فيما يستمر العرب السنّة في الشعور بالغبن وسط الانقسامات الداخلية والاحتجاجات غير الفعالة، قد يتجدّد العنف في العراق.

أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق في 27 حزيران/يونيو 2013 النتائج النهائية لانتخابات مجالس المحافظات في محافظتَي الأنبار ونينوى اللتين يتألف سكّانهما في غالبيتهم الساحقة من العرب السنّة. وقد بلغت نسبة الاقتراع في الأنبار 49.5%، إلا أنها كانت أقل بشكل ملحوظ في نينوى مع 37.5%. فقد أرجئت الانتخابات في المحافظتَين من نيسان/أبريل (عندما أجريت الانتخابات في باقي المحافظات العراقية) إلى أواخر حزيران/يونيو. ومن المرتقب أن تجري حكومة إقليم كردستان (دهوك وأربيل والسليمانية) انتخاباتها في أيلول/سبتمبر 2013. وقد برّر رئيس الوزراء نوري المالكي قرراه تأجيل الانتخابات في المحافظتين، بـ"الأسباب الأمنية"، وتحديداً تزايد وتيرة هجمات المتمرّدين وعمليات الاغتيال التي استهدفت المرشّحين والقوات المسلحة. إلا أن دوافع القرار تعود في شكل أساسي إلى الاحتجاجات غير المسبوقة المناهضة للحكومة التي تتواصل منذ أشهر عدّة ويشارك فيها العرب السنّة المهمَّشون سياسياً والمحرومون من حقوقهم السياسية. وقد بدأت هذه الاحتجاجات في كانون الأول/ديسمبر 2012 عقب الاعتقال المفاجئ للعديد من حرّاس وزير المالية السابق، رافع العيساوي، الذي هو من مواليد محافظة الأنبار، وتجمعه صلات بكتلة "العراقية" برئاسة أياد علاوي، وقد استقال من الحكومة بعد حادثة الاعتقال. ثم انتشرت الاضطرابات عبر محافظات سنّية أخرى بينها نينوى وصلاح الدين وديالى وبغداد والتاميم. 

تُظهر نسبة الاقتراع في محافظتَي الأنبار ونينوى الاستياء والتململ السياسي والاجتماعي لدى العرب السنّة منذ سقوط صدام حسين قبل نحو عقد، كما تكشف عن ضعف واضح للعملية السياسية في البلاد. فبالمقارنة مع انتخابات 2009، توجّه عدد أقل من الناخبين العرب السنّة إلى صناديق الاقتراع، في حين تبعثرت الأحزاب السياسية عبر العديد من التحالفات. لقد أظهرت هذه الانتخابات من جديد الصعوبة التي يلاقيها العرب السنة في التنظّم ووضع خطة عمل فعّالة في مواجهتهم المستمرة مع الحكومة المركزية التي يسيطر عليها الشيعة، وهذا لايصب فقط في مصلحة ائتلاف "دولة القانون" بزعامة المالكي وشركائه، إنما أيضاً الأحزاب الكردية في المناطق السنّية.

مثلما تعرّض العرب السنّة للتهميش في ظل الاحتلال الأميركي بسبب ارتباطهم بصورة جماعية بالنظام السابق، لم يُدمَج معظمهم بعد في المؤسسات الجديدة، ويواجهون مايعتبرونه سياسات تمييزية تهدف إلى "اجتثاث سنّة العراق". ويشدّدون في شكل خاص على أن التطبيع السياسي لن يكون ممكناً إذا لم يتم إلغاء سياسة "اجتثاث البعث"، فضلاً عن بعض القوانين وأحكام مكافحة الإرهاب. إلا أن هذه المطالب التي قلّل التحالف الأميركي سابقاً من شأنها، تلقى الآن ازدراء من الحكومة التي يقودها الشيعة. في الواقع، وبدلاً من إطلاق حوار جامع، يرفض المالكي باستمرار إشراك المعارضة - ولاسيما العرب السنّة - في النقاشات العامة وصنع القرارات. ولذلك تصاعدت في الأشهر الأخيرة وتيرة الانتقادات لهذا الانحراف السلطوي الواضح. 

لطالما فضّل العرب السنّة أن يصفوا أنفسهم بأنهم المدافعون الأخيرون عن الوحدة الوطنية العراقية، إلا أن هويتهم اكتسبت طابعاً مذهبياً واضحاً مع مرور الوقت. وقد ظهر ذلك جلياً لأول مرة خلال الحصار العسكري الذي فُرِض على الفلوجة في العام 2004، ثم في العام 2006، مع صعود العنف الديني والإثني، فضلاً عن المواجهات المفتوحة بين جماعات المتمرّدين السنّة والميليشيات الشيعية. كما أن عدداً كبيراً من السنّة الذين تبنّوا الخطاب القومي العلماني لكتلة "العراقية" خلال الحملات التي سبقت الانتخابات البرلمانية في العام 2010 وجدوا أنفسهم من دون قائد ولا قدرة على إيصال صوتهم. نتيجةً لذلك، بدأوا يتخلّون تدريجاً عن فكرة العمل على التوصّل إلى تسوية سلمية وتبّنوا مواقف أكثر تشدّداً مثل الانفصالية - طالبت العديد من المحافظات العربية السنّية بالحصول على الحكم الذاتي في العام 2011 - ولجأوا من جديد إلى النزاع المسلّح. وجاءت الأزمة السورية مع أبعادها المذهبية والإقليمية لتساهم أيضاً، وإلى حد كبير، في انعطاف السنّة وتقوقعهم حول سياسة الهوية.

