبح ماعز لشفاء المريض كان على الأب أن يذبح ماعزاً لتشفى الأم، وهكذا توجه الأب إلى ماعز أبنائه ليذبحها، ولكن عندما اقترب منها لم يتمكن من لمسها لأن قوة الله كانت تحميها. وعندها شعر الأب بالغضب الشديد وتملكه الشك بأن ابنته من زوجته الراحلة قد فعلت شيئاً بالماعز، فأمسك بالفتاة وقيدها وضربها ضرباً مبرحاً. وهنا انكسرت التعويذة وتمكن الأب من ذبح الماعز وشفاء زوجته المريضة.

وفي صباح اليوم التالي قاد الأب عائلته إلى مكان بعيد تاركاً وراءه ابنته مقيدة بجلد الماعز في العراء. وعندما وصلوا إلى منتصف الطريق هتف شقيق الفتاة: "يا ويحي، سامحني يا أبي لقد نسيت سوطي في المنزل ويجب أن أعود لأحضره".

وهكذا عاد الغلام إلى أخته وفك وثاقها واسترد سوطه، ولكن وقبل أن يغادرا شاءت قدرة الله أن تحدث معجزة أخرى حيث تحول جلد الماعز إلى ماعز حقيقي!

 وهنا حمل الغلام شقيقته ووضعها على ظهر الماعز وقرر أن يمشي في الاتجاه المعاكس للطريق الذي سلكه أبوه وزوجته. كان القرار صعباً، ولكن الفتى كان يعرف أنه يجب أن يهرب لينقذ شقيقته.

انطلق الثلاثة في طريقهم، ولكن الماعز التي تحمل الفتاة كانت تركض وتتقافز وتلقي بالفتاة المسكينة من على ظهرها مراراً وتكراراً حتى بدأت الفتاة تتقيأ دماً بسبب ما تعرضت له من ضرب مبرح. وبعد سفر طويل اضطر الشقيقان للتوقف لأخذ قسط من الراحة.

في هذه الأثناء، كان أحد الأمراء يسير في حاشية كبيرة بجوار المكان الذي توقف فيه الغلام وأخته، وما أن رأى الفتى الحشد يقترب حتى استجمع كل ما أوتي من قواه وركض ليقطع طريق القافلة.

وعندما رآه الأمير أمر قافلته بالتوقف وسأل الغلام عما إذا كان بحاجة للمساعدة.

"نعم" جاء رد الصبي.

فأمره الأمير بإحضار أخته ليرى ما حدث لها.

فوجئ الأمير بجمال الفتاة وانبهر بحسنها وتزوجها على الفور.

مع مرور الوقت اشتاق الأب لرؤية ابنته وانطلق في رحلة إلى القصر الذي تعيش فيه ابنته الأميرة. استقبلت الفتاة أباها استقبالاً حافلاً ونصبت له الخيام وأقامت على شرفه مأدبة عظيمة حضرها جمعٌ من كبار القرية والنبلاء. وقبل أن توضع الذبيحة أمام الضيوف طلبت الأميرة من الخدم أن يستخلصوا القلب والرأس والكبد وأن لا يضعوها مع الطعام.

وبعد انتهاء الاحتفال جاءت الأميرة لترحب بوالدها وجلست بجواره وقالت:" أهلاً بك يا أبي العزيز، أرجو أن تكون مرتاحاً في هذه الخيمة وأرجو أن تكون قد استمتعت بطعامك". ورد أباها قائلاً: "نعم يا ابنتي الجميلة، كل شيء على أكمل ما يرام." فقالت الأميرة: "وماذا عن الطعام الذي قُدِّمَ لك؟ ألم ينقصه شيء؟"

وعلى الفور تذكر الأب وقال: "نعم، كانت هناك عدة أشياء ناقصة على المائدة، فلم يكن لحم الرأس موجوداً."

أجابت الأميرة بنبرة منتصرة:" وأين كان رأسك عندما اخترت أن تربطني وتتركني وحيدة في الصحراء المقفرة؟"

ثم ألحت الأميرة في السؤال:" وماذا افتقدت غير ذلك؟"، رد الأب وقد احمرت وجنتاه من الحرج:" القلب أيضاً لم يكن موجوداً."

وهنا ردت الأميرة شامتة:" وأين كان قلبك عندما اخترت أن تربطني وتتركني وحيدة في الصحراء المقفرة؟"

ثم عادت لتسأله مجدداً:" وماذا أيضاً؟". رد أباها بجهد جهيد: "حسناً! الكبد أيضاً لم يكن موجوداً."

وهنا ردت الأميرة وقد أخذها زهو الانتصار:" وأين كان كبدك عندما اخترت أن تربطني وتتركني وحيدة في الصحراء المقفرة؟"

لم يستطع الأب الإجابة على أي من هذه الاسئلة التي تركته يرزخ تحت وطأة الشعور بالذنب والإحساس بالندم.

 

مصطفى عبد الله عبد الرحمن بشير، هو محاضر وباحث في دراسات الترجمة في جامعة طرابلس، ليبيا. وهو مترجم قصة رحلة الأميرة المنشورة هنا من اللهجة التماشيقية وهي اللهجة الأم للمترجم إلى الإنجليزية، وهو يسعى، ضمن مشروع يقوم به حاليا، إلى نقل قصص الطوارق التراثية إلى جمهور أوسع.

ملاحظة:

1-على حد علم المؤلف هذه هي المرة الأولى التي تترجم فيها هذه القصة إلى الإنجليزية أو العربية.