لم يتدخل حزب الله بشكل مباشر في أي تفاهمات بين لبنان وإسرائيل مثل ترسيم الخط الأزرق الفاصل بينهما الذي رسمته الأمم المتحدة عام 2000، وذلك لعدة اعتبارات منها أن الحزب لا يعترف بشرعية إسرائيل وثانيا لأن اتفاقية ترسيم الحدود البرية لم تعطِ لبنان كامل حقوقه. وبحسب خبراء مثل الباحث عصام خليفة تُحدد حدود لبنان البحرية بالخط 29 وليس الخط 23 الذي تم التوافق عليه. المفارقة أن الحزب لم يتدخل في المفاوضات بشكل مباشر طوال 15 عاما إلا في الأشهر الأخيرة التي أعلن فيها موقفه وتهديده لإسرائيل معلنا أنه لن يسمح لها بنقل الغاز من منصات التنقيب الى الأسواق إذا لم يُسمح للبنان ببدء التنقيب. تجدر الإشارة هنا إلى أن إسرائيل بدأت فعلا بالتنقيب عن النفط وأبرمت اتفاقيات مع شركات عالمية لبيع الغاز الموجود في البحر.

 استطاع لبنان من خلال هذه الاتفاقية أن يفرض الخط 23 كحدود بحرية على إسرائيل، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف نظر حزب الله إلى هذا الاتفاق، ولماذا اعتبره إنجازا وأعلن الانتصار؟ ينبغي أن تُقرأ رؤية حزب الله من خلال سياقين. السياق الأول هو الصراع الداخلي بشأن سلاحه وجدواه. أما السياق الثاني فهو الصراع مع إسرائيل.

في السياق الأول، يعتبر حزب الله أن اتفاق الترسيم ودوره الأساسي في فرض معادلة جديدة يُعزز جدوى المقاومة. إذ طالما أعلن الحزب أنه ليس هناك بديلا للمقاومة التي يمثلها للدفاع عن لبنان وأن القدرات العسكرية للدولة اللبنانية لا تستطيع مواجهة إسرائيل. لذلك يرى حزب الله أن المواجهة العسكرية بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي لن تكون متكافئة وليست في مصلحة لبنان. بناءً عليه، اقترح الحزب حركة مقاومة تعتمد أسلوب العصابات في القتال وطرح استراتيجية دفاعية قوامها الجيش والشعب والمقاومة. هذه المعادلة كانت محل جدل سياسي منذ العام 2005 وحتى اليوم. هناك من اعتبرها تجربة ناجحة في ردع إسرائيل من الاعتداء على لبنان وهناك أطراف اعتبرت أن هذه المعادلة تُبرر وجود حزب مسلح خارج نطاق المؤسسات الرسمية للدولة.

استطاع الحزب في مفاوضات الترسيم أن يعزز موقفه ويؤكد أن هذه المعادلة أثبتت جدواها فلولا المقاومة وتهديداتها لما استطاع لبنان أن يفرض شروطه. حزب الله لم يقف عند فرض معادلة جديدة، بل وضع نفسه في موقع الضامن لحقوق لبنان النفطية، فهو سوف يتدخل في حال أخلّت إسرائيل بالاتفاق وسيستهدف منصات النفط إذا مُنع لبنان من استخراج الغاز. لا شك أن هذه التجربة سوف تكون حجّة يقدمها الحزب للرأي العام اللبناني حينما يحتدم النقاش حول سلاحه وجدواه. برّر الحزب التفاهم لترسيم الحدود أنه ليست المرة الأولى التي تتم فيها تفاهمات مع إسرائيل فهو أبرم اتفاقا غير مباشر مع تل أبيب حول تبادل الأسرى وتفاهم نيسان/أبريل عام 1996 الذي نص على عدم استهداف المدنيين من الطرفين.

في السياق الثاني، يعتبر حزب الله نفسه معنياً بفرض توازنات جديدة تعزز موقعه في الصراع مع تل أبيب. ساهم تدخل الحزب في المفاوضات وإرساله مسيرات الى منصات التنقيب فوق حقل كاريش في الضغط على إسرائيل وأطراف دولية لإبرام الاتفاقية. كما استفاد حزب الله من عوامل دولية ساهمت في الدفع في اتجاه الاتفاق. العامل الأول، شجعت حاجة أوروبا إلى الغاز بعد توقف توريد الغاز الروسي اليها، بسبب الحرب على أوكرانيا، الإسرائيليين والاوروبيين على الإسراع في إبرام الاتفاقية. أما العامل الثاني فهو ضغط واشنطن لإبرام الاتفاقية بهدف ضبط أسعار النفط التي ارتفعت بسبب الحرب الروسية وتخفيض أوبك بلس لإنتاجها. في هذا السياق يعتبر حزب الله أنه تمكن من فرض شروطه على تل أبيب. وصف بنيامين نتنياهو الاتفاق بأنه رضوخ لتهديدات حزب الله بعد تنازل إسرائيل عن مطلبها بخط رقم واحد. وهكذا، تمكّن حزب الله أن يفرض معادلة جديدة في ملف اقتصادي حيوي ومحوري لإسرائيل.

عباس عاصي حاصل على دكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة ليدز، وماجستير في الدراسات الدولية وماجستير في الاقتصاد السياسي من جامعة سيدني. عمل في مركز دراسات الوحدة العربية وكان باحثا مشاركا في المجلس العربي للعلوم الاجتماعية. لمتابعته على تويتر: @DrAbbasAssi