في مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، لم تعد الكمالية، وهي العقيدة المسمّاة تيمنًا بمصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة ورئيسها الأول، نزعةً رائجة. فقد بدت العقيدة التي يُزعَم أنها العقيدة التأسيسية للبلاد، قديمةً عفا عليها الزمن وغير ليبرالية بطريقة صارخة، وبدا أنها لم تعد تجذب سوى نخبة سياسية واقتصادية سابقة تستميت للتمسّك بالسلطة في ظل ظروف متغيّرة. تصادمت ركيزتا العقيدة المتمثّلتان بالعلمانية القتالية والاستغراب القسري تصادمًا عميقًا مع المجتمع التركي، بما أعاد البلاد إلى فصل أليم من فصول التاريخ السياسي الحديث الحافل بعنف الدولة.

هكذا انطلقت على قدم وساق حقبة ما بعد الكمالية في تركيا، بدفعٍ من البراعة السياسية لرئيس الحكومة آنذاك رجب طيب أردوغان الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للبلاد. وقد دأب أردوغان بثبات على تفكيك المرتكزات الراسخة للدولة الكمالية، لا سيما من خلال إعادة تكوين العلاقات المدنية-العسكرية عبر الحد من الاستقلال الذاتي للقوات المسلّحة، وإعادة تقييم المسألة الكردية من خلال عملية سياسية نصّت على إجراء مفاوضات مع المتمردين الأكراد، والأهم من ذلك، زيادة بروز الشخصيات الدينية في الميدان العام.

اليوم، تبدّلت هذه النزعات بصورة شبه كاملة. يعيد أردوغان اكتشاف الكمالية منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة في عام 2016، والتي اتّهمت الحكومة رجل الدين المقيم في المنفى فتح الله غولن بالوقوف وراءها. لقد دفعت هذه الواقعة بأردوغان إلى التحالف مع داعمي العقيدة الكمالية التي نُبِذت سابقًا، وفي ضوء استخدامه لتحالفه المستجد بهدف تطهير الدولة من أتباع غولن، تبدّلت سياسته على هذا الأساس. وُظِّف قوميون في المناصب الحكومية التي شغرت برحيل أتباع غولن. وأصبح القطاع الأمني من جديد محور الحياة العامة. في المسألة الكردية، عاد أردوغان إلى منطق الدولة الأول، وقوامه أن الحل العسكري هو الرد المناسب الوحيد على المحاولات الانفصالية.

ولكن الرئيس لا يتبنّى الكمالية فحسب، بل يحدد أيضًا الشكل الراهن لهذه العقيدة. تجتذب الكمالية على طريقة أردوغان شريحة مجتمعية أكبر من أي وقت مضى – بحيث تمدّ جسورًا بين القوميين والمحافظين في تركيا. ففي بلدٍ حيث يميل محور السياسة بطريقة لا لبس فيها نحو اليمين، تستقطب هذه المشاعر بطبيعة الحال قواعد انتخابية كبيرة.

ولكن عامل الاختلاف الواضح بين أردوغان والكماليين هو بروز الدين في الميدان العام. فقد سمح أردوغان وحلفاؤه الجدد على حد سواء بأن تسود البراغماتية في هذا المجال. على الرغم من الازدراء الشديد الذي يُظهره الحرس القديم الجمهوري للجماهير المتديّنة، تطغى في تركيا النزعة القومية الجامعة والتي تحظى بتأييد شبه عام. تمتزج الرموز الجمهورية الأولى مع النزعات الدينية، ما يستحضر المشاعر الكمالية الكلاسيكية القائمة على مناهضة الاستعمار، وعدم الثقة بالقوى الغربية، وعلى نموذج أتاتوركي للتقدّم الاقتصادي. والحال أن سياسة أردوغان الكمالية أكثر شمولًا، إذ تعيد تفسير العقيدة بهدف استقطاب القاعدة الجماهيرية المحافظة الواسعة في تركيا. فالعقيدة، في شكلها الحالي، تضع جانبًا التطلعات الكمالية الهادفة إلى إحداث تحوّل في المجتمع، وتركّز على شعارها القائل بالإذعان لسلطة الدولة.

تجلّى هذا الإجماع على نحو كامل في المشروع الانتخابي الكبير الذي كشف عنه أردوغان مؤخرًا بعنوان "قرن تركيا". لقد استلهم أردوغان برنامجه الانتخابي من السنوات التكوينية لتركيا الجمهورية، مستخلصًا أوجه تشابه بين نضالات الدولة القومية التركية في بداياتها ومساعيه الراهنة – وهي مقارنة ملائمة بوجهٍ خاص مع اقتراب الذكرى المئوية الأولى لتأسيس الجمهورية. يمزج أردوغان، في إطار مسعاه لقولبة العقيدة، بين النزعة القتالية الطبيعية التي تُعرَف بها الكمالية وبين الصناعة الدفاعية الآخذة في الازدهار في تركيا، والتي نمت تحت الرعاية المباشرة لأسرته.

كان التحالف مع الكماليين مفيدًا، في نظر أردوغان، على جبهتَين اثنتين. أولًا، اكتشف أردوغان قواعد انتخابية جديدة في الوسط واليمين السياسي، وهي كبيرة بما يكفي لسدّ الفراغ الذي خلّفه رحيل الناخبين الأكراد وسكّان المدن ذوي الميول الليبرالية. ثانيًا، يقود أردوغان الآن جميع أجهزة الدولة الكمالية، بما في ذلك المؤسسات الأمنية التي تكتسب أهمية متزايدة، ما يتيح له استخدام الوسائل التنفيذية الإلزامية للدولة كما يشاء. سيوضَع مصير هذا التحالف على محك الاختبار في حزيران/يونيو 2023، حين ستشهد تركيا واحدة من أهم الدورات الانتخابية في تاريخها الحديث.

 

باتو سوجكون محلل مخاطر سياسية متخصص بالشؤون التركية، وهو باحث في معهد صادق. لمتابعته عبر تويتر @BatuCoskunn.