بيد أن تعاظم الغضب السنّي من الحكومة المركزية لم يُترجَم الى قيادة سياسية موحّدة أو متماسكة. فقد أخفقت المجموعات السياسية السنّية باستمرار في تنسيق مواقفها لتحدّي التأثير الطاغي للمعسكرَين الشيعي والكردي. فحتى الاحتجاجات الأخيرة فشلت، على الرغم من المظالم المشتركة، في الالتقاء حول حركة متجانسة، إذ استمرّت الانقسامات بين الجهات المشارِكة انطلاقاً من التناقض في أهدافها وأيديولوجياتها.

بدأت الاحتجاجات الأولى في إطار "انتفاضة العرب السنّة" في شهر رمضان في أواخر العام 2012، وشاركت فيها شخصيات معارِضة بينها سياسيون من بغداد، ومسؤولون في المحافظات، وأعضاء في المؤسسات المحلية. كان الهدف الأساسي من الاحتجاجات الاعتراض على الإجراءات القمعية التي يفرضها المالكي وتسريع عودة العرب السنّة إلى المشهد السياسي. في البداية، كانت في معظمها عبارة عن تجمّعات سلمية سعت إلى إطلاق حوار مع بغداد عن طريق الوساطة. وقد التقت شخصيات سنّية، على غرار نائب رئيس الوزراء صالح المطلك ورئيس مجلس النواب أسامة النجيفي، مرّات عدّة مع القادة السياسيين والقبليين والدينيين في الأنبار، ولاسيما مع الشيخ عبد الملك السعدي، أحد المرشدين الروحيين الأساسيين للمتظاهرين.

لكن هذه المحاولات التي بُذِلت للشروع في حوار مع بغداد منيت في معظمها بالفشل، ماأدّى إلى انقسام الحركة الاحتجاجية وصعود لاعبين أكثر تشدّداً في صفوفها. كما أن عدم تجاوب المالكي مع مطالب المحتجّين واستخدامه المفرط للعنف - لاسيما حملة القمع الشديد في الحويجة في 23 نيسان/أبريل - تسبّبا أكثر فأكثر بجنوح المحتجّين نحو التشدّد، وبالتالي نحو العنف، مع تجدّد المطالبات الانفصالية. وقد تأثّر عدد كبير من السنّة بالدعاية التي يقوم بها المتطرّفون سعياً إلى استغلال غضبهم، الأمر الذي أدّى إلى عسكرة الاحتجاجات في العديد من المدن العربية السنّية، مثل الفلوجة وتكريت والموصل، وإلى منح الزخم للمجموعات الجهادية مثل دولة العراق الإسلامية التابعة لتنظيم القاعدة وجيش رجال الطريقة النقشبندية "النيو بعثي". وفي غضون ذلك، هدّدت القبائل المحلية التي شارك بعضها سابقاً في حركة "الصحوة"، بشَهْر السلاح، فيما نأى قادة سياسيون آخرون بأنفسهم عن الاحتجاجات وانضووا من جديد في الحكومة.

واقع الحال هو أن فشل احتجاجات 2012-2013 في توليد قيادة عربية سنّية قوية، وتكريسها للانقسامات في صفوف السنّة، ينعكسان على مستويات عدّة في نتائج الانتخابات الأخيرة التي تشير إلى التصدّع المستمر في المشهد السنّي في العراق، وتراجع تأثير القوى القائمة، بما في ذلك "العراقية"، وائتلاف "متّحدون" بقيادة محافظ نينوى أثيل النجيفي. كما أنها تُظهر بوضوح استياء معظم الناخبين العرب السنّة الذين يبتعدون تدريجاً عن قادتهم محمّلين إياهم مسؤولية عدم تحقيق أي تقدّم ملموس، والذين باتوا يشكّكون في فائدة المشاركة والتعبئة السياسيتين وقدرتهما على جعلهم يلقون آذاناً صاغية. قد يؤدّي ذلك إلى تجدّد العنف في الأشهر المقبلة، لاسيما مع اقتراب الانتخابات التشريعية في العام 2014. فقد أعلن عدد من القوى السنّية العربية أن الدفاع عن النفس مبرّر في وجه القمع الذي تمارسه السلطات في بغداد أو الهجمات المذهبية. فضلاً عن ذلك، وفي أعقاب الجولة الثانية من الثورة في مصر، دعا العديد من قادة الاحتجاجات أنصارهم إلى النزول إلى الشارع من جديد وإسقاط النظام. سوف تحدّد الأشهر المقبلة إذا كان العرب السنّة مستعدّين أم لا للتكيّف مع التوازنات السياسية الجديدة في العراق، ومدى قدرتهم على تشكيل تحالفات تحدّ من حالة التهميش البنيوية التي يتعرّضون لها، لا بل تضع حداً نهائياً لها وتحدث انعطافاً في أوضاعهم.

مريم بن رعد باحثة حول الشرق الأوسط واختصاصية في الشؤون العراقية في معهد العلوم السياسية في باريس.