انضم آلاف الطلاب الإيرانيين من أعمار مختلفة إلى الاحتجاجات التي اشتعلت شرارتها إثر مقتل الشابّة الكردية-الإيرانية جينا مهسا أميني بطريقة همجية في أيلول/سبتمبر الماضي. وفي حين شاركت شرائح متنوّعة من السكان في الاحتجاجات، برزت بصورة خاصة شجاعة الشباب الإيراني في عدد كبير من مقاطع الفيديو التي جرى تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. قال المسؤولون الإيرانيون إن متوسط أعمار المتظاهرين الذين جرى اعتقالهم هو 15 عامًا، ولقي ما لا يقل عن 58 قاصرًا مصرعهم منذ أيلول/سبتمبر.

يعيش الإيرانيون تحت وطأة رياء المنظومة الحاكمة في إيران منذ الأعوام الأولى للثورة. ولكن أبناء الجيل الذي عرفته البلاد مباشرةً بعد الثورة تعرّفوا على العالم الخارجي من خلال قناتَين تلفزيونيتَين مملوكتَين للدولة. وقد اختبر هذا الجيل عن كثب التقشّف الذي ساد في مرحلة الحرب الإيرانية-العراقية، وتأثّرَ بالأهل الخائفين الذين اعتبروا أن الصمت هو الاستراتيجية الأفضل للبقاء على قيد الحياة.

ولكن جيل الـ"تيك توك" في إيران يتمتع بدرجة مختلفة من التواصل عن طريق الإنترنت، ما أتاح له تكوين آراء عالمية وتوقعات مختلفة عن حياته. وعلى الرغم من القيود المتكررة التي يفرضها النظام على منصات التواصل الاجتماعي، فإن استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة شائعٌ في البلاد، ووفقًا للتقديرات، يبلغ عدد مستخدمي موقع إنستغرام في إيران 24 مليونًا. ومن وجوه هذا الجيل الجديد سارينا إسماعيل زاده، كانت صانعة محتوى على موقعَي تيك توك وإنستغرام وهي في السادسة عشرة من العمر، تعرّضت للضرب على أيدي القوى الأمنية خلال الاحتجاجات حتى لفظت أنفاسها الأخيرة. قالت ساره في مقطع فيديو نشرته عبر موقع إنستغرام: "رأينا أيضًا أولئك الذين يستمتعون بالحياة إلى أقصى الحدود في لوس أنجلوس، ومن الطبيعي أن يطمح الإنسان إلى الخيار الأفضل".

علاوةً على ذلك، وعلى الرغم من الإجراءات المتّبعة للحؤول بصورة منهجية دون التحاق المعارضين السياسيين بمؤسسات التعليم العالي في إيران (بما في ذلك فرض حصص/كوتا للشباب المرتبطين بالجيش والنظام)، تبرز الجامعات في طليعة الاحتجاجات. المطلب الذي يرفعه الطلاب واضحٌ إلى حد كبير: إنهم يطالبون بتغيير النظام – وهو مفهومٌ لم تكن الأجيال السابقة تجرؤ على التكلّم عنه في العلن.

يَظهر تلاميذ المدارس الإيرانيون في مقاطع فيديو وهم يمزّقون صفحات كتبهم المدرسية التي تتضمن صورًا للمرشد الأعلى الحالي والسابق في إيران، ويدوسون بأقدامهم على أطرٍ تحمل صورهما.

وقد لجأ النظام، من جهته، إلى القمع الشديد ضد جميع المعارضين، بما في ذلك الطلاب. ويَظهر رد فعل النظام في الصور ومقاطع الفيديو المروّعة التي التُقِطت في جامعة شريف للتكنولوجيا حيث استخدمت القوى الأمنية العنف لتفريق التظاهرات. وقد أعلنت أكثر من 130 جامعة الإضراب منذ وقوع هذا الاعتداء الهمجي تعبيرًا عن غضبها من أسلوب النظام في معاملة طلاب جامعة شريف.

في غضون ذلك، يُقيم أكثر من 5000 من أبناء كبار المسؤولين في النظام خارج إيران، كما أُفيد، وقد أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي منصّة للإيرانيين، لا سيما الشباب منهم، كي يتابعوا أخبار المغتربين التابعين للنظام. على سبيل المثال، انتشر في عام 2021 مقطع فيديو لقائد الشرطة السابق في طهران، الجنرال مرتضى طلائعي، وهو يمارس التمارين الرياضية في نادٍ مختلط في كندا. وقد اعتُبِر أن هذا السلوك ينمّ عن رياء لأن طلائعي أدّى دورًا أساسيًا في إنشاء القوات الخاصة التي تسيطر على السلوكيات العامة. مؤخرًا، فرضت الحكومة الكندية عقوبات على طلائعي بعد تعرّضها لضغوط شديدة للتحرك في أعقاب الاحتجاجات الأخيرة.

بغض النظر عن نتائج الحركة الاحتجاجية في المدى القصير، من الواضح أن جيل الـ"تيك توك" ضاق ذرعًا بأجواء النفاق المتعدد الطبقات التي نشأ فيها. مما لا شك فيه أن هذه المجموعة الكبيرة من الأشخاص (تشير التقديرات إلى أن نسبة السكان دون سن 39 عامًا هي نحو 60 في المئة) ستطبع مستقبل إيران، فيما تواجه هجمة مرتدّة عنيفة من نظام المنافقين.

ساره بازوبندي زميلة كرسي ماري كوري في المعهد الألماني للدراسات العالمية والمناطقية في هامبرغ، وزميلة أولى غير مقيمة في المجلس الأطلسي. تركّز أبحاثها على الاقتصاد السياسي في الشرق الأوسط، لا سيما إيران. لمتابعتها عبر تويتر: @EastRisk.